; في تنسيق تام مع الموساد.. المرتزقة الصهاينة يخربون القارة الإفريقية | مجلة المجتمع

العنوان في تنسيق تام مع الموساد.. المرتزقة الصهاينة يخربون القارة الإفريقية

الكاتب محمد جمال عرفة

تاريخ النشر الثلاثاء 30-يناير-2001

مشاهدات 55

نشر في العدد 1436

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 30-يناير-2001

• ضباط الجيش السابقون يجنون ذهبًا، عبر دعم الانقلابات وحماية الحكم الدكتاتوري.

• المياه والسلاح أدوات محاربة النفوذ العربي في إفريقيا.

بإمكانك أن تربح ذهبًا في حالة قبولك بهذا العرض، هذه هي إحدى الرسائل القصيرة التي تنشرها شركات المرتزقة الصهاينة في الصحف العبرية لدعوة ضباط وجنود الجيش الصهيوني المسرحين من الخدمة للالتحاق بها للعمل في الكثير من دول العالم النامي، خصوصًا إفريقيا وأمريكا اللاتينية لحماية حكام دكتاتوريين، أو تدريب قوات جيش متمرد، أو حرس أحد القواد المغمورين الطامحين للقيام بانقلاب عسكري، أو زعزعة نظام دولة ما، وليس سرًا أن هناك العشرات من هذه الشركات التي تجني الملايين من وراء هذه الخدمات المشبوهة التي تتقاطع في تقديم خدماتها مع مصالح المخابرات الصهيونية، بل وتنسق معها في العديد من الحالات لتحقيق مصالح الكيان الصهيوني.

وعلى سبيل المثال فقد نشرت شركة يغال للخدمات الأمنية الصهيونية إعلانًا في الصحف الصهيونية في نهاية العام الماضي (٢٠٠٠م) تطلب فيه عددًا من الضباط الصهاينة الذين خدموا في الوحدات المختارة في الجيش وتسرحوا للتو من الخدمة العسكرية، أما العمل الذي تقترحه هذه الشركة فهو أن يعمل هؤلاء الضباط مدربين للحراس الذين يقومون بحماية بعض قادة أنظمة الحكم الدكتاتورية في إفريقيا، وقد أجرى راديو الجيش الصهيوني لقاء يوم 3٠ أكتوبر الماضي مع (جابي أرتون) نائب مدير هذه الشركة التي تتخذ من كل أبيب مقرًا لها أكد فيه أن شركته أبرمت عقودًا مع العديد من أنظمة الحكم في إفريقيا تقوم بموجبها بتوفير خدمات التدريب للحراس الشخصيين للقادة الأفارقة وفي أمريكا الجنوبية، لكنها أصبحت تعاني من البطالة بسبب تحول العديد من الأنظمة الدكتاتورية إلى نظم ديمقراطية، وشرح أرنون جانبًا من نشاط شركته قائلًا: «إن شركته تبحث بشكل خاص عن خريجي الوحدات المختارة، وعلى الأخص من وحدة «سييرت متكال» التي تتولى بشكل تقليدي تنفيذ المهام الخاصة التي تكلف بها هيئة أركان الجيش، وكذلك وحدات «المستعربين» التي يطلق عليها «دوفيديفان» وتتولى تنفيذ العمليات الخاصة داخل الضفة الغربية وقطاع غزة وكذلك وحدة «يمام» التابعة للشرطة الصهيونية وهي الوحدة المختارة التي تخضع مباشرة لأوامر المفتش العام للشرطة، ومعروف أن هذه الوحدات الثلاث كان لها دو ر كبير في اغتيال العديد من قادة انتفاضة الأقصى المباركة.

وقد رفض (أرنون)- على الرغم من إلحاح مقدمة البرنامج- أن يكشف عن أسماء الدول التي تتعامل مع شركته، لكنه أشار إلى أن الشركة وعملاءها من خريجي الوحدات المختارة يجمعون أموالًا طائلة جراء القيام بهذه الأعمال، مشيرًا إلى أن العديد من الدول الإفريقية تستقدم ضباطًا عملوا في الأجهزة الاستخبارية الصهيونية مثل الموساد والشاباك والاستخبارات العسكرية، ليتولى هؤلاء تدريب كوادر الأجهزة الأمنية في تلك الدول وعلى الأخص حول جمع المعلومات الاستخبارية وكيفية مواجهة وقمع المعارضة في هذه البلدان (!).

ولم ينس (أرنون) بالطبع أن يكشف عن أن «الأنظمة الدكتاتورية هي فقط التي تقوم باستقدام خريجي الجيش الصهيوني، على حد قوله!، وأن هناك ممثلين لشركته يعملون في العديد من العواصم الإفريقية، حيث يحافظون على شبكة علاقات قوية مع الأنظمة الحاكمة وأجهزتها الأمنية أولًا بأول، ويتولى هؤلاء الممثلون نقل طلبات هذه الأنظمة من المدربين إلى مقر الشركة في تل أبيب التي تتولى بدورها البحث عن الأشخاص المطلوبين، ويعمل هؤلاء الخريجون ضمن عقود عمل سنوية يتقاضى بمقتضاها المدرب الواحد أجرًا لا يقل عن مائة ألف دولار في العام.

كما أكد أن شركته كانت تتعامل مع معظم الأنظمة الدكتاتورية في أمريكا الجنوبية حتى أوائل التسعينيات قبل أن يتم التخلص من هذه الأنظمة بعد التحول للديمقراطية بشكل جارف.

وأن عددًا من الأنظمة الحاكمة كانت تستعين بشكل مباشر بعملاء شركته في عمليات القمع التي كانت تتم ضد المعارضين في هذه الدول.

جسور الموساد في منابع النيل:

وقد أصبحت أنباء تولي ضباط صهاينة أمن بعض الرؤساء الأفارقة وتوجيه سياسة تلك البلاد تجاه الكيان الصهيوني أمرًا عاديًا منذ سبعينيات القرن الماضي، ولكن اللعبة الجديدة التي بدأت شركات المرتزقة والسلاح الصهيونية تلعبها بالتعاون مع أفرع المخابرات الصهيونية المختلفة هي لعبة تهديد مصالح الدول العربية الحيوية عبر القارة الإفريقية، مثل لعبة التحكم في مياه النيل عبر أثيوبيا بمشاريع مشبوهة تخنق مصر والسودان، أو تحريض دول مثل إرتريا على السيطرة على جزر يمنية مهمة تتحكم في مدخل البحر الأحمر من الجنوب مثل مجموعة جزر حنيش، أو التحكم في اقتصادات بعض الدول الإفريقية عبر تأجيج الصراعات وبيع السلاح للطرفين المتنازعين ومن ثم السيطرة على نقاط إستراتيجية وتجارية مهمة في القارة السمراء وضمان أصوات العديد من هذه الدول في الأمم المتحدة عبر سياسة الجزرة.

وكنموذج حي على هذه اللعبة الجديدة كشفت وسائل الإعلام الصهيونية أن شركات استثمارية صهيونية يملكها جنرالات متقاعدون في الموساد تبحث مع الحكومة الإثيوبية حاليًا إمكان المساهمة في بناء جسور على منابع نهر النيل في الأراضي الإثيوبية للاستفادة من المياه المهدرة التي تدفق هضبة الحبشة، وذلك في محاولة جديدة للإضرار بالأمن المائي المصري والسوداني، والتأثير على حصتهما في مياه نهر النيل.

وذكر راديو «عروتس شيفع» العبري التابع للمستوطنين الصهاينة يوم 30/12/2000م أن شركات متخصصة في مجال الاستشارات الهندسية والإنشاءات قد عرضت بالفعل على الحكومة الإثيوبية مقترحات للمساهمة في القيام بمشاريع استثمارية على النيل واللافت -كما قال الراديو- أن وزارة خارجية الكيان الصهيوني قد شجعت هذه الشركات على المساهمة في هذه المشاريع، وأن الحكومة تدرك حساسية كل من مصر والسودان لمثل هذه المشاريع على النيل، خاصة أن هناك احتمالًا لأن تؤثر هذه المشاريع على منسوب تدفق مياه نهر النيل إلى كل من مصر والسودان.

 والمثير أكثر للريبة أن بعض الشركات التي تقدمت بعرض للحكومة الإثيوبية يملكها جنرالات متقاعدون في الجيش والموساد، وأن هؤلاء الجنرالات يستغلون علاقاتهم الشخصية مع المسؤولين الإثيوبيين بغرض كسب عطاءات مثل هذه المشاريع.

وقد أكد الصحافي شلومو تكديمون الذي عمل مستشارًا إعلاميًا لرئيسي وزراء الكيان الصهيوني السابقين مناحيم بيجين وإسحاق شامير وجود هذه الخطط بشكل رسمي، وكتب يقول إن الحكومات الإسرائيلية أدركت أنه بواسطة العلاقة مع إثيوبيا وإريتريا بالإمكان تهديد مصالح مصر والسودان الإستراتيجية في منابع نهر النيل.

وربما لهذا أصبحت العلاقة بين القادة الصهاينة وزعيمي كل من إثيوبيا وإريتريا وثيقة للدرجة التي يختار فيها الثاني مستشفيات تل أبيب لإجراء عملية جراحية العام قبل الماضي، ولأن هذه اللعبة الصهيونية مكشوفة فقد سعت مصر والسودان للالتفاف عليها، وتخفيف أضرارها على البلدين، وصدرت تصريحات مصرية وسودانية عدة تكشف ضمنًا الاستعداد للتوغل الصهيوني واللعب بمياه النيل.

فقد أكد الدكتور غازي صلاح الدين -وزير الثقافة والإعلام السوداني- وجود تعاون مع مصر للوصول إلى شكل من أشكال الوحدة لمواجهة هذا التغلغل الذي قد يؤثر سلبًا على مصر والسودان بصورة خاصة.

الصهاينة يشترون مياه النيل:

 كما كشفت مناقشات مؤتمر العلاقات العربية الإفريقية -الذي نظمه في القاهرة مركز دراسات وبحوث الدول النامية التابع لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة نهاية العام الماضي- عن تفاصيل خطيرة للتوغل الصهيوني في القارة الإفريقية بما يهدد الأمن القومي العربي، وقد أكد الباحثون المشاركون في المؤتمر أن الصهاينة تمكنوا من عقد عدة اتفاقيات مع أربع دول في حوض النيل لشراء مياه النيل منها، في محاولة لتوصيل المياه إليها عن طريق ترعة السلام في مصر، والتي توصل مياه النيل إلى شبه جزيرة سيناء التي تقع على الحدود مع فلسطين المحتلة.

وأشارت الأبحاث إلى أن غياب إستراتيجية ومفهوم الأمن العربي الجماعي والأمن المائي كان وراء نجاح الصهاينة في التوغل داخل القارة الذي بدأ مبكرًا منذ عام ١٩٥٦م مع كينيا ثم أوغندا عام ١٩٦٢م بمساعدات عسكرية وتقنية، ثم تنزانيا وبورندي ورواندا، ومحاولة إقامة دولة توتسية أو جيتو في بورندي.

وأوضحت الأوراق البحثية التي تمت مناقشتها في الجلسة مسؤولية الكيان الصهيوني عن تدهور الأوضاع الأمنية بين عدد من الدول الإفريقية، وخاصة في منطقة البحيرات العظمي ومنابع النيل بتحويل عدد من الحركات الإثنية المتقاتلة بالسلاح والمعلومات الاستخبارية، وخاصة حركة التمرد في جنوب السودان، ودلل الباحثون على صحة هذه الأنباء بإعلان قائد حركة التمرد في السودان جنون جارنج عن استعداده لاستغلال (٢٥) مليار متر من المياه لإقامة (١٢) سدًا ومشروعًا في الجنوب، وهو ما يعني انتزاع (9) مليارات متر من المياه كانت مصر تخطط لاستغلالها في الزراعة.

اختراق أفريقيا بالسلاح:

 أما اللعبة الصهيونية الثانية -بعد لعبة مياه النيل- فهي شركات السلاح وصفقات السلاح، وفي هذا الصدد رصدت الاستخبارات الفرنسية أكثر من نشاط صهيوني في القارة الإفريقية، وتعمدت تسريبه للصحافة الفرنسية، ومنها لكل دول العالم، على أمل فضح المخططات الصهيونية في القارة، والتي تؤثر سلبيًا على المصالح والنفوذ الفرنسيين التقليديين هناك خصوصًا في البلدان الفرانكفونية التي يلعب فيها النفوذ الصهيوني دورًا تقليديًا لصالح النفوذ الأمريكي الأنجلوسكوني.

ومن هذه التقارير الخطيرة التي نشرت في الصحف والمجلات الفرنسية الشهيرة مؤخرًا -مثل لوموند دبلوماتيك وجون أفريك والإكسبرس- تقرير يكلف قيام الكيان الصهيوني بتكثيف جهوده في الآونة الأخيرة لاختراق دول وسط وجنوب القارة الإفريقية من خلال صفقات السلاح التي يمول بها المتمردين، إضافة لشراء الشركات التي بدأ بعض دول القارة الإعلان عن خصخصتها وبيعها بهدف خلق مناطق نفوذ متكاملة، ورسم خريطة تخدم المصالح الصهيونية في إفريقيا، وتنافس النفوذ العربي القديم هناك.

وفي سياق هذه الخطة قامت شركات السلاح الصهيونية في الأشهر الأخيرة بتزويد جيش رواندا وبوروندي بالأسلحة القديمة دون مقابل لكسب ود السلطات الحاكمة في البلدين، وحتى يمكنها التطفل في منطقة البحيرات، كما قامت بتزويد المتمردين التوتسيين في شرق زائير بالأسلحة كي يفجروا الأحداث في كمبالا، ويستولوا على معظم شرق البلاد (تحرك المتمردون بالفعل واغتالوا رئيس الكونفو -زائير سابقًا- لوران كابيلا منتصف يناير، وساعدتهم كل من أوغندا ورواندا حليفتا الصهاينة التقليديتين).

والهدف هو تشكيل حزام في منطقة البحيرات العظمي حيث منابع النيل، وبالتالي التحكم فيها وتهديد دولتي المصب العربيتين: مصر والسودان.

وفي هذا الصدد كشف التقرير الفرنسي عن أن القنصل الفخري الصهيوني في أوغندا هو همزة الوصل في عمليات بيع الأسلحة، وأنه وكيل مبيعات الأسلحة الصهيوني الأكبر في القارة الإفريقية، وتمتد أعماله من كمبالا لتصل إلى رواندا وبوروندي وكينيا وأثيوبيا، وإلى جانبه يقف العميد احتياط «عاموس غولان» الذي يدير شركة سيفر شدو، وكذلك الطيار الاحتياط «روعي دوتان» صاحب شركة للإرشاد في شؤون الطيران.

وبالإضافة إلى هؤلاء هناك أيضًا «أشر بلادي»، الذي نجح في أن يبيع لجيش بتسوانا مدافع من طراز (155) مم، وفي الكاميرون ينشط «ميوجاس»، وفي نيجيريا اللواء احتياط «شلومو إيليا» الذي نجح في أن يبيع لجيشها أجهزة تنصت والعقيد «بيتر كلابي»، وهو صاحب شركة تدريب على السلاح، وشريك في شركة معدات دفاعية، وتمتد نشاطاته ما بين ليبيريا وسيراليون.

ولا تقتصر المساعي الصهيونية للوجود المكثف في هذه المنطقة على الرغبة في التحكم في المياه فقط؛ إذ إن هذه المنطقة تشتهر بالماس الذي يعتبر الكيان الصهيوني من أكبر تجاره، وتعزيز الوجود الصهيوني في هذه المنطقة يؤثر ليس فقط على مصالح الماليات العربية والإسلامية، ولكنه يفتح الباب للمسيطرة على تجارة الماس أيضًا.

وقد كشفت الاجتماعات التي جرت في باماكو عاصمة مالي بين وزراء داخلية الدول الإفريقية في منتصف ديسمبر الماضي عن تورط الدول الإفريقية في إنفاق ٢٠ مليار دولار على الأسلحة وقد اتفق الوزراء على وضع سياسة محددة ومشتركة بين الدول الإفريقية للتصدي لظاهرة تداول الأسلحة غير الشرعية، وانتقالها عبر حدود الدول الإفريقية، بعدما وصل عدد الأسلحة التي يتم تداولها بين الدول الإفريقية عبر التهريب إلى ما يزيد على (١١) مليون قطعة سلاح غير مرخصة.

وتطرق الاجتماع لتقارير دولية عن حجم التسلح في القارة السمراء، منها التقرير الذي أعده مركز الدراسات والأبحاث بالكونجرس الأمريكي عام ١٩٩٧م والذى أشار إلى إنفاق الدول النامية- وعلى رأسها دول إفريقيا -لما يزيد على (٢٠) مليار دولار على الأسلحة فيما بين عامي ۱۹۸۲م 1٩٩٦، وقد ألمح رئيس مالي إلى أن هذه الأسلحة غير الشرعية تستخدم بشكل أساسي في الإطاحة بالديمقراطية في بعض البلاد الإفريقية.

شراء الشركات البحرية:

أما مسألة شراء الشركات التي تبيعها الدول الإفريقية، فتكفي نظرة على إحصاءات الشركات التي تقدم الصهاينة لشرائها لكشف أن المقصود هو الشركات البحرية في المقام الأول للسيطرة على الطرق البحرية أيضًا في القارة الإفريقية.

ففي السنغال اشترى الصهاينة عددًا كبيرًا من الشركات، كان لشركة «زيم» الصهيونية دور فيها، حيث تسيطر هذه الشركة على النقل البحري في إفريقيا، وتقوم بتعطيل إجراءات النقل والشحن للمنتجات العربية: مما يعرضها للخسارة، ويساعد على ذلك أن هناك اهتمامًا عربيًا ضعيفًا بإفريقيا، فالتبادل التجاري بين الدول العربية وإفريقيا نسبته (5%) من حجم التبادل التجاري مع العالم الخارجي، رغم أن ثلاثة أرباع العرب أفارقة، وأن ربع الأفارقة عرب، وأن (١٠) دول عربية تقع في إفريقيا و(16) دولة من الدول الأعضاء في المؤتمر الإسلامي (عددها 55) هي دول إفريقية، وأن (٥٠%) على الأقل من سكان القارة الإفريقية يدينون بالإسلام، إضافة إلى أن مجموع عدد الدول العربية والإفريقية يبلغ (66) دولة، أي ما يتجاوز ثلث عدد أعضاء منظمة الأمم المتحدة.

الرابط المختصر :