العنوان في حوار حصري لـ «المجتمع»: «الجبالي» رئيس الحكومة التونسية الجديدة يتحدث عن مواجهة التحديات (۲- ۲)
الكاتب ا. محمد سالم الراشد
تاريخ النشر الجمعة 13-يناير-2012
مشاهدات 59
نشر في العدد 1984
نشر في الصفحة 26
الجمعة 13-يناير-2012
سنكون صرحاء مع الشعب في مهمتنا.. فإذا وفقنا الله سنواصل
وإلا سنترك سدة الحكم ونسلم الأمر للشعب ليختار من يشاء
حاوروه في تونس: محمد سالم الراشد.
نشعر أننا أمام تحد كبير سواء في الميزانية أو الاستثمار
السياحة الآن معطلة وخطتنا هي استرجاع أمن البلاد وهو من أولوياتنا القصوى
سياساتنا الخارجية مبنية على مبادئ.. منها لا بد أن يكون الثلاثي «الجزائر وتونس وليبيا» ركيزة فضاء «جيوستراتيجي» نحرص على تنميته
غلق الطرق والمصانع ومن بينها مصنع «الفوسفات» أدى إلى خسارة الدولة ما يقارب 10 ملايين دولار في اليوم الواحد
تستمر «المجتمع» في نشر ما جاء بالحوار الحصري مع رئيس الحكومة التونسية الجديدة د. حمادي الجبالي حول ملامح المستقبل القادم، وأهم العقبات التي تواجه حكومته، والرؤية التي تمتلكها حركة النهضة بشأن الخروج من نفق هذه الصعوبات..
وفي هذه الحلقة سيتحدث الجبالي عن الوضع الاقتصادي التونسي، والعلاقات الخارجية وملامحها في المستقبل، ليختم حواره معنا برسم صورة أمنياته المستقبلية تجاه تونس.
· الملف الإقتصادي يعتبر ملفًا شائكًا ومحرجًا، فما رؤيتكم لحل تلك المشكلة؟
- الملف الاقتصادي من أصعب الملفات التي تواجهنا في الوقت الراهن، لأن أحد أسباب الثورة هو الدعوة لمعالجة الملفات الاقتصادية والاجتماعية، التي تراكمت، فتونس في عهد «بن علي» لم تكن دولة بمفهوم الدول، لأنها أفسدت الحرث والنسل.
وكانوا يعرضون على المستثمر ثلاثة حلول: إما أن يعطيهم، أو يشاركهم في المشروع، أو السجن، وكانوا يركزون على المشاريع الكبرى الناجحة، حتى أنهم حطموا كل شيء، وبالتالي هناك إرث ثقيل، فهناك ۷۰۰ ألف عاطل من بينهم ۲۰۰ ألف من أصحاب الشهادات، وتخريج شاب من الجامعة ليس بالأمر السهل، بل جاء نتيجة تضحية العائلة بقوتها في سبيل تعليم ابنها، كما يوجد الآن تخريب متعمد للاقتصاد التونسي مثل إغلاق المصانع، وقطع الطرق، وانسحاب الأمن لعدم تحمله، فالآن تأتي لي تقارير أمنية من الشرطة والجيش، أنهم يؤثرون الانسحاب من الشوارع خوفًا من الاحتكاك والتلاحم مع المواطنين التونسيين.
أما مسألة غلق الطرق والمصانع ومن بينها مصنع «الفوسفات»، فهذا الإغلاق يؤدي إلى خسارة الدولة يوميًا ١٢ مليون دينار، أي ما يقارب 10 ملايين دولار في اليوم الواحد.
لذا نشعر بأننا أمام تحد كبير، سواء في الميزانية أو في الاستثمار، والسياحة الآن معطلة، وخطتنا هي استرجاع أمن البلاد، وهي من أولوياتنا القصوى، وليس يفهم من ذلك المفهوم الضيق للأمن، فالأمن يتطلب صرامة حسب القانون وحسب الدستور، ولكن دون أن نقع في مطب الاعتقالات العشوائية والتعذيب والمحاكمات السياسية، لأننا سوف نطبق دولة القانون والقضاء المستقل، ونحن حرصنا على ذلك منذ اليوم الأول، يصاحب ذلك معالجات اجتماعية لحل مشكلات وقضايا الناس، ونحن قادرون بعون الله على الحوار معهم، حيث نزل إخواننا في كثير من المدن لمحاورة المضربين عن العمل والمعتصمين وفضوا كثيرًا من الإضرابات والاعتصامات ولكن الشباب مستعجل ولا يمكن أن يتفهم، فمطالبهم ملحة، وعاجلة، وأنهم قد يئسوا من الوعود، فليست هناك ثقة من الشباب تجاه الحكومة، لذا أول ما نقدم عليه هو معالجة ملفات الجهات المحرومة والتشغيل والتشغيل يستدعي الاستثمار، والاستثمار يستدعي الأمن، وبإذن الله كل تلك المنظومة سوف نسعى لتحقيقها.
كذلك سوف نكون صرحاء مع الشعب في كل كبيرة وصغيرة تتعلق بمستقبل البلاد، وسوف نظهر لهم إمكاناتنا وما يمكننا فعله بالفعل دون مبالغة، وأننا وهم شركاء في بناء الوطن، فإذا وفقنا الله تعالى في البناء والتنمية ومعالجة القضايا المختلفة التي تمس المجتمع سنواصل البناء بالتعاون مع الشعب، أما إن كانت الأخرى وفشلنا فيما طرحناه من حلول للمشكلات التي تعاني منها البلاد، سوف نترك سدة الحكم وتسلم الأمر للشعب يختار من يشاء.
· في ضوء السياسة الخارجية السابقة لتونس، ما هو تصوركم للعلاقات الخارجية فيما يتعلق بالاتحاد المغاربي، وخصوصًا ما حدث من توتر على الحدود الليبية، هل تعتبرونها سياسة موجهة للحكم الجديد، أم هي سحابة صيف عما قليل سوف تنقشع؟
- سياساتنا الخارجية مبنية على مبادئ منها لا بد أن يكون الثلاثي «الجزائر وتونس وليبيا» ركيزة فضاء «جيوستراتيجي» نحرص على تنميته، فيما يتعلق بالمسألة الليبية، نحن نتمنى للإخوة في ليبيا التوفيق والسداد في ظل الحكم الجديد، ونتمنى نجاح تجربتهم، وليبيا تعتبر بعدًا إستراتيجيًا لتونس غاية في الأهمية.
بعد زيارة الشيخ «راشد الغنوشي» للجزائر، خرج الإخوة الجزائريون بتفهم كبير للتجربة التونسية، لأنه كان هناك بعض التخوفات والهواجس التي انتابتهم في ظل التطورات التي تلاحقت سريعًا في تونس.. التخوفات والهواجس التي كان يشعر بها الإخوة في الجزائر من التغيرات التي حدثت في تونس سببها الخوف من العدوى، وانتقال ذلك إلى الجزائر، كذلك كانوا يخشون من دعم حركة «حمس»، فشرحنا لهم أن الثورة التونسية ليست للتصدير، وأننا لسنا أوصياء على الشعوب، كما أن الثورة هي ملك للشعوب إن أرادت، وأوضحنا لهم أننا لا نتدخل في الشؤون الداخلية للجزائر، كذلك يحرص الإخوة في الجزائر على مسألة أمن الحدود المشتركة.
أما موقف الجزائر من الثورة الليبية، سوف نساعد على تلطيف الأجواء بين السلطات الجزائرية والسلطات الليبية، وهذا ما يقوم به بالفعل الشيخ «راشد الغنوشي» بزيارته للجزائر، وقريبًا سوف يتوجه للأشقاء في ليبيا لبذل المساعي الحميدة بين البلدين الشقيقين.
أما المشكلة الليبية، فنحن نقول: إن إخواننا اللاجئين الليبيين قد عبروا عن امتنانهم وارتياحهم لحسن المعاملة التي وجدوها من إخوانهم التونسيين، سواء على المستوى الشعبي أو المستوى الرسمي، وسوف يقوم وزيرا الداخلية والدفاع بزيارة الشقيقة ليبيا من أجل حل مشكلة اللاجئين؛ لأن هناك بعض الصحف تحاول إفساد العلاقات التونسية الليبية بسبب موضوع اللاجئين، وتكتب بالبنط العريض: «اطردوا الليبيين لا بد أن ندافع عن كرامة تونس وسيادتها من عبث الليبيين وانتهاكاتهم للسيادة التونسية»، فهل من أجل مشكلة صغيرة على الحدود نطرد اللاجئين الليبيين ونقوم بشن حرب كبرى على الشقيقة ليبيا؟ فمثل هذا التحريض لن ينطلي علينا.
· لماذا أخرجتم المغرب من الأبعاد الثلاثة؟
- نحن لم نتعمد إخراج المغرب من هذا الثلاثي، بل كل تركيزنا على الدول الملاصقة والمجاورة لنا ذات الحدود المشتركة.
بعد ذلك سوف يكون التركيز على كل من المغرب ومصر، ولكن الانطلاقة والبداية لا بد أن تكون أولًا من الثلاثي، لأن هذا ما يدعم فكرة بناء المغرب العربي، حيث هناك مشكلة الصحراء القائمة حاليًا بين المغرب والجزائر، وشعرنا برغبة الطرفين «المغرب والجزائر» بأنهما على أتم الاستعداد لحل هذه القضية.
· وماذا عن علاقاتكم مع باقي مكونات العالم الخارجي؟
- ما يتعلق بالعلاقات التونسية مع المشرق العربي ودول الخليج، فقد كانت تعاني من خلل في عهد «بن علي»، فأنا على علم بالاستثمارات الكويتية في تونس، والإخوة في الكويت تعرضوا لخيبة أمل كبيرة مع هذا النظام، كما أن «بن علي» لم يحاول رأب الصدع وبناء علاقات جيدة مع الأشقاء في المملكة العربية السعودية وبقية دول الخليج إلا من خلال المنظومة الأمنية.
أخبرني الشيخ «راشد الغنوشي» بمجيء وفد خليجي من أجل إنشاء بنك إسلامي في تونس بميزانية خمسة مليارات دولار، وظل هذا الوفد لأسبوع كامل من أجل لقاء محافظ البنك المركزي، وبعد أن استقبلهم، قال لهم: إن التشريع التونسي لا يسمح بإنشاء ذلك البنك، حدث ذلك بعد الثورة، كما أنه يتم منع أي لجان وهيئات إغاثة من حط رحالها في تونس، وكذلك بنوك الاستثمار الإسلامية، وحجتهم في الرفض أن كل ذلك يصب في صالح «النهضة»، وهؤلاء من حلفاء «النهضة».
أما علاقاتنا مع الدول الأوروبية، فنحن ندعمها ونسعى لإقامة علاقات متوازنة معها، وأخبرناهم بأن لديهم الفرصة الآن لإقامة علاقات ذات شراكة جديدة، لأنكم في مواجهة حكم ديمقراطي وشعبي، لا نقبل الهيمنة أو النظرة الدونية، وسوف نتعامل معكم بانفتاح ولكن بالندية والمساواة فيما بيننا من أجل تنمية المصالح والمنافع المشتركة، والدول الأوروبية على أتم الاستعداد في التعامل معنا بالمنطلق الجديد وقد اعترفوا بأخطائهم في التعاملات السابقة.
كذلك سوف تكون العلاقة مع آسيا كالصين والهند واليابان، وقد جاءت وفود من تلك البلدان من أجل الاستثمار في تونس ما بعد الثورة.
كذلك هناك عمق أفريقي كالسنغال، وساحل العاج، وجنوب أفريقيا وغيرها من الدول.
· ما طموحاتكم المستقبلية؟
- أعتقد باستلام «النهضة» للقيادة في تونس، وحزب «العدالة والتنمية» في المغرب، وكذلك السودان وليبيا، فمن المفترض أن تقود الجامعة العربية تلك المجموعة الإسلامية الجديدة في التعامل مع الغرب نحو زيادة العزة العربية وعدم التبعية لأحد، لأن الغرب كان يراهن على انتشار الكراهية بين الشعوب العربية نتيجة الكراهية المتبادلة بين الأنظمة العربية، لذا ينبغي على الحكومات الإسلامية التي ستستلم الحكم أن تجعل الشعوب العربية تحب بعضها، فإلى متى نعاني من التشرذم والقطيعة وقد تجاوزنا قطار التقدم بمراحل زمنية بعيدة؟!
أما على مستوى الرؤية الاقتصادية، نحن نعاني من عجز في الميزانية يقدر بـ٦%؛ أي ما يعادل ثلاثة مليارات دولار، فالاتحاد الأوروبي والبنوك وعدونا بتوفير مبلغ مليار ونصف المليار من الدولارات، وسوف نعاني في توفير المليار ونصف المليار الباقية، لأنه ليس هناك من يعطي مبالغ نقدية في الحال.
فلو أردنا أن نطبق استراتيجيتنا الاقتصادية فلا بد من تطبيقها الآن وعلى وجه السرعة.
فعلى سبيل المثال، هناك جهات ومناطق كثيرة في تونس ليس لديها مستشفيات متخصصة في طب الأطفال والعيون، وهناك مستشفيات ليس بها تجهيزات طبية حديثة ومتطورة، لذا يلجأ السكان في المناطق البعيدة إلى الذهاب إلى المدن الكبرى كتونس العاصمة وصفاقس والانتظار لأيام وربما الشهور حتى يأتي عليهم الدور لدخول تلك المستشفيات المتخصصة ذات التجهيزات الطبية الحديثة، ولا يستطيع تحمل تلك النفقات الباهظة إلا الأثرياء، على حين هناك قطاع كبير من الشعب التونسي يعجز عن توفير القوت اليومي، وبالتالي لا يستطيع الإنفاق على العلاج، ومن هنا نحن ندعو إلى توفير العلاج المجاني في كافة المدن التونسية ولا تكون المستشفيات المتخصصة والمجهزة بأحدث الأجهزة الطبية قاصرة على عدد قليل من المدن، بل يجب أن تعم المدن التونسية قاطبة.
فهذه قضايا إنسانية يجب دعمها والاهتمام بها، ومن أجل ذلك نحن نطالب بدعم الدول ذات الإمكانات الضعيفة مثل تونس بالاستثمارات، ونحن سوف نعطي كافة الضمانات التي يطمئن لها المستثمر، لإيماننا بتبادل المنافع وتقسيم الربح فيما بيننا والمستثمر.
كذلك نحن نعاني من المشكلة السياحية سواء فيما يتعلق بالمسائل التربوية والأخلاقية ولكن مع ذلك لا نستطيع أن نقوم بإغلاق تلك المناطق السياحية في وجه السياح بحجة أن هناك عدم التزام بالزي الإسلامي وبيعها للخمور، فهذا الأمر يعتبر من باب الانتحار، في ظل وجود أكثر من ٢.٥ مليون مواطن أي نحو ربع سكان تونس يقتاتون على السياحة، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، ولا يوجد مصدر دخل بديل في حالة إغلاق تلك الأماكن، فالحل هو توفير البديل حتى يتسنى لنا الإقدام على الشروع في إغلاق تلك الأماكن.
وعلى المستوى الزراعي، تونس مشهورة بزراعة الرمان، والرمان التونسي له قبول كبير في العالم، ونحن سوف نوفر الأراضي للمستثمرين الراغبين في زراعة الرمان في تونس، وسوف ندرس مسألة تمليك الأراضي للمستثمرين في المستقبل.
وسوف نسعى في المستقبل إلى إلغاء «الفيزا» ونجعل الدخول للأراضي التونسية على حملة بطاقات الهوية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل