; في ذكرى استشهاده سلفية حسن البـنا المفترى عليها | مجلة المجتمع

العنوان في ذكرى استشهاده سلفية حسن البـنا المفترى عليها

الكاتب المستشار سالم البهنساوي

تاريخ النشر الثلاثاء 22-فبراير-1983

مشاهدات 58

نشر في العدد 609

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 22-فبراير-1983

● حسن البنا لم يدع إلى الداء العضال كما ادعى الذين يصرون على ذمه والنيل منه.

● رد على الذين أظهروا الإمام الشهيد في صورة تنتقص من علمه ومن عقيدته باسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

● الذين يتقولون على الإمام الشهيد يفتعلون النزاع مع فكره والله تعالي يحذرهم بقوله: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفشَلُواْ وَتَذهَبَ رِيحُكُم وَٱصبِرُواْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ (الأنفال:46)

لقد قامت دعوة الشهيد حسن البنا على جمع كلمة المسلمين فيما اتفقوا عليه ولكن بعض دعاة الإسلام يظن أن الأمر بالمعروف أن يأخذ عبارة واحدة من كلام الإمام فيظهره في صورة تنتقص من علمه بل ومن عقيدته. وكل ذلك يتم باسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومن الأمثلة على ذلك: 

أولًا- الخلاف حول آيات الصفات:

قال أحدهم: «إن الشيخ البنا حاول التهوين من شأن الذين قالوا: إن آيات الصفات من المتشابه ولا تلاقي بيننا وبينهم». لقد أورد الإمام هذا في رسالة العقائد ورسالة التعاليم، وليس فيما أورده تهوين في عقيدة السلف. بل كتب أن مذهب السلف في آيات الصفات وأحاديثها أن نؤمن بها كما وردت ونترك بيان المقصود منها إلى الله تعالى «1». 

أما رأيه في مذهب الخلف فقد نقل عنهم أنهم يقطعون أن معاني هذه الآيات والأحاديث لا يراد منها ظواهرها وأنها من المتشابه ثم أوضح الإمام هدفه من عرض رأي المذهبين فقال: «وضح أمامك طريقا السلف والخلف، وقد كان هذان الطريقان مثار اختلاف شديد بين علماء الكلام من أئمة المسلمين... ولو ترك كل منهما التطرف والغلو وإن البحث في مثل هذا الشأن مهما طال القول لا يؤدي في النهاية إلا إلى نتيجة واحدة هي التفويض لله تبارك وتعالى «2»

إن الإمام البنا أراد حسم الخلاف في هذه المسألة بتفويض الأمر إلى الله تعالى أي عدم التأويل والتعطيل ومع هذا أسيئ إليه فقيل: إنه مزعزع العقيدة «3». 

وقيل: إنه يدافع عن المذهب القائل أن آيات الصفات من المتشابه حسبما جاء في كتاب الجماعات الإسلامية في ضوء الكتاب والسنة ولقد وزعت كتب مجانية على الشباب تضمنت أن من أصول العقيدة أن آيات الصفات ليست من المتشابه، وتضمنت أخرى الطعن في حسن البنا وهؤلاء يعلمون الخلاف حول آيات الصفات، فلا ينبغي أن نغفل رأي الأئمة الأعلام الذين قالوا أن آيات الصفات من المتشابه ومنهم السيوطي في لباب النقول في أسباب النزول، ومختصر تفسير ابن كثير جـ 1 ص ٢٦٤، والاعتصام للشاطبي جـ 1 ص٥٥ و٢٣٩ وأحكام القرآن للجصاص جـ 2 ص9، والملل والنحل للشهرستاني جـ ١١ ص ١٠٤ وقد نقل عن الإمام أحمد بن حنبل، وتاريخ المذاهب الإسلامية للشيخ محمد أبو زهرة ص٢٣٦ وقد نقل عن الإمام ابن تيمية، وصفوة التفاسير للصابوني، وكذا المراجع التي نقل عنها، فلا يقال والحال هذه أن هذه المسألة محل إجماع ولا يفسر كلام حسن البنا خلافًا لما صرح به وهو ما نبينه فى البند التالي: 

ثانيًّا- ضعف عقيدة البنا:

لقد أورد حسن البنا في رسالة التعاليم الأصل العاشر في الفهم ونصه، «معرفة الله تعالى وتوحيده وتنزيهه أسمى عقائد الإسلام، وآيات الصفات وأحاديثها الصحيحة وما يليق بذلك من التشابه، تؤمن بها كما جاءت من غير تأويل ولا تعطيل، ولا تتعرض لما جاء فيها من خلاف بين العلماء، ويسعنا ما وسع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأصحابه ﴿ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلعِلمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلّ مِّن عِندِ رَبِّنَا (آل عمران:7).

ومتى يظن أحد أن الإمام يميل إلى رأي الخلف المتضمن تأويل آيات الصفات فقد قال «نؤمن بها كما جاءت من غير تأويل ولا تعطيل» وأما عبارة التشابه فقد ارتبطت بقوله «وما يليق بذلك من التشابه» وهذا غير آيات الصفات ومع هذا الوضوح في الفهم فإن الإمام البنا يذكر في رسالة العقائد أن عقيدته هي عقيدة أهل السلف فيقول «ونحن نعتقد أن رأي السلف من السكوت وتفويض علم هذه المعاني إلى الله تبارك، أسلم وأولى بالاتباع حسمًا لمادة التأويل والتعطيل» ص٤٥٨

إنه على الرغم من هذا التكرار والتركيز على عقيدة السلف من الشيخ حسن البنا وإعلانه أنه يدعو إلى هذه العقيدة، إلا أن نفرًا من الدعاة إلى الإسلام كتبوا باسم عقيدة السلف أن حسن البنا وجماعته متهمون في عقيدتهم، فلديهم ميوعة عقائدية، وليس لدى الإخوان قاعدة عقائدية أجمعوا أمرهم على تبنيها والدعوة إليها «المرجع السابق ص 108» «4»

وأدلة هؤلاء على هذا الاتهام الذي جعلوه سبيلهم في توحيد الجماعات الإسلامية هي:

1- أن عقيدة البنا في توحيد الصفات مضطربة بدليل ما جاء في البند العاشر من رسالة التعاليم، وقد مر بك أنه في هذا البند يرجح الإمام حسن البنا عقيدة السلف، فأين اضطراب عقيدة التوحيد عنده؟

2- استنادًا إلى المقدمة السابقة «الخاطئة» توصل هؤلاء إلى نتيجة خاطئة هي دليلهم الثاني، ونَصه «والاعتقاد بأن آيات الصفات وأحاديثها من المتشابه هو الأصل الذي بنى عليه حسن البنا قوله بالتفويض... وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أقوال أهل التفويض وفند مقالتهم وهي مقالة الجهمية والمعتزلة وأمثالهم» ص۱۱۲.

حسن البنا المفترى على عقيدته:

ويلاحظ على هذا الدليل ما يأتي:

أ- إنه أقحم الشيخ حسن البنا ضمن من يقطعون بأن آيات الصفات من المتشابه، ومقالته تنطوي على التوفيق بين أهل السلف والخلف في هذه المسألة «دون تأويل أو تعطيل» فإذا قال دون تأويل فقد نفى أن يكون قد بنى عقيدته على أن آيات الصفات من المتشابه فضلًا عن تصريحه بالأخذ برأي السلف.

ب- إن جمهورًا من الفقهاء قد قالوا إن آيات الصفات من المتشابه، ولم يقل أحد من أهل السنة بفساد عقيدتهم، وقد نقل هذا عن أحمدبن حنبل والسيوطي وابن كثير والشاطبي والجصاص، حسبما فصلناه في أول المقال. ومع هذا فإن عبارته لا تفيد أن آيات الصفات من المتشابه حسبما أوضحناه.

جـ- إنه يوجد فرق شاسع جدًّا بين قول حسن البنا «نعتقد رأي السلف من السكوت وتفويض علم هذه المعاني إلى الله» وبين ما ذهب إليه من يسمون في التاريخ الإسلامي باسم أهل التفويض الذين رد عليهم الشيخ ابن تيمية، فهذا اصطلاح واسم لمذهب معين، وهؤلاء يدخل منهم المعتزلة والجهمية.

أما عبارة «إن رأي السلف تفويض علم هذه المعاني إلى الله» فلا يمكن بحال من الأحوال أن يفهمه أحد الفهم الذي تصيده الناقدون فقد خلطوا عمدًا بين «5» كلمة التفويض في اللغة العربية وتعني عدم التأويل والتعطيل وترك الأمر إلى الله لقوله تعالى ﴿وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلعِلمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلّ مِّن عِندِ رَبِّنَا (آل عمران:7) «6» خلطوا بين هذه الكلمة وبين عبارة «أهل التفويض» التي تشير إلى فئة معلومة تعارفوا على تأويل آيات الصفات، وهؤلاء يخالفون السلف، والشيخ حسن البنا عندما أشار إلى التفويض قال: إنه عقيدة السلف فقطع الطريق أمام من يدعي أنه أراد الاقتصار لرأي الخلف ومنهم أهل التفويض.

ولكن باسم الأمر بالمعروف، وباسم توحيد العمل الإسلامي يطعن بعض الدعاة في الجماعات الأخرى وينسبون إليها ما لا يجول بخاطرها ثم يقولون «7»: إن عقيدة الإخوان مزعزعه لأن سيد قطب نقل إن أحاديث الأحاد لیست حجة في العقائد وكان أولى بهم أيضًا أن ينقلوا الفصول التي أوردها في كتاب السنة المفترى عليها دفاعًا عن أحاديث الآحاد وأن يذكروا أن الشهيد سيد قطب ينقل عن بعض الفقهاء.

ثالثًا- حسن البنا وعقائد الصوفية: 

نقل هؤلاء عن الشيخ حسن البنا قوله «وتستطيع القول ولا حرج عليك أن الإخوان المسلمين دعوة سلفية وطريقة سُنية وحقيقة صوفية» ونقلوا عنه قوله في رسالة التعاليم «والدعاء إذا قرن بالتوسل إلى الله بأحد من خلقه خلاف فرعي في كيفية الدعاء وليس من مسائل العقيدة». ثم قال الناقدون أن هذا يوقع في الشرك الصريح. وأن التصوف داء عضال وسم قاتل يجب على المسلم أن يغيره بیده.. أما تمجيده وأن ندعو إلى إقامة ديننا عليه فلا يقبله مسلم ص ۱۰۸، ۱۰۹ من كتب الجماعات الإسلامية: 

وهؤلاء يتجاهلون أمورًا منها:

1- أن حسن البنا لم يدع إلى التصوف المذموم الذي قال عنه الناقدون: إنه داء عضال. فقد شرح عبارته «حقيقة صوفية» بقوله «لأنهم يعلمون أن أساس الخير طهارة النفس ونقاء القلب والمواظبة على العمل والإعراض عن الخلق والحب في الله والارتباط على الخير» «8»

إن المؤلف الناقد قد خصص في كتابه فصلًا عن الفكر الصوفي ذكر منه أن «رائد الفكر الصوفي الذي ظهر بعد الإسلام، ابن إبراهيم بن أدهم المتوفي سنة ١٦١هـ، بلحن، أسند الحديث، لم ينحرف كثيرًا في العقيدة عن الكتاب والسُنة، وهو من الذين شهد لهم ابن تيمية بالاستقامة في الفتاوى جـ 10 ص 515 «9»

3- فلماذا يرفض الناقدون تعريف حسن البنا لقصده من التربية الصوفية وهي التربية التي تتفق مع تصوف إبراهيم بن أدهم الذي مدحوه.

4- ليس صحيحًا أن كلام الشيخ حسن البنا عن التوسل يؤدي إلى الشرك الصريح، وأن من أثبت وسائط بين الله وخلقه فهو مشرك يقتل ردة كما يقولون ص ۱۱۰

أ- فالإمام ابن تيمية يقول عن الصوفية «طائفة ذمت الصوفية والتصوف وقالوا: إنهم مبتدعون خارجون عن السُنة».

وطائفة غلت فيهم وادعوا أنهم أفضل الخلق بعد الأنبياء. ثم قال «والصواب أنهم مجتهدون في طاعة الله كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة الله. ففيهم السابق للقرب بحسب اجتهاده، وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين، وفيهم من يذنب فيتوب أو لا يتوب، ومن المنتسبين إليهم من هو ظالم لنفسه، عاص لربه وقد انتسب إليهم طوائف من أهل البدع والزندقة، ولكن عند المحققين من أهل التصوف ليسوا منهم» «10»

ب- والإمام ابن تيمية لا يقول بكفر من توسل بالدعاء مع إنكاره لأكثره فقد قال «يقول بعضهم: إذا كانت لك حاجة استوصِ الشيخ فلان فإنك تجده أو توجه إلى ضريحه خطوات وناده يقضِ حاجتك، وهذا غلط لا يحل فعله..»

ويقول «والعجب من ذي عقل سليم يستوصي من هو ميت يستغيث به ولا يستغيث بالحي الذي لا يموت، ويقوى الوهم عنده إنه لولا استغاثته بالشيخ الميت لما قضيت حاجته فهذا حرام فعله».

وعن التوسل بمخلوق إلى الله تعالى قال ابن تيمية «ولو قال قائل لمن يستغيث به: أسألك بفلان أو بحق فلان، لم يقل أحد: إنه استغاث بما توسل به، بل إنما استغاث بمن دعاه وسأله» «11»

والمعنى أنه يكون قد استغاث بالله وليس بالمخلوق الذي توسل به إلى الله، لهذا قال لا وجه لتكفير من قال بالتوسل سالف الذكر لأنها مسألة خفية وأدلتها ليست جلية وظاهرة، ولكن ابن تيمية يرى أن هذا النوع من التوسل جائز إن كان توسلًا بالأنبياء وغير جائز لمن عداهم «12» 

وخلاصة هذه المسألة أنه قد اتفق الفقهاء أن هذا النوع من التوسل ليس كفرًا ولكنهم اختلفوا فيها من حيث جواز ذلك من عدمه «13»

لقد كان أوائل الصوفية ملتزمين بالكتاب والسُنة وواقفين عند حدود الشرع، مطاردين للبدع «14»، فلماذا يساء إليهم وإلى من قال فيهم كلمة خير كالإمام البنا؟ فقد قال ذو النون المصري «من علامات الحب لله عز وجل متابعة حبيب الله- صلى الله عليه وسلم- في أخلاقه وأوامره وسُنته» «15»

وقال الجنيد: «من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث لا يقتدى به في هذا الأمر لأن علمنا هذا مقيد بالكتاب والسُنة» «16»

ويقول أبوزيد البسطامي: «لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى يرتقي في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود وأداء الشريعة» «17»

ويقول أبو عثمان سعيد الحبري: «من أمر السُنة على نفسه قولًا وفعلًا نطق بالحكمة ومن أمر الهوى على نفسه نطق بالبدعة» «18»

جـ- والإمام الشاطبي يقول: «19» «الكلام في دقائق التصوف ليس ببدعة بإطلاق، ولا هو مما صح بالدليل بإطلاق، بل الأمر ينقسم، ولفظ التصوف له عند المتقدمين معنيان، أحدهما التخلق بكل خلق سني، والتجرد عن كل خلق دني، والآخر؛ إنه الفناء عن نفسه والبقاء لربه - والأول إنصاف الظاهر والثاني إنصاف الباطن، ومجموعهما هو التصوف، وإذا ثبت هذا فالتصوف بالمعنى الأول لا بدعة فيه لأنه يرجع إلى تفقه ينبني عليه العمل، وهو فقه صحيح، وأصوله في الكتاب والسُنة ظاهرة، وأما المعنى الثاني فهو على أضرب: 

أحدها: يرجع إلى العوارض الطارئة على السالكين إذا دخل عليهم نور التوحيد الوجداني فيتكلم فيها بحسب الوقت والحال وما يحتاج إليه في النازلة الخاصة

رجوعًا إلى الشيخ المربي، فمثل هذا لا بدعة فيه لرجوعه إلى أصل شرعي. ففي الصحيح عن مسلم «أن النبي- صلى الله عليه وسلم- جاءه أناس من أصحابه فقالوا: يا رسول الله إنا نجد في أنفسنا الشيء العظيم أن نتكلم به، ما نحب أن لنا، وإنا تكلمنا به، قالوا: أوجدتموه، قالوا نعم، قال: ذلك صريح الإيمان».

والثاني: يرجع إلى النظر في الكرامات وخوارق العادات وما يتعلق بها مما هو خارق في الحقيقة أو غير خارق، فهذا ليس ببدعة.

والثالث: ما يرجع إلى النظر في مدركات النفوس من العالم الغائب وأحكام التجريد النفسي والعلوم المتعلقة بعالم الأرواح وندوات الملائكة والشياطين والنفوس الإنسانية والحيوانية وما أشبه ذلك وهو لا شك بدعة مذمومة إن قصد جعله علمًا.

والضرب الرابع: يرجع إلى النظر في حقيقة البناء من حيث الدخول فيه والاتصاف بأوصافه وقطع أطماع النفس من كل جهة، وهذا نوع من الفقه المتعلق بأهواء النفوس لا يعد من البدعة.

لقد قيل عن الإمام حسن البنا: إنه مزعزع العقيدة لما قاله عن التوسل إلى الله بأحد من خلقه عن طريق الدعاء والاستغاثة وهو أن يسأل الله بقدر فلان ومكانته عند الله وإن كانت الأسانيد والأدلة السابقة لم تفصح في نظرهم عن صحة حكمه في المسألة فقد اتفق الفقهاء على أن هذه المسألة ليست شركًا لأنها استعانة بالله- تبارك وتعالى- وليس استعانة بالتوسل به ولكنهم اختلفوا في التوسل من حيث الحِل والحُرمة.

فقال جمهور من الفقهاء أنه يجوز التوسل بالأنبياء والصالحين حال حياتهم وبعد مماتهم قال به مالك والسبكي والكرناني والنووي والقسطلاني والسمهوري وابن الحاج وابن الجزري.

1- فقد روى أن مالك- رضي الله عنه- سأله أبو جعفر المنصور العباسي ثاني خلفاء بني العباس فقال: يا أبا عبد الله «أأستقبل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأدعو أم أستقبل القبلة وأدعو فقال له مالك: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى يوم القيامة بل استقبل واستشفع به فيشفعه الله «20» 

2- وقال السبكي وإذا جاز السؤال بالأعمال كما في حديث الغار الصحيح وهي مخلوقة فالسؤال بالنبي- صلى الله عليه وسلم- أولى وقد يكون ذكر المحبوب أو المعظم سببًا للإصابة ولا فرق في ذلك بين التعبير بالتوسل أو الاستغاثة أو التشفع ومعناه «التوجه به في الحاجة» «21»

3- وقال أبو منصور الكرياني من الحنفية: إن كان أحد أوصاك بتبليغ التسليم، تقول: السلام عليك يا رسول الله من فلان ابن فلان يستشفع بك إلى ربك بالرحمة والمغفرة فاشفع له «22» 

4- قال النووي عند زيارة قبر الرسول- صلى الله عليه وسلم: يتوجه الزائر إلى قبر الرسول- صلى الله عليه وسلم- ويستشفع به في حق نفسه ويستشفع به إلى ربه سبحانه وتعالى «23» 

5- قال القسطلاني في المواهب ما نصه: وينبغي للزائر أن يكثر من الدعاء والتضرع والاستقامة والتشفع والتوسل به- صلى الله عليه وسلم- فجدير بمن استشفع به أن يشفعك الله تعالى فيه «24» 

6- قال السمهوري «التوسل والتشفع والاستغاثة به- صلى الله عليه وسلم- وبجاهه وبركته من سنن المرسلين وسيرة السلف الصالحين واقع في كل حال قبل خلقه- صلى الله عليه وسلم- وبعد خلقه في حياته الدنيوية وبعده البرزخ وعرصات القيامة.

7- قال ابن الحاج عند الكلام على زيارة القبور. ثم يتوسل بأهل تلك المقابر الصالحين منهم في قضاء حوائجه ومغفرة ذنوبه ثم يدعو لنفسه ولوالديه ولمشايخه وأقاربه ولأهل تلك المقابر ولأموات المسلمين ولأحبائهم وذريتهم إلى يوم الدين ويكثر من التوسل لأن الله سبحانه، وتعالى اجتباهم وشرفهم وكرمهم فكما نفع بهم في الدنيا ففي الآخرة أنفع فمن أراد حاجة فليذهب إليهم ويتوسل بهم «25»

8- وعد ابن الجزري من آداب الدعاء أن يتوسل الداعي إلى الله تعالى بأنبيائه والصالحين من عباده. 

وكذلك أقره ابن مصلح في منتهى الإيرادات، فقال: ويباح التوسل بالصالحين.

وبعد:

فإن كان هؤلاء جميعًا ومن أخذ عنهم ناقص العقيدة عند من ظنوا أنهم أحرص من هؤلاء الأئمة على التزام منهج السلف الصالح فحسبنا وحسب الإمام حسن البنا هذا السلف الصالح.

رابعًا- حسن البنا والتعصب المذهبي:

باسم عقيدة السلف نقل هؤلاء عن الإمام حسن البنا أنه يبرر وجود الخلاف بين المسلمين وهذا يعد منهاجًا للإخوان المسلمين، وبالتالي فدعواهم لنبذ الخلاف والتعصب المذهبي نفخة في رماد أو صيحة في واد، لأن الإجماع على أمر فرعي يتعذر عندهم للأسباب التالية: 

أ- اختلاف العقول في قوة الاستنباط أو ضعفه وإدراك الدلائل والجهل بها.

ب- اختلاف البيئات، حتى أن التطبيق يختلف باختلاف كل بيئة.

جـ- اختلاف الاطمئنان القلبي إلى الرواية عند الفقهاء.

د- اختلاف تقدير الدلالات.

وهذه الأسباب التي نقلوها من رسالته «دعوتنا» مسبوقة بقوله ص ٣ «إن دعوة الإخوان المسلمين دعوة عامة لا تنتسب إلى طائفة خاصة ولا تنحاز لـ رأي عرف عند الناس بلون خاص ومستلزمات وتوابع خاصة وهي تتوجه إلى صميم الدين ولبه.. وهي من الحق أينما كانت تحب الإجماع وتكره الشذوذ.

ونحن مع هذا نعتقد أن الخلاف في فروع الدين أمر لابد منه ضرورة ولا يمكن أن نتحد في الفروع والآراء والمذاهب لأسباب عدة وذكر الأسباب السابقة.

ولكن الناقدين جعلوا ذلك ضعفًا في عقيدته وأوردوه تحت عنوان التمذهب. ونسوا أنهم أنفسهم في صدر كتابهم ص٢٦ قالوا بوجود اختلاف التنوع وليس اختلاف الفرقة، ونقلوا روايات تفيد أنه قد اختلف أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في أمور فخطأ بعضهم بعضًا ونظر بعضهم في أقاويل بعض ولو كان قوله كله صوابًا عندهم لما اختلفوا..». 

والناقدون انتهوا إلى قوله «واختلاف الصحابة يقع تحت قول رسول الله- صلى الله عليه وسلم: «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر واحد» ص۲۹.

والناقدون للإمام البنا لا يجهلون أن الاختلاف في الفروع له أسباب عند السلف الصالح وقد أجملها الإمام البنا وهم قد ذكروها في مقدمة كتابهم «الجماعات الإسلامية» ولكنهم أحلوا لأنفسهم أمرًا ثم صرفوه على حسن البنا وتجاوزوا الحد فزعموا أن ذلك من أسباب زعزعة العقيدة عنده وجماعته ثم اتهموه بالتعصب المذهبي لمجرد أنه التمس عذرًا للمختلفين في الفروع للأسباب الذي ذكرها وهي أسباب لا يختلف أحد أنها هي مجمل أسباب هذا الاختلاف. إن موطن الداء السائد بين أشخاص ممن انتسبوا إلى العمل الإسلامي أنهم ظنوا أن غايتهم الشريفة في الانتصار لكفرهم وجماعتهم، تبيح لهم وسائل غير شريفة من الطعن في غيرهم والتقول عليهم ونسبة السوء إليهم حتى لو ارتكبوا حريمة الغيبة والنميمة ولعل هذا من أسباب تأخير نصر الله حيث يخاطب جميع المسلمين بقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفشَلُواْ وَتَذهَبَ رِيحُكُم (الأنفال:46)

هوامش

«1» مجموعة رسائل حسن البنا ص 327

«2» المرجع السابق ص 329

«3» الجماعات الإسلامية. تأليف سليم الهلالي ص 108

 «4» الجماعات الإسلامية في ضوء الكتاب والسُنة. تأليف سليم الهلالي وزياد الدبيج ص ١٠٨ وما بعدها.

«5» رسالة المؤتمر الخامس - مجموعة الرسائل ص١٥٦

«6» كتاب الجماعات الإسلامية ص ٨١

«7» مجموع الفتاوى جـ 11 التصوف ص 18

«8» مجموع الفتاوى كتاب التصوف جـ ١١ ص ٥٢٧

«9» المرجع السابق جـ 1 ص ١٠٦

«10» تفصيل ذلك بأخر الفصل الرابع

«11» فتاوى معاصرة للدكتور يوسف القرضاوي ص 632

«12» الرسالة القشيرية جـ1 ص 55، 107، 82، 111.

«13» القسطلاني 8/ 34، وفا الوفا ٣ ص ١٣٧٦

«14» وفا الوفا 3/ 1372

«15» وفا الوفا 3/ 1376

«16» المجموع للنووي 8/ 274

«17» المواهب اللدنية 8/ 303 و304، 305

«18» وفا الوفا 3/ 1371

«19» المدخل لابن الحاج ٢ ص ٢٤٩

«20» الحصن الحصين، جلاء العينين ١ ص ٤٣٦

«21» الاعتصام جـ 1 ص ۲۱۰

الرابط المختصر :