; في ذكرى استشهاد البنا.. مدرسة شعارها الإيمان | مجلة المجتمع

العنوان في ذكرى استشهاد البنا.. مدرسة شعارها الإيمان

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 20-فبراير-2001

مشاهدات 59

نشر في العدد 1439

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 20-فبراير-2001

محمد عبده

 الإسلام يريد من الفرد وجدانًا شاعرًا يتذوق الجمال والقبح.. وإدراكًا صحيحًا يتصور الصواب والخطأ، وإرادة حازمة لا تضعف ولا تلين في سبيل الحق.

كلنا نتساءل: كيف استطاع الإمام الشهيد حسن البنا أن يبني ذلك الصرح المتين والبنيان الشامخ والقواعد الراسخة القوية التي أنتجت كل هذه الأجيال المتعاقبة المتوارثة القوية؟ هل كان الرجل يملك عصًا سحرية تملك القلوب وتأسر النفوس؟ هل كان ذا سلطان ومنعة وقوة تجعل الناس يؤمنون بفكرته ويؤيدون جماعته ويضحون من أجل دعوتها بالنفس قبل المال؟ نعم.. كلنا نتساءل: كيف كان الإمام ناجحًا في دعوته وتربيته للأفراد الذين كانوا معه حتى ضربوا لنا هذه النماذج الفريد والأمثلة العظيمة؟

 فكثير من الشباب الذين أصيبوا بالفتور.. وأصيبوا ببعض أمراض مجتمعاتهم من حب الدنيا وطول الأمل.. تحت وطأة ضغط الحياة ومطالبها التي لا تنتهي.. نسوا واجبهم الحقيقي كدعاة إلى الله.. وأصبحوا فريسة سهلة لشيطانهم اللعين الذي أخذ يوسوس لهم حتى كاد يقعدهم عن الحركة.

 وكلما اقتربنا من هذه الفئة وحاورناهم وجدنا أنهم يتهمون أنفسهم ويعيبون عليها استسلامها ورضوخها.. ويبدون رغبتهم الحقيقية في اللحاق بقطار الفلاح، والتعلق بقوارب النجاة، والعودة من جديد إلى الحظيرة الطاهرة، وكتائب الإيمان العامرة، ولكن سرعان ما تتهاوى هذه الرغبة أمام التراخي الشديد والاستسلام لواقع الحياة والاستجابة لمحاولات الشيطان الدؤوبة. 

ولما كان من الأهمية بمكان البحث عن وسيلة مضمونة النتائج للخروج من هذا المأزق الذي يتعرض له الشباب ومساعدتهم.. كان علينا أولًا البحث عن الأسباب الحقيقية وراء هذا الوضع.

 وإذا نظرنا بعين الدراسة والتحليل... وبشيء من الشفافية والمصداقية نجد أن نقص الإيمان وضعف الصلة بالله سبب مباشر في ذلك، وعليه فإننا إذا أردنا أن نعالج هذه المشكلة من جذورها كان علينا معالجة هذا الأمر، فالإيمان أولًا... فبزيادة الإيمان وتقوية الصلة بالله والعودة من جديد إلى مدارس التربية الروحية سنصحح المسار ونضع أقدامنا على بداية الطريق الصحيح. 

والإمام الشهيد حسن البنا نموذج عملي لنا في هذه السطور، إذ استطاع أن يتغلب على مشکلات عصره رغم الفساد المستشري في ذلك الوقت.. وأن يحسن تربية أبنائه في محاضنه التربوية التي استحدثها ومنها استمد قوة جماعته الحقيقية في مواجهة أعدائها والمتربصين بها.. ففي محاضنة التربوية يحصل الأبناء على قسطهم الروحي والفكري.

فقد اعتنت هذه المحاضن أول ما اعتنت بالناحية الإيمانية وتحسين الصلة بالله.. وهي سر صمود هذه الجماعة الشامخة التي تعرضت لضربات ظنها الأعداء قاضية، ولكنها زادت الصف شموخًا ورسوخًا فتهاوی أمام صبرها جبابرة الأرض، وطغاة العصر. يقول الإمام الشهيد عن هذه المحاضن التربوية التي تقوم على كتاب الله والنهج النبوي في تربية الأفراد.. بعد أن حدد أركانها «التعارف والتفاهم والتكافل» يقول رضى الله عنه: «فإذا أديتم هذه الواجبات الفردية والاجتماعية والمالية فإن أركان هذا النظام ستتحقق ولا شك، وإذا قصرتم فيها فسيتضاءل حتى يموت وفي موته أكبر خسارة لهذه الدعوة وهي أمل الإسلام والمسلمين».

 لذلك سنقرأ معًا بعضًا من مقولاته محاولين الاختصار حتى لا نطيل.. يقول الإمام الشهيد رافعًا راية التربية ومقدمها على ما سواها «سنربي أنفسنا ليكون منا الرجل المسلم، وسنربي بيوتنا ليكون منا البيت المسلم، وسنربي شعبنا ليكون منا الشعب المسلم»، ولكن ما عدة الإمام في هذه التربية؟ يرد الإمام موضحًا: «وقد أعددنا لذلك.. إيمانًا لا يتزعزع.. وعملًا لا يتوقف.. وأرواحًا خير أيامها يوم أن تلقى الله شهيدة في سبيله». 

حقاً نحن في حاجة ماسة إلى عرض أنفسنا على مقولات ذلك الرجل المربي المخلص المجاهد، فما أعظمها من كلمات تربط القلوب بخالقها، فها هو ذا يوضح الفهم القاصر عند كثير من الناس في فهم حقائق الدعوات والأسس التي تبنى عليها، والخلط بينها وبين المظاهر، يقول الإمام الشهيد: «وينظر الناس في الدعوات إلى مظاهرها العملية وألوانها الشكلية ويهملون كثيرًا النظر إلى الدوافع النفسية، والإلهامات الروحية التي هي في الحقيقة مدد الدعوات وغذاؤها وعليها يتوقف انتصارها ونماؤها».

 وهكذا كان الإمام يعول كل طموحاته وآماله في عودة مجد الإسلام من جديد على الإيمان الصادق وإحياء القلوب بحسن الصلة بالله، ولذلك تراه يقول: «ولهذا أستطيع أن أقول إن أول ما نهتم له في دعوتنا، وأهم ما نعول عليه في نمائها وظهورها وانتشارها هذه اليقظة الروحية المرتجلة.. فنحن نريد أول ما نريد يقظة الروح.. حــياة القلوب. صحوة حقيقية في الوجدان والمشاعر... نحن نريد نفوسًا حية قوية متينة، وقلوبًا جديدة خفاقة ومشاعر غيورة ملتهبة...». يا الله! يا لها من كلمات صادقة، ومعان حية وعبارات خرجت من القلب لتستقر في القلوب وانعكست على الجوارح التي ترجمت هذه المواعظ وتلك القوانين إلى أفعال وصور حية في زمن قل فيهم من تمسك بدينه فكانوا كالغرباء بين بني قومهم. 

وها هو الإمام المربي يبين أهمية يقظة القلب وضرورة الإيمان، وحضور المشاعر والوجدان، فهي التي ستستقبل التكاليف وتتحمل الأعباء، فيجب أن تتهيأ لهذه المهمة العظيمة، يقول الإمام الشهيد: «قبل أن نتحدث إليكم في هذه الدعوة عن الصلاة والصوم، وعن القضاء والحكم، وعن العادات والعبادات وعن النظم والمعاملات نتحدث إليكم عن القلب الحي.. والروح الحية.. والنفس الشاعرة.. والوجدان اليقظ.. والإيمان العميق»، وماذا عساه أن يفعل هذا القلب الحي والروح الحية والإيمان العميق؟ يقول الإمام الشهيد: «ستعمل هذه اليقظة عملها في الفرد، فإذا به نموذج قائم لما يريده الإسلام من الأفراد.. إن الإسلام يريد من الفرد وجدانًا شاعرًا يتذوق الجمال والقبح، وإدراكًا صحيحًا يتصور الصواب والخطأ، وإرادة حازمة لا تضعف ولا تلين أمام الحق... ولهذا نوجب على الأخ المسلم أن يتعبد بما أمره الله به ليرقى وجدانه». 

وها هو يبين الأساس المتين الذي ارتكز عليه النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته لتكوين دولة الإسلام... مؤكدًا على التربية الإيمانية فيقول الإمام الشهيد: «ماذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في تركيز دعوته أكثر من أنه دعاهم إلى الإيمان والعمل، ثم جمع قلوبهم على الحب والإخاء، فاجتمعت قوة العقيدة إلى قوة الوحدة، وصارت جماعتهم هي الجماعة النموذجية التي لا بد أن تظهر كلمتها وتنتصر دعوتها...».

ولحرص الإمام الشهيد المتواصل على التربية الإيمانية وربط القلوب بالله عز وجل كان هذا التذكير والتوصية الدائمة بغلبة الطابع الإيماني الرباني في لقاءاته الدورية الأسبوعية، فقال رضي الله عنه: «... فلما كان من أوراد الإخوان المسلمين أن يجتمعوا ليلة في الأسبوع على تعارف وإخاء وذكر ودعاء أحببت أن أتقدم بهذا الموجز في فضل قيام الليل والدعاء والاستغفار وما ينحو هذا المنحى...». 

ثم أخذ فضيلته يحبب إلى أبنائه الخلوة بربهم، والتوسل والخضوع لله رب العالمين، فقال رضي الله عنه:« يا أخي لعل أطيب المناجاة أن تخلو بربك والناس نيام، وقد سكن الليل كله وأرخى سدوله وغابت نجومه فتستحضر قلبك وتتذكر ربك وتتمثل ضعفك وعظمة مولاك، فتأمن بحضرته ويطمئن قلبك بذكره وتفرح بفضله وتبكي من خشيته وتشعر بمراقبته وتلح في الدعاء وتجتهد في الاستغفار وتفضي بحوائجك لمن لا يعجزه شيء ولا يشغله شيء عن شيء».

 إذن.. فلابد لنا من وقفة جادة وحازمة نُصحح فيها المسار... فنهتم أول ما نهتم بتزكية القلوب، وتهذيب النفوس.. حتى نعتاد الطاعة فيحبب الله إلينا الإيمان ويزينه في قلوبنا، ويكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان.. وبهذه اللحظة الإيمانية ستنطلق سهام الحق من أصحاب الإيمان العميق بإذن الله.

 ومن الوسائل الإيمانية أيضًا في مدرسة الشهيد حسن البنا والتي تعمل على ربط الفرد بربه.. وتقوية صلته بالله.. الورد القرآني اليومي.. وورد المأثورات وورد الرابطة.. ثم ورد الدعاء الذي جاء فيه أن يقول الفرد «أستغفر الله» مائة مرة «اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه سلم» مائة مرة «لا إله إلا الله» مائة مرة، ثم يدعو للدعوة والقائمين بها والإخوان والنفس والأهل بعد ذلك بما تيسر من الدعوات. ويقرأ الورد صباحًا ومساءً بعد صلاة الصبح وبعد صلاة المغرب أو العشاء مع الخشوع التام، وألا يقطع ورده بكلام دنيوي إلا للضرورة.

وأخيراً

فإننا إذا أردنا النجاة بالفعل.. والفلاح والفوز برضوان الله في الدنيا والآخرة، كان علينا أن نهتم بإيقاظ الإيمان المخدر في القلوب.. وإذا أردنا النصر في دعوتنا.. والنجاح في وسائلنا والوصول إلى أهدافنا.. فإيقاظ الإيمان هو الحل.. فالإيمان هو السلاح القوي.. والركيزة الكبرى لنا.. يقول الإمام الشهيد: «والإيمان كذلك سر من أسرار القوة لا يدركه إلا المؤمنون الصادقون، وهل جاهد العاملون من قبل وهل يجاهدون من بعد إلا بالإيمان؟ وإذا فقد الإيمان فهل تُغني أسلحة المادة جميعًا عن أهلها شيئاً؟!! وإذا وجد الإيمان فقد وجدت السبيل إلى الوصول. ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ(الروم: 47).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل