; في ذكرى حقوق الإنسان | مجلة المجتمع

العنوان في ذكرى حقوق الإنسان

الكاتب عبد اللطيف الصبيحي

تاريخ النشر الثلاثاء 19-ديسمبر-1978

مشاهدات 67

نشر في العدد 424

نشر في الصفحة 19

الثلاثاء 19-ديسمبر-1978

إذا كانت وثيقة حقوق الإنسان ستظل حبرًا على ورق، فمعنى ذلك دعوة صريحة لكل شعب مقهور أن يعمد إلى العنف والقوة لاستخلاص حقوقه.

يصادف العاشر من كانون الأول في كل عام، ذكرى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي صدر عن هيئة الأمم المتحدة من ثلاثين عامًا، وتقام في هذا اليوم الاحتفالات على نطاق عالمي وبمختلف المستويات والصور.

 والحديث عن الإنسان أشرف وأكمل ما خلق الله على وجه الأرض، والذي سخر الله له كل شيء، وأودع فيه الغرائز المختلفة ذات الاتجاهات المتعاكسة، وخلق فيه العقل المميز بين الخير والأثر والنفع والضر، وأعطاه حرية التصرف والاختيار، أقول إن الحديث عنه طويل وذو شجون، ولا ينقضي إلى أبد الدهر.

 لقد أراد الله لهذا الإنسان الذي كرمه أن يكون خليفته في الأرض، بمعنى أن يحكم بما أنزل الله فيقيم ميزان العدل ويعطي الحق لأهله، ويمنع الظلم والاغتصاب، ويرفع راية الإخاء والمساواة، ويعلن تكافؤ الفرص بين الأفراد والشعوب والقبائل، ويحمي الضعيف من صولة القوي، ويؤمن دائمًا مع التطبيق الواقعي بأنه لا فضل لأبيض على أسود إلا بالتقوى والعمل الصالح، وأن الناس كلهم لآدم وآدم من تراب، وهم سواسية كأسنان المشط، وإن حرية كل إنسان لیست فوضى ولا انطلاقًا في ميادين الغرائز الدنيا والشهوات، ولكنها محدودة بإطار مصلحة الآخرين، وأن الناس على وجه الأرض مثلهم كمثل ركاب سفينة في بحر، اقتسموا أماكنهم فيما بينهم، فأراد أحدهم أن يخرق مكانه بدعوى أنه حر التصرف يفعل في مكانه ما يشاء، فإن تركوه يضرب بعلمه هلك وهلكوا، وإن أخذوا على يديه نجا ونجوا.

 هكذا أراد رب العالمين للناس جميعًا أن يعيشوا على وجه الأرض في أمن وطمأنينة وسلام، يعبدون ربًا واحدًا وبينهم تعاون على البر والتقوى، وتسود بينهم شريعة التكافل والتحاب والتضامن، فلا ظالم ولا مظلوم، ولا متخم بجانبه جائع، ولا ساكن قصر ومن حوله أكواخ تكاد تسقط على رؤوس أصحابها، ولا لابس حرير وعلى مرأى منه أشباح عارية، ولا عالم بلغ درجة الدكتوراه ومن حول بيته من لا يستطيع أن يكتب اسمه.

 من ذا الذي أفسد على الناس حياتهم، وأضاع حقوقهم وقسمهم سادة وعبيدًا، وعالمًا متقدمًا وعالمًا متخلفًا، ودمًا أزرق ودمًا مشوبًا، وبيضًا لهم كل الحقوق والغنائم، وسودًا ليس لهم إلا فتات موائد السادة وهيهات أن يحصلوا عليه؟

 سلوا إن شئتم هؤلاء الكبار الذين يحكمون العالم ويزعمون زورًا وبهتانًا أنهم أنصار حقوق الإنسان، سلوا حكام أمريكا وروسيا الذين يمدون الغزاة بالأسلحة المدمرة، ويمنعونها عن المدافعين عن أنفسهم والمستمسكين بحقوقهم.

 سلوا أمريكا التي تناصر قومًا جاؤوا غزاة للأرض المقدسة التي باركها الله، فاقتحموا على أهلها منازلهم واغتصبوا مزارعهم، وطردوهم من أرضهم بعد استقرار دام أكثر من ۱۳۸۰ عامًا متوالية. 

 سلوا الولايات المتحدة «زعيمة العالم الحر ونصيرة حقوق الإنسان» والمدافعة عن «حرية تقرير المصير» عما يجري على أرض فلسطين من تعذيب جسدي ونفسي، واعتقال وتشريد وهدم منازل واغتصاب أملاك وكبت للحريات، ومصادرة أموال، وإرهاق بالضرائب وتجهيل متعمد، وكل ذلك يتم بسلطة الأسلحة والأموال الأمريكية التي تغدق على إسرائيل بغير حساب.

 وسلوا مع الولايات المتحدة حلفاءها من دول «العالم الحر»، هل تسمح شرعة حقوق الإنسان التي يحتفلون اليوم بذكرى إعلانها، أن يتحول شعب آمن في أرضه إلى أشتات مشردين وغرباء ولاجئين في ظروف لا تطاق، ويصبح الغزاة المعتدون هم أهل البلاد ومالكو الأرض والسلطة المعترف بها في هيئة الأمم المتحدة، وإن كل ما يمكن التفضل به على الفلسطينيين بعد ثلاثين عامًا من المأساة والمعاناة، هو حكم ذاتي تحت ظل المدفع الصهيوني.

 هل كان في استطاعة الصهيونية أن تقيم لها دولة على أرض شعب آخر، لولا دعم ومساندة الولايات المتحدة وحلفائها، بالمال والسلاح والحماية السياسية في المحافل الدولية حتى من الإدانة الكلامية.

 هل أصبحت شرعة حقوق الإنسان مجرد سلاح يلوح به في حالات فردية معينة، ولأغراض سياسية فقط؟ هل كان القصد الأوحد من وضع الوثيقة هو تخدير الشعوب، ولمجرد التلهي بها وللاحتفالات السنوية وإشغال الناس يومًا في العام، ثم لا شيء للعمل والتطبيق، ولا جهد لكسر الأغلال وتحطيم القيود وتحرير المستعبدين؟

 لماذا تتمسك الدول الكبرى بحوادث فردية، وتتعامى عما تعاني شعوب بأكملها من ظلم واضطهاد وقتل وتدمير وتشريد في فلسطين وروديسيا، وجنوب إفريقيا، وإرتريا والفلبين وناميبيا وغيرها كثير؟

 إذا كانت وثيقة حقوق الإنسان ستبقى كما هو حاصل منذ ثلاثين عامًا، مجرد مواد مكتوبة في صحائف مطوية في ملفات الهيئة الدولية، فمعنى ذلك دعوة صريحة إلى كل شعب مقهور أن يسلك سبيل العنف والقوة لتخليص حقوقه ورد اعتباره، ما دام أن الدول الخمس الكبار وعلى رأسها الولايات المتحدة، حولت الأرض الطيبة التي أرادها الله منزلًا للأمن والعدل والسلام، إلى غابة مظلمة ليس فيها للضعيف الأعزل إلا المقام الأسفل، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَٰكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (يونس:44).

 لقد آن لنا أن نقول للشعوب المقهورة والرجال الشرفاء والأحرار في كل مكان: اتحدوا وتكاتفوا وتسلحوا بالإيمان بالله وشريعة التوحيد والإخاء، والعدل والمساواة في مواجهة التسلط والبغي والعدوان، وستجدون الله معكم يؤيدكم بنصره ويبارك جهودكم ويهزم أعداءكم ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (يوسف:21). 

الرابط المختصر :