العنوان في ذكرى مولده.. رسول الله ﷺ صاحب المقام المحمود والحوض المورود
الكاتب كمال محمد درويش
تاريخ النشر الجمعة 01-فبراير-2013
مشاهدات 69
نشر في العدد 2037
نشر في الصفحة 48
الجمعة 01-فبراير-2013
وصف الله تعالى كل نبي بصفة أو بصفتين أو ثلاث.. بينما جمع لرسوله محمد ﷺ كل مكارم الأخلاق.
هل نسير على خطى رسول الله ﷺ ويرى العالم منا النموذج والقدوة في حُسن الخلق اقتداء به؟.
الدفاع عن الرسول ﷺ يكون ببيان صفاته العظيمة واتباع سُنته والسير على هديه.
الهجمة على رسول الله ﷺ ليست وليدة اليوم، بل هي قديمة قدم الدعوة الإسلامية، والقرآن الكريم، يذكر لنا ذلك: قال الله تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95)﴾ (سورة الحجر: 94 - 95)، أي: بلغ ما أنزل إليك من ربك، ولا تلتفت إلى المشركين الذين يريدون أن يصدوك عن آيات الله: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾(سورة القلم: 9)، ولا تخافهم فإن الله كافيك إياهم، وحافظك منهم، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (سورة المائدة: ٦٧).
إذن فمسألة الاعتداء أو الإيذاء أو الإساءة لرسول الله ﷺ مسألة قديمة، وإن كانت متجددة، لكن ليس الدفاع أو الرد عن النبي بتدبيج الكلام، أو حرق الأعلام، أو قتل الأنفس، إنما المطلوب فعلًا لمواجهة هذا محوران: الأول: بيان صفات هذا النبي العظيم صاحب المقام المحمود، والحوض المورود، واللواء المعقود سيد الخلق وحبيب الحق، والمحور الثاني: إتباع سنته ﷺ، مع دوام طلب العون من الله سبحانه وتعالى، حتى نحظى بعون الله ومدده اللا محدود.
ولنبدأ بالمحور الأول، وهو بيان صفاته الشريفة ومنزلته السامقة ﷺ:
1- نداء الله تعالى للأنبياء.. ونداء النبي محمد ﷺ في القرآن:
كل الأنبياء ناداهم الله بأسمائهم.. ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ (سورة البقرة: 35).
﴿قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِّنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ﴾ (سورة هود: 48).
﴿وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ (سورة الصافات: 104 – 105).
﴿قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ (سورة الأعراف: 144).
﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ﴾ (سورة المائدة: ١١٠).
بينما نادى رسوله وحبيبه ﷺ مشفوعًا بوظيفته ومهمته بما يفيد تعظيمه وتبجيله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ ( سورة المائدة: 41).
﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ (سورة المائدة : 76).
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة الأنفال: 64).
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (سورة الأحزاب: 45).
مكانته بين الأنبياء
يقول الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ۚ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ (سورة البقرة: 253).
قال الناظم في العقيدة السفارينية:
وأشرفُ الخلق على الإطلاق *** نبينا فَمِل عن الشّقاق
هذا التفضيل من الله تعالى، له في القرآن الكريم شواهد كثيرة.
فموسى عليه السلام: يطلب رؤية الله تعالى، فلا يجاب إلى طلبه، بينما يُعطاها رسول الله ﷺ بلا طلب، قال الله تعالى عن موسى عليه السلام: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة الأعراف: 143)
بينما قال الله تعالى عن رسوله محمد ﷺ: ﴿وَلَقَدۡ رَءَاهُ نَزۡلَةً أُخۡرَىٰ (13) عِندَ سِدۡرَةِ ٱلۡمُنتَهَىٰ (14) عِندَهَا جَنَّةُ ٱلۡمَأۡوَىٰٓ (15) إِذۡ يَغۡشَى ٱلسِّدۡرَةَ مَا يَغۡشَىٰ (16) مَا زَاغَ ٱلۡبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ (17) لَقَدۡ رَأَىٰ مِنۡ ءَايَٰتِ رَبِّهِ ٱلۡكُبۡرَىٰٓ (18)﴾ (سورة النجم: 13 - 18)، عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: «إنّ النّبي رأی ربّه».
وشتان شتان بين من يطلب فيجاب طلبه أو لا يجاب.. ومن يُعطى دون طلب.. فموسى عليه السلام طالب ومحمد ﷺ مطلوب..
2- صفات الأنبياء.. وصفات النبي ﷺ:
وصف الله تعالى كل نبي بصفة أو بصفتين أو ثلاث، ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ﴾ (سورة هود: 75)، ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا﴾ (مريم: 41)، ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۖ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا * وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا * وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَىٰ ۚ إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا) (51)﴾ (سورة مريم: 49 - 51)،
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا (54) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (55) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا (56) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ (سورة مريم: 54 – 57).
بينما جمع الله تعالى لرسوله محمد ﷺ كل مكارم الأخلاق ومحاسن الفضائل، فقال له ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (سورة القلم: 4)، والآية بها أكثر من مؤكد.. قاسمية الجملة، ودخول إنّ عليها، ودخول اللام على خبرها.. بكل هذا يؤكد الله تعالى على أنك لو جمعت أخلاق الأولين والآخرين، وجعلت منها مبنى شامخًا وقصرًا مشيدًا، فإن رسول الله ﷺ سيكون فوق قمة هذا البناء وأعلاه.
ولذلك لخص رسول الله ﷺ دعوته بقوله: «إنّما بُعثت لأُتمّم مَكَارم الأَخلاقِ».
فسماحة هذا الدين في إعلاء قيمة الخلق والمزيد من حسن الأخلاق والاقتداء بسيد الخلق محمد ﷺ، وهذا من أبلغ الردود على الإساءات التي توجّه لرسول الله ﷺ.
أما عن سمو خلق سيدنا رسول الله ﷺ فلقد «كان يمتاز من كمال خَلقه وكمال خُلقه بما لا يحيط بوصفه البيان، وكان من أثره أن القلوب فاضت بإجلاله والرجال تفانوا في حياطته وإكباره، بما لا تعرف الدنيا لرجل غيره، فالذين عاشروه أحبوه إلى حد الهيام، ولم يبالوا أن تَندقّ أعناقهم ولا يخدش له ظفر، وما أحبوه كذلك، إلا لأن أنصبته من الكمال الذي يعشق عادة ولم يرزق بمثلها بشر» «صفي الرحمن المباركفوري، الرحيق المحتوم، ص ٤٧٩».
الأمم السابقة
يقول الله تعالى عن عقابه للأمم السابقة، وإنزال العذاب بهم: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (سورة العنكبوت: 40).
بينما بالنسبة لأمة النبي محمد ﷺ يقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (سورة الأنفال: 33)
عَن عبد الله بن مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «صَفَتي أَحَمدُ المُتوكّل، لَيس بفظّ وَلا غَليظ، يَجزي بالحَسنة الحسَنَة، ولا يكُافئ السَّيئة، مَولِده بمَكّة، وُمهَاجرُه طَيَبة وَأُمته الحَمَّادُونَ، يا تَزِرُون على أنصَافهِم ويوصُون أطرَافهم أنَاجَيلهُم في صُدُورِهِمْ يَصُفّون للصّلاة كَما يصُفّون للِقِتال، قُربَانَهمُ الذي يتقربون بِهِ إِلَيَّ دِمَاؤُهُمْ رُهْبَانٌ بِاللَّيْلِ، لُيُوث بالنّهارِ» «رواه الطبراني».
عن أبي هريرة ﷺ، قال: قال رسول الله ﷺ: «إن موسى لما نزل بالتوراة قرأها فوجد فيها ذكر هذه الأمة، وقال: يا رب، إني اجد في الألواح أمة هم الآخرون السابقون فاجعلها أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: يا رب، إني أجد في الألواح أمة هم الشافعون المشفوع لهم، فاجعلها أمتي. قال: تلك أمة أحمد قال: يا رب، إني أجد في الألواح أمة هم المستجيبون والمستجاب لهم، فاجعلها ـمتي. قال: تلك أمة أحمد، قال: يا رب إني أجد في الألواح أمة أناجيلهم في صدورهم يقرؤونه ظاهرًا، فاجعلها أمتي. قال: تلك أمة أحمد قال: يا رب، إني أجد في الألواح أمة يأكلون الفيء، فاجعلها أمتي. قال: تلك أمة أحمد، قال: يا رب، إني أجد في الألواح أمة يجعلون الصدقة في بطونهم فيؤجرون عليها، فاجعلها أمتي. قال: تلك أمة أحمد، قال: يا رب، إني أجد في الألواح أمة إذا همّ أحدهم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة واحدة، وإن عملها كتبت له عشر حسنات، فاجعلها أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب، إني أجد في الألواح أمة إذا هم أحدهم بسيئة لم يعملها لم تكتب عليه حتى يعملها، فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة، فاجعلها أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب، إني أجد في الألواح أمة يؤتون العلم الأول والآخر، فيقتلون قرون الضلالة المسيح الدجال، فاجعلها أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب، أجعلني من أمة أحمد فأعطي عند ذلك خصلتين، فَقَالَ: يَا مُوسَى إني اصطَفيتُكَ عَلَى النّاس برسَالَاتي وبِكلَامي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِن الشّاكِرَين، فقال: رضیت یا رب» «رواه أبو نعيم الأصبهاني».
فهل ستسير على خطى رسول الله ﷺ؟! وهل سيرى العالم منا النموذج والقدوة في حُسن الخلق اقتداء برسول الله ﷺ؟! هذا ما نرجوه.. وهذا يصب في الطريق الصحيح لرد الإساءات عن رسول الله ﷺ.. فهل نحن فاعلون؟!.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل