العنوان في رحاب القرآن.. تابع نور على نور (الحلقة الخامسة )
الكاتب الشيخ عبد التواب هيكل
تاريخ النشر الثلاثاء 04-يوليو-1978
مشاهدات 71
نشر في العدد 402
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 04-يوليو-1978
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، اللهم صل على محمد وآله وصحبه الطيبين الأطهار، وبعد: فمرحبًا بك أيها القارئ الكريم في رحاب القرآن، وإليك الحلقة الخامسة من سلسلة نور من النور، نقدمها إليك بتوفيق من الله.
عرفنا في ختام حلقتنا السابقة أن الزواج بالزواني أو الزناة محرم عند أحمد وابن حزم، مباح عند الجمهور، وأن ابن تيمية وابن القيم قد رجحا مذهب التحريم عملًا بظاهر الآية: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النور: 3)، وبحديث مرثد وعناق الذي ذكرناه لكم في الحلقة السابقة. وفي هذه الحلقة إليكم ما يلي:
مضار الزواج بالزواني وبالزناة:
لا ريب أن في زواج الزاني بالعفيفة، والعفيف بالزانية، أضرارًا بالغة الخطورة لا تخفى على ذي عقل، وإليكم بعض هذه الأضرار:
1- التشبه بالفسقة.
2- التعرض للتهمة.
3- الطعن في النسب.
4- التسبب لسوء المقالة.
5- عدم الثقة بين الزوجين، وعدم السكن النفسي.
6- اختلال أمر المعاش.
7- تشجيع الفجار على فجورهم حين يرتبط بهم أهل الإيمان برباط المصاهرة.
8- تعرض الأولاد لسوء التربية وفساد الأخلاق، وناهيك بتأثير الأم على بناتها وأبنائها، ولله در من قال:
الأم مدرسة إذا أعددتها |
| أعددت شعبًا طيب الأعراق |
وقال بعضهم: إن المرأة التي تهز المهد بيمينها تهز العالم بشمالها.
9- التعرض لعدوى الأمراض التناسلية الخطيرة كمرض الزهري والسيلان؛ فالزناة والزواني ينبوع دافق بأخطر الأمراض وأشدها فتكًا بالأفراد والمجتمعات، وأعمقها تغلغلًا فيهم، ولا سيما الزهري والسيلان، فهما من الأمراض التي تعتبر شرًّا مستطيرًا على الأمة يجب اقتلاعه من العالم أجمع واجتثاثه من الأرض كلها.
وكيف تسعد أسرة أحد ركنيها أو كلاهما من هؤلاء الزناة أو الزواني الذين يورثون ذريتهم وأعقابهم أمراضهم النفسية والجسمية الخطيرة.
بل كيف تسعد عائلة تنجب أطفالًا مشوهي الخلق والخلق بسبب الالتهابات التي تصيب الأعضاء التناسلية والعلل التي تطرأ عليها؟
هل تفيد الآية إباحة زواج المسلم الزاني بالمشركة والمسلمة الزانية بالمشرك؟.. ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ (النور: 3) ربما يفهم إنسان من ظاهر الآية أنه يحل للمسلم الزاني أن ينكح مشركة، أو للمسلمة الزانية أن تنكح مشركًا! وهذا فهم خاطئ لأن زواج المسلم بالمشركة لا يجوز ولو كان زانيًا، وكذلك زواج المسلمة بالمشرك لا يجوز أيضًا ولو كانت المسلمة زانية، وإنما وردت الآية بهذا الأسلوب لتقبيح الزنا وتبشيعه والتنفير منه، وبيان أن طبع المؤمن والمؤمنة يأباه، وأن من ارتكب هذه الفاحشة من المسلمين أو المسلمات لا ينبغي له أو لها أن يرتبط بالصالحين أو بالصالحات من أفراد المجتمع المسلم الطاهر؛ بل اللائق به أو بها، وقد تلوث بعار الفاحشة أن يرتبط بزناة فجرة مثله، أو بمشركين لا يرجون لله وقارًا، ولا يبتغون جنة ولا يخشون نارًا.
ما الحكمة في تقديم الزانية على الزاني في الآية السابقة، وتقديم الزاني على الزانية في آيتنا هذه؟ ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ (النور: 2) قدمت الزانية على الزاني في هذه الآية؛ لأنها سبقت لتحديد عقوبتهما على ما اقترفاه من الفاحشة، والمرأة هي المادة التي نشأت منها الفاحشة؛ لأنها لو صانت نفسها واعتصمت بدينها وعفتها واستعاذت بربها، والتزمت حدود دينها وآدابها ما طمع فيها فاسق، وما تمكن منها فاجر، وكذلك لأن الزنا في المرأة أعر ولأجل الحبل أضر، أو لأن الشهوة في المرأة أكثر وعليها أغلب، أو لأن العار بالمرأة ألحق والفضيحة بها ألصق..
لأجل هذا بدئ بذكر الزانية في الآية السابقة.
وأما الآية: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ (النور: 3) فإنها سيقت لذكر النكاح، والرجل أصل فيه لأنه هو الخاطب ومنه بدء الطلب، وعليه تقوم أعباء النكاح وتبعاته، فلهذا قدم ذكر الزاني على الزانية في هذه الآية، والله أعلم.
عقوبات دنيوية، وعقوبات أخروية
للزناة والزواني عقوبات في الدنيا، وعقوبات في الآخرة ما لم يتوبوا توبة صادقة.
أ- فأما العقوبات الدنيوية، فمنها ما يلي:
1- جلد مائة وتغريب عام لغير المحصنين ولغير المحصنات، والرجم بالحجارة إلى الموت للمحصنين والمحصنات.
2- قطع الروابط والعلاقات بين المتلطخين والمتلطخات بالزنا وبين المجتمع المسلم؛ قال الله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النور: 3) وهذه وحدها عقوبة أدبية بالغة.
3- تعريض المحارم للوقوع في الفاحشة، فكما تدين تدان، وهل يقبل أحد أن يزني رجل بأمه أو بأخته أو ببنته أو بزوجته؟ لا يرضى بذلك إلا ديوث، والجنة محرمة على الديوث، فإذا كنت لا ترضاه لمحارمك، فكيف تنتهك عرض أخيك، ومن هتك محارم الناس هتك الله محارمه:
يا هاتكًا حرم الرجال وقاطعًا |
| سبل المودة عشت غير مكرم |
لو كنت حرًّا من سلالة طاهر |
| ما كنت هتاكًا لحرمة مسلم |
من يزن في قوم بألفي درهم |
| في أهله يزني بربع الدرهم |
إن الزنا دين فإن أقرضته |
| كان الوفاء من أهل بيتك فاعلم |
4- شيوع الفاحشة في الأمة يؤدي إلى انتشار العداوات، وتقطيع الصلات والروابط بين أفرادها، وضياع الأنساب؛ فلا يعرف الأب ولده ولا الولد أباه، وهدم صرح الأسر، وخراب البيوت، وتفكك الروابط الأسرية، وزعزعة الثقة بين الزوجين وجفاف ينابيع الرحمة والمودة بين الزوجين، ثم بينهما وبين الأولاد والأقارب.
5- فشو الطاعون، وانتشار الأمراض التناسلية المستعصية على العلاج في أكثر أحوالها، ومن أخطرها مرض الزهري والسيلان، والعياذ بالله.
6- إن الذي يسلك سبيل الزنا ويمارس جريمته المنكرة فإنه يستهتر بالفاحشة ويغرق في مستنقعها الآسن القذر إلى درجة تنتهي به إلى أن يقدم دينه ونفسه وكرامته وعزه وماله ومحارمه ثمنًا لشهوته البهيمية، وما أكثر الوقائع -في دنيا الناس- التي تؤيد هذا، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: 32).
ب- وأما العقوبات الأخروية، فإليك بعضها:
1- التعذيب في النار بتنور أعلاه ضيق وأسفله واسع خصص للزناة مع الإهانة والإذلال؛ قال الله تعالى في وصف عباد الرحمن في سورة الفرقان: ﴿وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا...﴾ (الفرقان: 68- 70) الآية.
2- الإفلاس عند المقاصة أثناء الحساب يوم العرض؛ حيث يؤخذ من حسناته فتعطى للمعتدى عليه، فإذا فنيت حسناته قبل أن يوفي ما عليه أخذ من سيئات المعتدى عليه فطرحت على الزاني، ثم يطرح في النار.
3- شهادة الجوارح عليه يوم القيمة عندما يحاول إنكار جرائمه فتنطق جوارحه بما اجترحت، فتلزمه الحجة ويقذف في جهنم، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النور: 24) وقال: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (يس: 65) وقال: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (فصلت: 20، 21)، والمرأة الزانية يوم القيامة ينطق فخذها بما اقترفت من الفاحشة، كما ورد في الأثر.
واجب أولي الأمر
أيها السادة: إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. فيا ولاة الأمور: إن الله استرعاكم أمر عباده، وكل راع مسئول عن رعيته، وأنتم مسئولون بين يدي رب العالمين عن هذا الفساد المتفشي في رعاياكم سرًّا وجهارًا، فاقطعوا -رحمكم الله- جذور الفساد من بلادكم بتنفيذ حدود الله والقضاء على الأسباب التي تغري المراهقين والمراهقات بالتردي في حضيض الرذيلة من السقوط في مستنقعات الجرائم والتلطخ بقذرها ورجسها.
ننشدكم الله يا ولاة الأمور أن تفعلوا لتنقذوا أنفسكم ورعاياكم من هذا الشر المستطير، والوباء الخطر، ويتسع الخرق على الراقع. أصلح الله بكم ما فسد من أمر هذه الأمة، ووصل بكل ما انقطع من حبلها ونصركم بالحق ونصر الحق بكم.
نصيحة
وأنتم يا شباب الإسلام، ويا عماد الأمة، ويا ذخيرة المستقبل: اعلموا أن مصير أمتكم رهن بكم، فإن صلحتم صلحت الأمة، وإن فسدتم فسدت الأمة، واعلموا أننا جميعًا سنغادر هذا الوجود إلى حياة لا تفنى ولا تبيد، وإنها لجنة أبدًا أو لنار أبدًا، فكونوا لأمتكم أدوات بناء وتعمير، لا معاول هدم وتدمير، وارفعوا رأسها من ذل المعصية إلى عز الطاعة، ومن دنس الفحشاء والمنكر إلى طهارة التوبة ونور الإيمان.
يا شباب الإسلام، تنبهوا للمخططات اليهودية والصليبية العالمية التي وضعت -ونحن عنها غافلون، أو متغافلون- القضاء عليكم بتدمير أخلاقكم وتحطيم معنوياتكم حتى لا تقوم لكم قائمة إلى الأبد.
يا فتية الأمة، ويا فتيات الإسلام، إن الزنا ثالث ثلاثة هي كبرى الذنوب وأعظمها على الإطلاق وهي: الكفر، وقتل النفس بغير حق، والزنا، وقد توعد الله فاعل هذه الثلاثة أو بعضها بالخلود في النار ذليلًا مهينًا إلا من تاب وآمن وعمل صالحًا، فليس هناك ذنب -بعد الشرك بالله- أعظم من أن يضع الرجل نطفه في فرج حرام؛ قال تعالى في وصف عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (الفرقان: 68- 70).
وبعد، فإلى اللقاء أيها الإخوة الأعزاء في رحاب القرآن، لنقدم لكم الحلقة السادسة من سلسلة: نور من النور، والله الموفق.. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل