العنوان في ظلال انتفاضة الأقصى أحوال الناس عند الزحاف
الكاتب د. عيد عبد الحميد
تاريخ النشر السبت 29-ديسمبر-2001
مشاهدات 55
نشر في العدد 1482
نشر في الصفحة 44
السبت 29-ديسمبر-2001
ألم ترَ أنه من الموافقات العجيبة، والمغازي المهيبة، أن تتبدى أحوال المرجفين وتتكشف للناظرين في غزوة مثل غزوة الأحزاب التي تنادي فيها أعداء الملة والدين، فتحزبوا وتكتبوا وتجيشوا لاستئصال شأفة الإسلام والمسلمين، إذ تأججت في قلوبهم الأحقاد الدفينة، فيمموا وجوههم شطر المدينة، يبغون بالقتل محمداً وصحبه، ويرومون بالمساءة دينه.. ذلك أنه عندما يتحزب ضد أمة الإسلام، ويحاصرها عدوها بإحكام تتكشف معادن النفوس، فمنهم من يلبس للحرب اللبوس ليقحم بجسده وخيله المنايا وعليها يدوس، وآخرون من دونهم يتسربلون سرابيل الخذلان ويتقمصون أقمصة النكوص يغشاهم الهلع، ويخيم عليهم الفزع، لينقلبوا أعيناً خؤونة خلال الصفوف المؤمنة تجوس.. فيتضح وقتئذ ويفتضح أمر من اتخذ الديانة كلمات طائرة، وأماني مرفرفة من شعائر مجردة وطقوس، فتراه يتحاشى النزال ومنه يتوارى عن أعين الناس ويلوص وإذا ما سئل الفتنة فلن يتوانى عن إتيانها وفي بحرها اللجي يغوص...
في ضوء ذلك كشفت سورة الأحزاب أن الناس عند الزحاف على ثلاثة أصناف: إما أهل أصالة وإنصاف ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب: 22)، أو عمالة وإرجاف ﴿وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ (الأحزاب: 13)، أو عزلة وانكفاف ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾ (الأحزاب: 14).
وكلا سنتلو عليكم منه ذكراً، ونقص من خبره عظة وعبراً...
... أما أولئك الذين يخرون صرعى في معترك المواجهات يوم الزحف والتلاق، فهم أشرف الخلق على الإطلاق، ولا أدل على ذلك من أنهم اصطفوا المجاورة العليم الخلاق لتسرج أرواحهم في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى قناديل معلقة في عرش الرحمن لتجري عليهم الحياة والأرزاق، فهم أحياء عند ربهم يرزقون «آل عمران: 169».
فقد خرجوا جهاداً في سبيل الله وابتغاء مرضاته، لم ترهبهم غطرسة العدو عند ملاقاته، ففي صدورهم إيمان بالله ورسوله، ويقين بما وعدهم ربهم في محكم آياته وإنهم وإن أجلب عليهم عدوهم بخيله ورجله وآلة البطش والحرب ونشر الدمار والخراب في كل درب معتقداً أن سفك دم المسلم قربان يتقرب به إلى الرب، كل ذلك لم يكن ليفت في عضدهم، حتى وإن وقفت كل قوى الشر ضدهم، فهم يواجهون مكر عدوهم المستطير يبغون بذا التحرر والتحرير، فإذا ما تكالبت عليهم الأمم، كانوا في ثباتهم كالطود الأشم وما جاوز حالهم ما وصفهم به ربهم الأعز الأكرم ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب: 22).
فهم أهل أصالة وإنصاف، أنصفوا دينهم وأمتهم ومقدساتهم من أنفسهم، أولئكم سلام عليهم في العالمين.
بيد أنه في خضم كل صراع يطلع علينا فئات من الناس تتباين مواقفهم عمن سبقهم، من أهل الجهاد والحماس فليس لهم في ساحات الوغى بلاء ولا مراس، إنما يجنحون لتحقيق مآرب سرعان ما تتكشف لكل ذي لب بلا التباس، فلهم في الجهاد وأهله وأنصاره أغراض وأعراض، لا تتم إلا عن نفوس عششت في قلوب أصحابها الفتن والأمراض.
حسبك أنه إذا ما داهم الأمة خطر جدوا في إشاعة أجواء الخور، واستشرفت أنفسهم للمخادعة والغرر يبغون بذا الفتنة والضرر فهم أهل عمالة وإرجاف، وحالهم هذا مفهوم، ومن قديم الزمان معلوم، وقد شخصت غزوة الأحزاب نموذجاً يحكي حال هؤلاء الذين فقدوا الرشد والصواب، فمما جاء بحقهم في الكتاب، قول رب الأرباب ﴿وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ (الأحزاب: 13).
ففي قولهم «يا أهل يثرب» انسلاخ من الأصالة ومغازلة لأهل الزيغ والضلالة، ودليل كونهم أهل خيانة وعمالة، وأنهم إذا ما حزبهم أمر استحالوا حثالة، ذلك أن المصطفى صلى الله عليه وسلم نهى عن تسمية المدينة بيثرب، مبيناً بلسان عربي مبين أن هذا من صنيع المنافقين، فقال: «يقولون يثرب وهي المدينة» متفق عليه.
ذلك أن مسمى يثرب من الثرب وهو الإفساد، أو من التشريب وهو التعيير والاستقصاء في اللوم والتوبيخ، ومنه قول يوسف عليه السلام لإخوته «لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ» «يوسف: 92».
وهذا المعنى لا يليق بدار هجرته وموطن نصرته، ومغرز رايته، ومنية دعوته، والمؤمن الصادق إنما يتشبث بمبادئه، ويستمسك بثوابته ويستعصم بأصالته، إذا ما حفته المكاره ونزلت بساحته القوارع، في حين يحيد عنها في مثل هذه الظروف كل منافق مخادع أو مستسلم موادع كأولئك المنافقين الذين كان الأولى بهم أن يتنادوا للجهاد، ويتواثبوا على الاستشهاد، ذوداً عن العباد والبلاد، فيوصي بعضهم بعضاً أن «تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا» «آل عمران: 167»، لكنهم تقاعسوا فإذا بهم يصدعون بقولهم «لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا» «الأحزاب: 13». واعجباه، فمن أي مراتع الجبن رتعوا؟ ومن أي مواضع الهون رضعوا؟ وفي أي واد سحيق انزلقوا ووقعوا؟
ولا جرم أن الأمة على مر عصورها - لا سيما في واقعنا المعاصر - تبتلى بأمثال هؤلاء المرجفين الذين يجدون في توظيف ما يطرأ من شتات في الصف، وهيمنة لعوامل الضعف لدى أمة المصحف والسيف، لتمرير حلول وتهيئة القبول ببنود، تستساغ بزعمهم نظراً لطبيعة الظرف الموجود، في حين أغمضت أبصارهم، أو عميت بصائرهم عن البشائر المنعقدة بنواصي شعلة الجهاد المتقدة، فأولئك هم المرجفون فاحذرهم ولا تأبه لدعواهم بل ذرهم فمواقفهم ساعة الزحاف أفتك في جسد الأمة من السم الزعاف.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل