العنوان تطور العلوم السياسية إلاسلامية
الكاتب بسطامي محمد سعيد خير
تاريخ النشر الثلاثاء 23-يناير-2001
مشاهدات 61
نشر في العدد 1435
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 23-يناير-2001
في فقه السياسة (1)
فكرة شائعة:
هناك فكرة رائجة تذهب إلى أن نصيب العلوم السياسية عند المسلمين نصيب ضئيل، وأن الفقه السياسي الإسلامي لم يتطور بالقدر الذي تطورت به بقية شعب الفقه الأخرى، فهو ليس غنيًا غناها ولا شاملًا وافيًا مثلها، فكتبه قليلة نادرة ومباحثه قاصرة على مسائل محدودة، وهو في جلته لا يفي بحاجات الدولة المعاصرة ووظائفها المتعددة.
ويعبر علي عبد الرازق في كتابه «الإسلام وأصول الحكم» عن هذه الفكرة فيقول:
«من الملاحظ البين في تاريخ الحركة العلمية عند المسلمين أن حظ العلوم السياسية فيهم كان بالنسبة لغيرها من العلوم الأخرى أسوأ حظ، وأن وجودها بينهم كان أضعف وجود.. فلسنا نعرف لهم مؤلفًا في السياسة ولا مترجمًا، ولا نعرف لهم بحثًا في شيء من أنظمة الحكم ولا أصول السياسة، اللهم إلا قليلًا لا يقام له وزن إزاء حركتهم العلمية في غير السياسة من الفنون».
وقد يبدو هذا الرأي للوهلة الأولى على درجة كبيرة من الصحة، ومما ساعد على التسليم بهذه المقولة لدى الكثيرين بادئ الرأي أن معرفتهم بكتب الفقه السياسي، لا تزيد على كتب قليلة مثل الأحكام السلطانية للماوردي والسياسة الشرعية لابن تيمية وقليل غيرها.
ويزداد المرء قبولًا لهذا الرأي إذا توجه بنظره إلى تاريخ الفكر السياسي في الغرب، فهناك مفكرون معروفون، وأسماء لامعة كثيرة وكتب مشهورة، وقد أصبحت العلوم السياسية في الغرب منذ زمن ليس بالقليل فرعًا مستقلًا للمعرفة، وله كلياته وأقسامه، وفيه باحثون وخبراء ومتخصصون يحملون أعلى الألقاب العلمية، ونريد في الدراسة التالية أن نسبر غور هذه الفكرة ونتحقق من مدى صدقها وصحتها، وذلك بالبحث في التراث الإسلامي عن تلك الدراسات التي يمكن تصنيفها تحت عنوان «علم السياسة»، وننظر في قيمة تلك الدراسات وسعتها وعمقها وفائدتها.
موضوعات علم السياسة
من الضروري لتحديد مكانة السياسة في العلوم الإسلامية أن نلم بالمقصود من مصطلح علم السياسة.
يعرف علم السياسة عمومًا بأنه علم الدولة، فهو العلم الذي يبحث في الدولة وممارساتها السياسية ومؤسساتها وأشكالها ونظمها، ومن هذا يتبين أن أهم الموضوعات في علم السياسة تشمل الدولة، مقوماتها ووظائفها، وتشمل الحكومة وأنواعها وسلطاتها التشريعية والتنفيذية والقضائية، وتشمل الرأي العام ومكوناته والجماعات والهيئات ذات الأثر في السلطة، كما تشمل العلاقات الدولية والقوانين التي تنظم هذه العلاقات.
هذه هي موضوعات علم السياسة بطريقة عامة ومجملة، فهل بحثت العلوم الإسلامية هذه الموضوعات؟ وهل نجد مقابلًا لها في التراث الإسلامي؟
صعوبات الدراسة
للإجابة الدقيقة عن هذا السؤال تواجه الباحث بعض المشكلات والصعاب:
1 ـ أولى هذه الصعوبات اختلاف المصطلحات، فلا شك أن المصطلحات المستعملة في علم السياسة اليوم لا وجود لها في الكتب الفقهية، فالمفهوم الحديث لكلمات مثل الدولة والحكومة والدستور والسيادة والفصل بين السلطات وحقوق الإنسان، وما إليها من مصطلحات القاموس السياسي لم تكن مستخدمة ولا معروفة عند علماء الإسلام.
ومن الجهة الأخرى، فإن المصطلحات المستخدمة للتعبير عن المفاهيم السياسية عند المسلمين مصطلحات غريبة عن الذهن المعاصر، فمصطلحات مثل الإمامة والخلافة والولاية وإمارة الاستكفـاء وإمارة الاستيلاء ووزارة التفويض والبيعة، والخراج والفيء والحدود والتعزير والحسبة وغيرها من المصطلحات ليست متداولة في لغة العصر، ومدلولاتها الحقيقية غامضة وتحتاج إلى شرح.
2 – الصعوبة الثانية التي تواجه الباحث أن الموضوعات التي يضمها علم السياسة اليوم لا توجد في المصنفات الإسلامية مبحوثة في موضع واحد، بل إن هذه المباحث متناثرة في مواضع مختلفة وتحت عناوين متعددة في كتب العقيدة والتفسير والحديث والفقه والسير والتاريخ والأدب، ولا ريب أن الناظر في الكتب التي حاولت جمع هذه المباحث وضمها بطريقة مستقلة لا يجد النظريات السياسية مبوبة مرتبة ومفصلة، بل قد يخيل إليه أن هذه الكتب تضم كثيرًا من الحشو الذي لا صلة له بالسياسة.
3 - الصعوبة الثالثة أن هذه الكتب التي أفردت للبحث في مسائل السياسة تضم مباحث لا تمت بصلة إلى ما يعرف اليوم بعلم السياسة، فهذه الكتب تشمل النظام الإداري والمالي والقضائي بجانب النظام السياسي، وتتحدث عن التشريعات الجنائية والمدنية بجانب التشريعات الدستورية والسياسية.
4 – الصعوبة الرابعة أن كثيرًا من المبادئ الإسلامية والمصطلحات في القرآن والسنة وكتب الفقه لا يتصور أن لها صلة بالسياسة مع أنها في وأقع الأمر تقرر مبادئ سياسية مهمة، ولعل أظهر مثال لذلك كلمة الشهادة نفسها، فـ«لا إله إلا الله» التي تعلو بها المآذن حتى في بلاد الكفر قد لا يدور بخلد أحد أن لها علاقة بالسياسة، مع أنها في حقيقة الأمر ليست مبدأ عقائديًا فحسب، بل هي قاعدة دستورية وشعار سياسي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل