; في فقه السياسة «5» الإسلام والحكومة المعاصرة نظرية الدولة حارس | مجلة المجتمع

العنوان في فقه السياسة «5» الإسلام والحكومة المعاصرة نظرية الدولة حارس

الكاتب بسطامي محمد سعيد خير

تاريخ النشر الثلاثاء 20-فبراير-2001

مشاهدات 59

نشر في العدد 1439

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 20-فبراير-2001

الحكومة في النظرية الإسلامية

في ظل التطورات المعاصرة في العالم الإسلامي، وسعي المسلمين لتكوين حكومة إسلامية تكون بديلاً للأوضاع الفاسدة الظالمة، كان لا بد من تصور واضح للحكومة الإسلامية ووظيفتها في المجتمع. والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا المجال هو: هل ستضطلع الحكومة الإسلامية في العصر الحاضر بالدور نفسه الذي تؤديه المؤسسة الحكومية المعاصرة في الغرب، أم أن لها وظيفة مختلفة؟ وللإجابة عن هذا السؤال يحتاج المرء إلى النظر أولاً لتعريف علماء الإسلام للحكومة وتصورهم لوظيفتها، والبحث ثانية في نماذج الحكم الإسلامي في عصوره السالفة لنتبين من ناحية عملية ما دور الحاكم ودور المجتمع المسلم في التاريخ الإسلامي، ثم نخلص من ذلك إلى: هل الشكل الحالي للحكومة المعاصرة يتلاءم مع ذلك أم يختلف؟

وظيفة الحكومة: الحراسة

تصور المفكرين المسلمين للحكومة الإسلامية ووظيفتها أمر يحتاج إلى وقفة متأنية ونظرة فاحصة، فقد تكرر في كتب الأولين أن السلطان حارس وأن مهمته تدبير مهمات الدين والدنيا كما أشار إلى ذلك إمام الحرمين الجويني مثلاً. فالحكومة- ممثلة في الإمام وأعوانه- تقوم بدور القيادة والتوجيه والحراسة للمجتمع المسلم ليؤدي دوره بأكمل وجه. وحين تنظر في المسؤوليات التي أنيطت بعاتق الحكومة نجدها لا تتعدى المهمات من الأمور مثل الجيش والقضاء والشرطة والبريد والأموال العامة. وقد كان المجتمع المسلم يقوم بكثير من الوظائف الأخرى مثل التعليم والصحة وغيرها. وكان كثير من المؤسسات غير الحكومية تشرف على هذه الخدمات وتديرها باستقلالية كبيرة. وقد عدّد الدكتور مصطفى السباعي أكثر من ثلاثين نوعاً من هذه المؤسسات في كتابه: «من روائع حضارتنا». نذكر من ذلك على سبيل المثال عمارة المساجد والمدارس والمستشفيات وتوفير المياه بحفر الآبار وشق القنوات وتعبيد الطرق وصيانتها، ورعاية الأيتام والطفولة والأمومة والعجزة والمكفوفين والفقراء، وإقامة مساكن الحجاج والفنادق والتكايا التي تؤوي وتطعم المسافرين والمحتاجين مجاناً، وإعانة المجاهدين بالسلاح والمؤن والإشراف على المقابر وخدمات الدفن، وعيادات البيطرة وإيواء الحيوانات العليلة والضالة.

باختصار يمكن القول إن المجتمع كان يقوم بالدور الأكبر في المصالح العامة، وكان دور الحكومة يقتصر على نطاق صغير من هذه المصالح. وقد كفل المجتمع مصالحه ووفر لها المصادر المالية اللازمة عن طريق الأوقاف وغيرها. وقد كانت هذه المؤسسات الطوعية تؤدي دورها رغماً عن فساد الحكومات لأن ذلك الفساد لم يكن ليشمل إلا دائرة ضيقة كان فساد الحاكم في سلوكه الشخصي أو سلوك حاشيته وأعوانه، ويتمثل في أكثر الأحيان في تعديهم على أموال الدولة أو حقوق الناس الخاصة. وظل المجتمع يضطلع بمهام جسام وتؤدي مؤسساته دورها، إلى أن أصاب الانحطاط المجتمع بكليته. وحين جاء الاستعمار إلى أكثر بلاد المسلمين قضى أول ما قضى على مؤسسات المجتمع الوقفية وألحق خدماتها بما أقامه من حكومة غربية الشكل والقالب غريبة نافرة عن المجتمع المسلم.

الحكومة الإسلامية المعاصرة

لم يتوقف الناس في فكرهم السياسي الإسلامي المعاصر ليسألوا أنفسهم: أي النماذج ينبغي للحكومة الإسلامية أن تحتذي؟ بل ورثوا وضعاً قائماً وانصرف جل همهم إلى قضايا أخرى أكثر إلحاحاً في المسرح السياسي مثل الشورى والديمقراطية وما إليها. ولكن يبقى على الناس أن يعيدوا النظر في أساس الحكومة نفسها ويختاروا لأنفسهم إما النموذج الذي تطور في التاريخ الإسلامي أو النموذج الغربي أو نموذجاً معدلاً يأخذ من كل بنصيب. ولأن الأمر ليس فيه أبيض وأسود وحلال وحرام، بل إنه من أمر السياسة المتروك فيها للناس الخيار بما يحقق المصلحة العامة، والسياسة الشرعية في كثير من أمورها تدور على المصالح بعد النصوص. ولأن الأمر ليست فيه نصوص قاطعة، فالمصلحة هي الحكم.

ولكن لعله من البدهي أن كثيراً من العورات قد بدأت تظهر في نموذج الحكومة الغربية المعاصرة والمقلدون في الشرق بدورهم يشكون مر الشكوى من هذه النقائص. ومن أهم ذلك أن الحكومة تتحمل عبئاً أكبر منها، والخدمات التي تقوم بها تتضخم في كل يوم. وقد أدى ذلك إلى نتيجتين ملموستين في أرقى الدول وأكثرها تقدماً، فما بالك بالدول المتخلفة. النتيجة الأولى هي تدني الأداء في المؤسسات الحكومية، وثانيتها كثرة المنصرفات الحكومية مما أوقعها في العجز المالي وأرهق المواطنين بالضرائب الباهظة التي تزيد ولا تنقص. وقد لجأت بعض الحكومات خروجاً من هذه الأزمة إلى تحويل كثير من خدمات القطاع الحكومي إلى القطاع الخاص الذي عرف عندنا بالخصخصة.

وإذا غضضنا الطرف عن النظر في وجهة الإسلام في أمر الضرائب التي قد يرى البعض حرمتها لأنها من المكوس، فإنه من غير المختلف فيه أن أي طريق لتقليل الضرائب أو التخلص منها نهائياً أمر مرغوب فيه لا محالة. وبدلاً من أن تلجأ الدولة إلى القطاع الخاص لحل مشكلاتها عن طريق الخصخصة، فقد يكون من الأولى التحول إلى الحل الذي جربه أسلافنا ويتفق مع قيم الخير والصلاح التي يعرفها المجتمع المسلم وذلك بتكوين مؤسسات طوعية غير حكومية وإحياء دور الأوقاف ليكون شامخاً يشرف على التعليم والصحة والطرق والمواصلات. والأمر قد يبدو عظيماً مستغرباً لأول وهلة، لكن من حسناته أنه ينمي الخير في المجتمع، ويجعله يعتمد على نفسه، ويجعل الحكومة أقدر بكثير على القيام بدورها الأساسي في التوجيه والقيادة والحراسة للمصالح العامة دون تكليف نفسها بتحمل أعباء لا تطيقها، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

الرابط المختصر :