; في قضية الدكتور عصام البشير الإنصاف بين النصوص والأعراف | مجلة المجتمع

العنوان في قضية الدكتور عصام البشير الإنصاف بين النصوص والأعراف

الكاتب جاسم بن محمد مهلهل

تاريخ النشر السبت 18-أكتوبر-2008

مشاهدات 55

نشر في العدد 1823

نشر في الصفحة 12

السبت 18-أكتوبر-2008

إن الطعن في الدكتور عصام البشير مطعن في المؤسسة التي تعاقدت معه والتشهير به ملامة لها.. فأين كبارها؟ أليس منكم رجل رشيد؟!

لقد هيجني وأنا أعاود النظر في حماسة أبي تمام قول قريط بن أنيف: 

لو كنت من مازن لم تستبح إبلي               بنو «البخيلة» من ذهل بن شيبانا
إذا لقام بنصري- معشر خشن            عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا 
قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم                طاروا إليه زرافات ووحدانا
لا يسألون أخاهم حين يندبهم                في النائبات على ما قال برهانا 
لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد             ليسوا من الشر في شيء وإن هانا
 يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة         ومن إساءة أهل السوء إحسانا 
كأن ربك لم يخلق لخشيته سواهم                من جميع الناس إنسانا 
فليت لي بهم قومًا إذا ركبوا                 شنوا الإغارة فرسانًا وركبانا 

 

فقلت في نفسي وأنا مغتم الخصومة لم يراع فيها شرف العربي إذا خاصم، وغابت عنها أصالة ذوي المكارم إذا واجهوا: 

ليت شعري لم يغض الطرف من الدكتور عصام من كان بالأمس القريب قطعة منه؟ أولا يراه أهلا للنصرة والولاء؟ أم هو الجفاء وقلة الوفاء؟

تعسًا لمروءات تزعم وهي جوفاء خاوية كأنك تسمع جعجعة ولا ترى أثرًا! 

لله ما أقبح خلال السوء بذويها، وما أشنأ جمرات الغدر بموقديها: 

﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ (فاطر: ٤٣).

قيدت هذا الخاطر في نفسي، وقلت لعله قريب مما يقع في نفس أخي الدكتور عصام البشير- أيده الله ونصره- وهو يواجه بمفرده هجمة شرسة شعواء منكرة كان أولى الناس بنصرته فيها من جملوا مجالسهم به بكرة وأصيلا، وشرفوا بمجيئه إليهم، وحلوله عاملا للإسلام كريما بينهم يحوطه فيهم جلال العلم وهيبته وعزته وألقه.

وإذا بالصديق القريب يرى السهام تنوش أخاه يمنة ويسرة، ولا هيعة ولا «فزعة»، مع أن الطعن في «الدكتور عصام البشير» مطعن في المؤسسة التي تعاقدت معه، وغمزه في واقع الحال مغمر فيها، والتشهير به ملامة لها، فأين أين كبارها ووجهاؤها؟

أليس منكم رجل رشيد؟ عجيب والله أمر مروءات هذا الزمان!

أخي عصام:

لئن خذلك القريب وشد عليك الغارة من لا أسميهم فإن أخاك جاسمًا يقسم بالذي يحلف به ما درى عن «الهوشة» إلا بعد أن خبا أوارها وسكن عجاجها لعذر السفر في أيام محنتك هذه، فلما بلغني الذي كان: اهتز كياني وتزعزعت أركاني؛ لأنه روي في بعض كتب الأخبار والسير أن أبا جهل أشير عليه بأن يدخل على رسول الله داره فأطلقها كلمة عربية شريفة: «لا يتحدث العرب أن أبا الحكم روع بنات محمد!!» فعلمت أن الكافر قد يكون شريفًا في الخصومة عادلًا فيها خاصة وأن الذي يقول هذا هو فرعون هذه الأمة، ففت كبدي ما كتبه عنكم وروج له بعض الناس.

فأحببت يا أيها الأخ الحبيب لإخوانه أن أكتب هذه الكلمة، معرفة لحقك، وصيانة الشرف الكويت ومروءة الخيار فيها، أدب فيها عنك ليذب الله عني، وأدفع بها عنك ليدفع الله عني وأنا على بوابة الستين، وقليل من يجاوز ما بين الستين إلى السبعين، كنت أرجو الله أن يرزقني الخوف منه، واليوم أرجوه ليرزقني سعة الرجاء فيه بهذه الكلمات. 


أخي الدكتور عصام:

لعلك خير من يعلم أنه ما من داعية إلى الله إلا وتمعر في الله وجهه مرات ومرات، ولقد كان الصالحون ممن مضى يفرحون بالضراء إذا نزلت بساحتهم؛ لعلمهم أنه لا يصيب المؤمن من بلاء إلا كان له فيه أعظم الخلف من الله تعالى.

إلى الذين تناولوا الدكتور عصام:

تأملت فيما كتب بعضكم، فعجبت الغياب الإنصاف والعدل، والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (المائدة:8)

لقد وجدت غاية عليكم: راتب الشيخ ومخصصاته المالية أوترونه سارقًا لها، أو منتهبًا لها، أو شاهده بعضكم ينفقها بليل خشية أن يراه أحد؟

خاطبوا عقولكم، وحاوروا دخائلكم وكل منطق لديكم: أليست وزارة الأوقاف تعاقدت معه على كل ذلك؟ والمسلمون على شروطهم، فما الذي حشر أنوفنا فيما لا يعنينا من عقود رسمية أقرتها كل الإدارات المالية والإدارية في الوزارة أليس «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»؟ لم لم تملكوا شجاعة النقد للمؤسسة - في شيء هو من أخص خصائصها - إن كان ضركم صنيعها؟ أم هو كما قالت غزالة الخارجية: 

أسد علي وفي الهياج نعامة         فتخاء تنفر من صغير الصافر 

هلا برزت إلى غزالة في الوغى      بل كان قلبك في جناحي طائر

يا من تسربل بدعوى الحفاظ على مال الدولة، ولبس لذلك مسوح الوعظ والإرشاد؛ ما «عور قلبك» الحفلات الراقصة، والغنائيات الماجنة هنا وهناك، ولكع ابن لكع من الهابطين والهابطات؟ أفلا اشتغلت محاسبًا ماليًّا على هؤلاء وأولئك؟ ﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ (النساء: ٥٤).

جدت في نفسك من لعاعة الدنيا التي يعطيها الله تعالى من يحب من عباده ومن يبغض، وهي هيئة عليه سبحانه، ولولا ذلك ما صبها على من لا يؤمن به صبًا.

صدق الله القائل: ﴿قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنفَاقِ ۚ وَكَانَ الْإِنسَانُ قَتُورًا﴾ (الإسراء:100)

إن من أراد السلامة لنفسه لا بد له أن يطلبها في سلامة غيره، و«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليأت للناس الذي يحب أن يؤتى إليهم»، والأيام دول، وهي حبالى تلد العجائب، وإن غدًا لناظره قريب. 

ألا فأيقنوا أن الحوادث من الله تعالى يصرفها كيف شاء، ودوام الحال من المحال، وقد أخبر الله بالعدل سبحانه أنه لا ترفع إليه الأكف فيردها خائبة.

يا أيها الوزراء:

ماذا نتوقع حينما تغيب عن قراراتنا معاني الإنصاف؟ ويعلو الإجحاف على النصوص والأعراف؟

ماذا نتوقع حينما يستجيب الأمين الدعاية أو وشاية مالها أساس مكين؟

ماذا نتوقع حينما تستعجم على الأفهام معنى قول الله تعالي: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ (المائدة :8)؟

وإنني هنا لن أفصل في سيرة الدكتور حفظه الله، ولن أتكلم عن فضله فهذا شيء يعرفه الجميع، فهو من قيادات العمل الإسلامي على مستوى العالم. وقد كان عضوا برلمانيا أكثر من أربعة عشر عامًا في بلده، ووزيرًا للأوقاف ما يقارب خمس سنوات، والمحافل الدولية والمؤتمرات العالمية تشهد للرجل بالتميز والتفرد، ولعل ذلك كان من أسباب مخاطبة صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد أمير الكويت- حفظه الله– لأخيه سعادة الرئيس عمر البشير رئيس جمهورية السودان، بطلبه في أن تستعير الكويت الدكتور عصام البشير من السودان للقيام على إنشاء "مشروع الوسطية" فهو فارسها إذا التفت الناس حولهم، وقد كان له موقف مميز عن كثير من القيادات العربية والإسلامية في العالم وقت الغزو العراقي للكويت "واللجنة الكويتية العليا في بريطانيا حين ذاك شاهدة على ذلك"، ومن صور مساندته للحق الكويتي المحاضرة التي ألقاها هناك تحت عنوان "ماذا خسرت الأمة باحتلال الكويت ؟" وهذا ثابت في أرشيف "اللجنة العليا" بالصوت والصورة.

وإظهارًا لموقف الدكتور في وقت الغزو العراقي للكويت أنقل الرسالة التي أرسلها أ/ فهد العوضي سفير دولة الكويت في سورية المؤرخة بتاريخ 13/6/2007م يقول فيها:

سعادة الأخ الفاضل/

د. عادل الفلاح حفظه الله

تحية طيبة وبعد...

لقد تابعت بكثير من الأسى ما نشرته إحدى المجلات من نقد للأخ الفاضل الدكتور عصام البشير واتهامه بالإساءة إلى دولة الكويت وأهلها وأود فيما يلي أن أسجل بكل أمانة ما لمسته مباشرة خلال فترة عملي كرئيس للبعثة الدبلوماسية الكويتية في الخرطوم التي امتدت من عام ٢٠٠٠ إلى عام 2005 م، من خلق نبيل، وحب وتقدير الدولة الكويت وأهلها من قبل الأخ الدكتور عصام البشير، ففي بداية عملي في الخرطوم حرصت على التواصل مع الشخصيات السودانية التي كان لها موقف مساند للحق الكويتي وكان الدكتور عصام البشير على رأس هذه الشخصيات، فقد كان في كل خطبة يهاجم الاحتلال الصدامي الغاشم ويدعو الله لنصرة الكويت وأهلها حتى وصل الأمر بأن يقوم أحد أعضاء سفارة النظام العراقي آنذاك بتوجيه تهديد مباشر السلامة الدكتور عصام البشير إذا لم يتوقف عن مناصرة دولة الكويت، إلا أنه استمر في مناصرة دولة الكويت رغم الموقف المضاد الذي تبنته حكومة السودان في ذلك الوقت.

بعد دخول الدكتور عصام البشر إلى الحكومة السودانية كوزير للأوقاف وجدنا منه كل تعاون فيما يتعلق بالمواضيع الخاصة بدولة الكويت حتى وإن كانت خارج مجال اختصاص وزارته، ولم نسمع قط أنه خلال تلك الفترة قد أساء للكويت أو أهلها علما بأن موقف الحكومة السودانية من الحرب على العراق عام ٢٠٠٣م كان أقل تعاطفًا مع العراق عما كان عليه الحال غداة غزو دولة الكويت رغم أن الحكومة السودانية كانت تعارض التدخل الأجنبي في العراق إلا أنها لم تتخذ مواقف تتسم بالحدة أو المواجهة وهذا الموقف ينسحب على جميع أعضاء الحكومة السودانية بمن فيهم الدكتور البشير، كما أود أن أسجل اهتمام الدكتور عصام البشير بجميع الوفود الكويتية التي كانت تزور السودان في ذلك الوقت ويحرص على اللقاء بهم وعلى إقامة المآدب في سكنه الخاص احتفاء بهم، وهو ما حصل لدى زيارة رئيس مجلس الأمة والوفد المرافق للخرطوم، حيث لمس الجميع محبة وتقدير د. عصام البشير للكويت والكويتيين بشكل مباشر.

أخي الفاضل: لقد ارتأيت توجيه هذه الرسالة الشخصية لكم حول الموضوع علني أستطيع رد الجميل لهذا الرجل الفاضل لكم مني كل التقدير والشكر وأطيب التحيات

أخوكم فهد العوضي سفير دولة الكويت دمشق 13/6/2007م كما أنني لن أناقش مشروع «الوسطية» أو عمل «المركز العالمي للوسطية» الذي كان يرأسه الدكتور عصام فإنجازاته التي يعرفها السيد الوزير والسادة الوكلاء شاهدة ودليل على ذلك. وتفصيل ذلك واضح في البيان الذي تم نشره حول المركز العالمي للوسطية وأمينه العام بعنوان "للحقيقة والتاريخ" والذي نشر في صحيفة الوطن حين كثر الكلام حول مركز الوسطية.

قبل الخاتمة أقول:

لقد تعلمنا أن المسلم ما ينبغي أن تغيب عنه معاني العدل والإنصاف وكيف تغيب عنه والقرآن يذكره دائما بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ (المائدة:8)

 

إن موازين الكبار تجعل من الإنصاف قيمة عليا تعلو على كل القيم ودرجة سامية ومكانة رفيعة لا تدانيها مكانة.

أخي الدكتور عصام:

حبيب أنت والله إلى قلوب إخوانك وإلى خاصة، تتنازعنى في حبك أخوة في الله ونزاهة في حب جمع على غير ميعاد، وفكرة ومنهج، وإعجاب غزاني لا أعرف كنهه... ونوازع آخر يحملها الوجدان، وقد يقصر عنها البيان والتوصيف.

أخي الحبيب:

لعل ما مضى من أيامنا أكثر مما بقي، والأوابون المجتهدون أحرص على بذر شيء من الخير؛ قبل أن تقلهم سفن المنايا إلى رحلة اللقاء مع الله تعالى، وما أبدعها وأحلاها لمن عمل صالحًا وصبر، ولي في الله تعالى أعظم الرجاء أن تكون أحد أولئك الأوابين.

وإني لأجأر إلى الله سبحانه أن يحرسك، ويأخذ بيدك لكل خير، ويمنحك التوفيق فوق ما تؤمل، وأن يجري على كفيك الطاهرتين بعض النفع لهذه الأمة المهيضة الجناح المكلومة الجانب، وإني لفي أصلك ومنبتك النزيه لواثق... ودمت لأخيك جاسم المهلهل وسلمت.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل