; في محاولة لمحو ذاكرة الأمة: الإبادة الثقافية للشيشان | مجلة المجتمع

العنوان في محاولة لمحو ذاكرة الأمة: الإبادة الثقافية للشيشان

الكاتب أسامة عبدالحكيم

تاريخ النشر السبت 25-يناير-2003

مشاهدات 68

نشر في العدد 1536

نشر في الصفحة 32

السبت 25-يناير-2003

                                                                        

  • الحرب بدأت بتغيير اسم شعب «النوختشي» إلى شعب«الشيشان». 

  • إلغاء كتابة اللغة الشيشانية بالحروف العربية.. وفرض تعليم الروسية في المدارس تحت شعار«حروف هجائية واحدة»!

  • نصف مليون كتاب بالروسية لتنصير الشعب.. لكن حفاظ الشيشانيين على العربية أفشل المخطط. 

  • تدمير الأرشيف الوطني.. إزالة الآثار.. وقتل المفكرين والعلماء. 

كما هو معلوم... ما إن يطأ المحتل أرضاً ليستعمرها حتى يبدأ بطمس أي دليل على وجود هوية واضحة لشعبها. 

ولم يشكل الروس أي استثناء عن ذلك، فقد باشروا فور وصولهم إلى الأراضي الشيشانية وبصورة تدريجية طمس المعالم الثقافية والحضارية للشعب الشيشاني القاطن بمنطقة القوقاز منذ آلاف السنين، والذي تمتد جذور حضارته في أعماق الأرض التي عشقها مسطراً ملحمة عظيمة في التاريخ، وضارباً المثل الأعلى في قتال المستعمر الروسي في حرب امتدت حتى الآن إلى ٤٠٠ سنة وما زالت مستمرة دون أن تلين له قناة.

كان أول عمل أقدم عليه الروس في حرب الإبادة هذه هو تغيير اسم الشعب ذاته؛ فـ«الشيشان» هو الاسم الذي أطلقه الروس على شعب «النوختشي» الذي كان هدف أطماعهم الاستعمارية في تلك المنطقة، وذلك نسبة إلى قرية «شيشين أؤول» عاصمتهم في ذلك الوقت، ويلاحظ كيف غلب هذا الاسم على الاسم التاريخي لشعب النوختشي.

اللغة

ثم بدأت السلطات الروسية عملية الإبادة الثقافية عن طريق اللغة وكانت اللغة الشيشانية تكتب بالحروف العربية حتى عام ١٩٢٥، فعمل الشيوعيون الروس على تغييرها أولاً إلى الحروف اللاتينية، ثم حولوها عام ۱۹۳۸ إلى الحروف الكيريلية- الروسية التي استمرت الكتابة بها حتى عام ١٩٩٢ وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي وحصول الشيشان على استقلالها من طرف واحد صدر مرسوم رئاسي يشير إلى أن اللغة الرسمية هي اللغة الشيشانية، فيما ظلت اللغة الروسية لغة التعامل بين مختلف القوميات القاطنة فيها. ونص المرسوم على إعادة كتابة اللغة الشيشانية بالحروف اللاتينية. وفي وقت لاحق أبدت الحكومة الشيشانية رغبتها في العودة إلى كتابة اللغة الشيشانية بالحروف العربية لكن ذلك لم يتم.

ولكن لماذا تم تغيير الحروف إلى اللاتينية؟ يقول عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفييتي ميكويان «أرمني الأصل»: كانت الغاية الأساسية لنشر التعليم باللغة اللاتينية خطوة مهمة على طريق الثورة الشيوعية العالمية التي كانت الحكومات السوفييتية المتعاقبة تؤمن بها. 

ووصف لينين عملية نشر الحروف اللاتينية بين الشعوب المسلمة بأنها ثورة عظمى عمت شعوب الشرق. وسار الروس في ذلك على خطى أسلافهم الأتراك الذين قاموا بتحويل الكتابة التركية من الحروف العربية إلى الحروف اللاتينية، ذلك أن ارتباط الشعوب باللغة العربية يعني ارتباطها بالدين الإسلامي، وبالقرآن والشريعة وبالتالي فإن قطع هذه العلاقة سيؤدي إلى انتشار الثقافة العلمانية الإلحادية.

لكن هذه السياسة نالها الفشل ولم تُجدِ نفعاً؛ فالشيشان- شأنهم في ذلك شأن الشعوب الأخرى التي تم فرض اللغة اللاتينية عليها- يتعلمون الروسية كلغة ثانية ولم يستفيدوا كثيراً من الكتابة باللاتينية. وأصبحت هذه الحروف حائلًا دون دمج الشعب الشيشاني بالشعب الروسي، وبقي الشيشان على دينهم، إذ بلغ عدد المدارس الإسلامية والمساجد في بداية الثلاثينيات ٢٦٧٥ مؤسسة؛ لذلك أصدرت الحكومة السوفييتية واللجنة المركزية للحزب الشيوعي بياناً مشتركاً بتاريخ ۱۳ مارس ۱۹۳۸ ينص على إلزام الشعوب الأخرى في روسيا بتعليم اللغة الروسية في جميع المدارس التي لم تكن تدرسها حتى ذلك الوقت، وقد اعتبر هذا القرار كذلك ثورة ثقافية ثانية تحت شعار «اتحاد واحد، حزب واحد حروف هجائية واحدة»، لكن استثناء اليهود والشعوب النصرانية كالإستونيين، الجورجيين، الأرمن اللاتفيين اللتوانيين والأقلية الفنلندية وغيرهم كشف حقيقة الخفايا التي كان الروس يكنونها للشعوب الإسلامية في الاتحاد السوفييتي.

ومما لا شك فيه أن الروس بخطوتهم هذه أرادوا تجسيد انتصار العلمانية على الإسلام من خلال إحلال اللغة الروسية مكان اللغات المحلية للمسلمين والتي تشكل العربية جزءاً أساسياً منها. وجاءت هذه العملية في الواقع تنفيذاً لحلم القياصرة الروس بنشر اللغة الروسية بين الشعوب الإسلامية التي استعمروها كخطوة أولى نحو تنصيرها.

وكانت الحكومات الروسية القيصرية قد نشرت أكثر من ٥٠٠ ألف كتاب باللغة الروسية مخصصة للمسلمين التتار بهدف تنصيرهم لكن حفاظهم على اللغة العربية حال دون ذلك ولم تستطع هذه الحكومات خلال ٥٠ سنة تنصير أي مسلم تتري؛ من هنا شعر الشيوعيون بأهمية قطع كافة جذور العلاقة بين الشعب الشيشاني وغيره من الشعوب المسلمة في الاتحاد السوفييتي السابق واللغة العربية؛ علَّ ذلك يوصلهم إلى مآربهم في «ترويس» الشعوب الإسلامية السوفييتية بما في ذلك الشعب الشيشاني. وعندما تم نفي الشعب الشيشاني بأسره من أراضيه عام ١٩٤٤ وتوزيعه على أماكن سكنية متفرقة كان هدف الحكومة السوفييتية من وراء ذلك إجبار الشيشان على اللجوء إلى اللغة الروسية كلغة تخاطب يومي مع الشعوب المحيطة، وحاول الشيوعيون «ترويس» الشيشان المنفيين وقطع صلتهم بماضيهم فلم يكن يسمح لهم بطباعة أي كتاب أو إصدار أي مطبوعة باللغة القومية، وكانت الدراسة ومصادر المعلومات مقتصرة على اللغة الروسية، وحتى بعد عودة الشيشان إلى ديارهم عام ١٩٥٧ كانت لغة التعامل اليومي هي اللغة الروسية إذ لم يكن يسمح بتدريس اللغة الشيشانية في المدارس الحكومية. ويتكلم اللغة الشيشانية اليوم أكثر من مليون شخص يعتبر 99% منهم أنها لغتهم الأم.

الأدب

عرفت ميادين الأدب في جمهورية الشيشان فرساناً قل نظيرهم اشتهر منهم شمس الدين آیسخانوف، أحمد نجاييف، عبدي دوداييف إضافة إلى علماء اللغة خالد ينداروف، أحمد ما تسييف، وداشلاكو ملساغوف. وقد قام السوفييت بقتل الكثير منهم ونفي الآخرين. ويعتبر سعيد صالح سليمان بادوييف أبا الأدب الشيشاني الحديث، وقد بدأ بنشر أعماله عام ١٩٢٦.

امتاز بادوييف بتعدد مواهبه فكتب القصة «الجبال الملتهبة»، والرواية «فاطمات» والمسرحية «عرس ساييباء» و «البحيرة الذهبية» و«القلعة الحمراء». يقول النقاد إن هذه الأعمال تضاهي مثيلاتها العالمية.

إضافة إلى كونه أديباً فقد كان بادوييف عالم نفس بارزاً وخبيراً بالعادات والفلكلور الشيشاني وشاعراً. تم إعدامه على أيدي المخابرات السوفييتية كعدو للشعب ولم يكن عمره يتجاوز ٣٤ سنة، وذلك عام ١٩٣٩ أثناء الثورة الثقافية الشيوعية.

وقد وجدت الطاقة الأدبية الكامنة متنفسها بعد عودة الشيشان من منافيهم عام ١٩٥٧ وبلغت ذروتها في الثمانينيات من القرن المنصرم. الباحثة الشيشانية مريم تشينتييفا ذكرت في کتابها تاريخ الأدب الشيشاني، أنه كان ينشر أكثر من ۲۰۰ كتاب باللغة الشيشانية سنوياً في ميادين مختلفة كاللغة والأدب والثقافة والتاريخ والفن وغيرها.

 وبعد إعلان الاستقلال عن روسيا جرت عدة محاولات للنشر لكن سلسلة الحصارات الروسية على الشيشان امتدت لتشمل هذا الجانب ولم يتمكن المؤلفون الشيشان من النشر بلغتهم على أرضهم. 

وحتى رئيس الجمهورية السابق أليم خان يندربييف لجأ إلى أوكرانيا لنشر كتبه المتعلقة بالحرب مع روسيا وأعماله الأدبية ومذكراته الشخصية. 

وعندما صدر كتاب أعلام من الشيشان للكاتب موسى غيشاييف قامت سلطات الجمارك الروسية بمصادرته وإتلاف كافة نسخه. وليس هذا جديداً على السلطات في موسكو. فقد أقدمت عام ١٩٤٤ عند نفي الشعب الشيشاني من أراضيه، على حرق عشرات الآلاف من الكتب والمخطوطات الفنية النادرة في ساحات العاصمة وذكر شهود أن النيران استمرت أسبوعاً كاملاً في التهام هذه الكتب رغم الطقس المثلج في ذلك الوقت من السنة.

الآثار التاريخية

تمثل المقابر الشمسية التي ما زال بعضها موجوداً في الجبال الشيشانية إبداعاً فريداً من نوعه في العالم. هذه المقابر أشبه ما تكون بالبروج ذات الأقسام الكثيرة في الداخل فقد كانت عبارة عن منزل كامل، فيما كان القسم السفلي منها يشكل حظيرة للمواشي يستفيد المريض من لبنها ولحمها أثناء الحجر الصحي. والغاية من ذلك إيجاد مكان منعزل لمن يحمل مرضاً معدياً «حجر صحي»، حتى لا يتم نقل المرض إلى المعافين فإن شفي المريض يعود إلى أهله وذويه وإن توفي يكون قد حفظ الآخرين من العدوى. 

وبما أن الجبال الشيشانية تتمتع بمناخ فريد فعادة ما تحفظ هذه الأجساد من التلف لمئات السنين كما لو كانت محنطة، كما كانت تحفظ كافة الأدوات التي كان يستعملها المريض في أواخر أيام حياته حتى ملابسه التي توفي وهو يرتديها، كما كانت هذه البروج تشكل مواقع للحراسة والإنذار.

ومع كل حرب يشنها الروس على الشيشان يتناقص عدد هذه المقابر، بل شهدت الحربان الأخيرتان اعتداءات مباشرة من العسكريين الروس عليها حيث يقومون بتدميرها بصورة متعمدة ويطلقون النار على الجثث الموجودة هناك دون أي اعتبار لحرمة الموتى أو حتى للقيمة الأثرية لهذه المقابر؛ كونها تمثل جزءاً من الحضارة الشيشانية ومعلماً أثرياً فريداً من نوعه في العالم، والأغرب من ذلك صمت المنظمات الدولية كاليونيسكو وغيرها إزاء هذا العبث المقصود. 

وقد ورد ذكر هذه المقابر بداية في كتب الرحالة العرب في القرن العاشر وكانت قد تعرضت لحملة تدمير على يد المغول أثناء احتلالهم للشيشان في القرن الرابع عشر لكنهم لم يدمروها بالكامل ويأتي الآن مغول القرن الحادي والعشرين ليتموا عمل أسلافهم.

المتاحف

عندما ظهرت سحب الحرب في سماء العلاقات بين روسيا والشيشان عمدت حكومة الجنرال جوهر دوداييف إلى نزع اللوحات الفنية الجدارية وحفظها في حاويات معدنية للحفاظ عليها، وذلك لما تشكله من قيمة فنية وتاريخية، كما تم حفظ أكثر من مائة ألف قطعة فنية أخرى يعود تاريخ بعضها إلى أكثر من ٦٠٠٠ سنة. 

وفي العام ١٩٩٥ قام الروس بمصادرة اللوحات الفنية من المتحف الوطني ومتحف مدينة جروزني. فقد عمل المختصون الفنيون التابعون لوزارة الثقافة ووزارة شؤون الطوارئ على إنقاذ ٥٠٠ لوحة فنية وإرسال العديد منها إلى موسكو للترميم بعد ذلك بدأ بعض هذه اللوحات الفنية القيمة يظهر في المعارض والمزادات الدولية ومنها مزاد سوتبي الشهير للبيع، وقد زاد عدد القطع الفنية المسروقة على ٣٥٠٠ قطعة، وجد بعضها عند مواطنين روس من هواة جمع الآثار في ألمانيا وأخرى كانت في طريقها إلى «إسرائيل» حيث تنشط المافيا الروسية والغريب في الأمر أن الحكومة الروسية تتهم المقاتلين والمدنيين الشيشان بمحاولات البيع تلك.

وبعد أن كانت سرقة الآثار الفنية يعاقب فاعلها وفق القانون أصبح ذلك غنائم حرب، يستبيحها العسكريون الروس لأنفسهم وأي صوت احتجاج على ذلك يصدر من قبل السكان المدنيين يعتبره القانون الروسي تأييداً للمجاهدين الشيشان. وقد أتت نيران الحرب على متحف الفنون التشكيلية فاحترق بالكامل، وعلى المتحف الوطني لعلم الأجناس الذي كان يحتوي على موجودات أثرية لا تقدر بثمن ويعود تاريخها للعصور الحديدية والبرونزية والعصور الوسطى منها أدوات وثياب ترمز للحضارة الشيشانية، كما دمر معهد الأبحاث العلمية الوطني للعلوم الإنسانية، الذي كان قد تأسس عام ١٩٠٧ وكان يضم أعمال الباحثين الدوليين المتعلقة بمنطقة القوقاز عامة والشيشان خاصة، وكذلك المواد التي تم جمعها ميدانياً والمتعلقة بلغات شعوب الفايناخ وعلم أجناسهم، كما دمرت مكتبة جروزني المركزية العامة، ومكتبة البحث العلمي المركزية وكافة مكتبات الجامعة الوطنية والمعاهد العليا، ومكتبة الطفل المركزية ومقر اتحاد الكتاب والأدباء ومقر اتحاد الفنانين والموسيقيين وممثلي المسرح، وتعرض للحرق: مركز إبداع الطفولة، مبنى الجامعة الوطنية، المتحف الجيولوجي، مركز الفلكلور الوطني وكليتا التربية والمعهد الموسيقي. عدا ذلك قام الجنود بسرقة كميات ضخمة من المشغولات الفنية التاريخية الأخرى ونقلوها بالحاويات خارج الشيشان.

 الأرشيف الوطني

يعتبر الأرشيف الوطني ذاكرة الأمة المدونة لذلك تحرص الأمم على الحفاظ عليه بأي ثمن. والشيشان شأنهم في ذلك شأن الأمم الأخرى حاولوا الحفاظ عليه قبل أن تمتد إليه نيران الحقد التاريخي الروسية وتلتهمه.

قبيل الحرب الشيشانية الأولى (١٩٩٤- ١٩٩٦) كان الأرشيف الوطني يضم ٧٩٥ ألف وثيقة منها ۱۳۹ ألف كانت محفوظة في فروع للأرشيف في المناطق. وكان ٦٢٥ ألف وثيقة تتحدث عن تاريخ الشيشان خلال المئتي سنة الأخيرة محفوظة في مقر الأرشيف الوطني في العاصمة جروزني. كما كان هناك ۲۲۷ ألف وثيقة خاصة بالحزب الشيوعي للاتحاد السوفييتي فرع الشيشان- أنجوشيا إلا أن الحرب أدت إلى إتلاف ۸۷% من هذه الوثائق، ولم يتبق إلا أعداد بسيطة كانت محفوظة في بعض المكتبات الخاصة.

يبدو أن الجيش الروسي لم يسمع بالمادة ١٦ من اتفاقية جنيف التي تحرم القيام بأعمال عدائية ضد المعالم التاريخية والإبداعات الفنية وأماكن العبادة التي تشكل تراثاً حضارياً للشعوب.

ويبدو أن الرئيس الشيشاني الراحل الجنرال جوهر دوداييف كان محقاً كل الحق عندما كان يدعو إلى إسقاط الإمبراطورية الاستعمارية الروسية التي سلبت من الأمة الشيشانية دينها، لغتها ثقافتها، علومها، حضارتها، ثرواتها الطبيعية عقيدتها، إعلامها، أدمغتها وحقوقها في الحياة والحرية.

 

الرابط المختصر :