العنوان في معرض القاهرة الدولي للكتاب ... مناظرات ومحاضرات وغرائب!
الكاتب بدر محمد بدر
تاريخ النشر الأحد 19-يناير-1992
مشاهدات 54
نشر في العدد 985
نشر في الصفحة 31
الأحد 19-يناير-1992
بالطبع ليست هي المرة الأولي، ولكنها المرة رقم 24 التي يقام
فيها معرض القاهرة الدولي للكتاب في أرض المعارض بمدينة نصر الذي شارك
فيه 1850 ناشرًا من 65 دولة، عرضوا أكثر من 4,5 مليون عنوان
وحوالي 43 مليون نسخة في 17 صالة عرض، ولكنها أيضًا المرة الأولى
التي اتبعت فيها الهيئة المصرية العامة للكتاب المشرفة على المعرض تقليدًا جديدًا،
وهو إقامة المحاضرات والمناظرات الفكرية واللقاءات والأمسيات الشعرية، دعت إليها
كبار رجالات الفكر والثقافة والأدب والفنون، مما أتاح لزوار المعرض فرصة ذهبية
زادت من حماس المناقشات والحوارات، وعلى مدى أكثر من عشرة أيام هي مدة
المعرض (من 4 إلى 17 يناير) أقيمت العديد من
المناظرات الفكرية، كان أبرزها المناظرة التي جرت بين دعاة الإسلام وبين دعاة
العلمانية في القاعة التي اكتظت بالجماهير، بينما لم يتمكن أكثر من عشرين
ألفًا من الدخول وسط إجراءات أمنية صارمة، أقيمت المناظرة تحت عنوان «مصر.. بين
الدولة الدينية والدولة المدنية»، مثَّل فيها فريق الإسلاميين فضيلة الشيخ محمد
الغزالي والدكتور محمد عمارة والمستشار المأمون الهضيبي، ومثّل فريق العلمانيين
الدكتور فرج فودة والدكتور محمد خلف الله، وأدار المناظرة التي جرت في جو ساخن
الدكتور سمير سرحان رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب.
|
* من غرائب معرض
القاهرة الدولي للكتاب أن الجناح السوفيتي، قد عرض كميات ضخمة من الكتب التي
تتحدث عن الفكر الشيوعي والماركسي |
كلمة الغزالي
وننقل هنا أهم ما دار في المناظرة التي بدأها فضيلة الشيخ
الغزالي قائلًا: إنه بعد أن استطعنا إجلاء الاستعمار العسكري عن بلادنا، ترك وراءه
استعمارًا تربويًا تشريعيًا وضروبًا أخرى من الاستعمار، جعلتنا نبتعد عن تراثنا
ابتعادًا غريبًا؛ ولذلك لن يثبت لنا استقلال، ولن تتضح لنا شخصية إلا إذا عدنا إلى
تراثنا كما كنا من قبل. وقال الغزالي: الديمقراطية الإسلامية ترى أن الشورى حق،
ولكن في موقع الاجتهاد، أما حيث يوجد نص سماوي يقول القاتل يقتل، فلا يستطيع أحد
أن يقول لا.
وأضاف: إنني أشعر أن هناك خلطًا للأوراق بين الذين يقولون لا
نريد حكومة دينية.. فماذا يريدون؟ أية حكومة؟ هل يقصد حكومة بوذية أو هندوكية
أو صليبية أو إسلامية؟ ماذا يريدون بهذه الكلمة الغامضة المتهمة.. إن
الإسرائيليين بجوارنا يقولون في صمت وفي ضجة نحن إسرائيليون تعطل أعمالنا يوم
السبت التزامًا بحكم التوراة، فهل الحكومة الدينية تكرم هناك، فإذا طالبنا
بحكومة إسلامية تساند الحق العربي المهيض والأمة الضائعة يقال لا.. لا
للحكومة الإسلامية وحدها! إن الحكم على إرادات الشعوب بالإعدام لأنها تريد
الإسلام لا هو ديموقراطية ولا هو شورى.. أنا أستغرب.. ما هذا الحقد
الغربي على الإسلام.. إن الحكومة الإسلامية تقوم على النص والعقل، النص الذي
يوافق الشرع المحكم، والعقل الذي يبحث عن المصلحة ويمشي بالقياس في ضوء الشرع، فهل
يريدون البعد عن حكم الله وعن حكم العقل؟ أي حكم هذا إذن؟!
إن الإسلام أقام منذ أربعة عشر قرنًا دولة عظمى.. وبعد أن تعبت
هذه الأمة في مسارها الطويل وأدركها من دواعي الاستعمار ما صرفها عن دينها...
اختتم الشيخ الغزالي كلمته مؤكدًا أن الأجيال الجديدة تريد العودة إلى
إسلامها، ولا ينبغي أبدًا أن تمنع عن هذا الطريق، وإن محاولة إبعادها هو عصف بحقوق
الإنسان وحريات الشعوب.
|
* عشرون ألفًا
احتشدوا خارج القاعة التي عقدت بها الندوة بين الإسلاميين والعلمانيين على هامش
معرض الكتاب. |
كلمة د. فرج فودة
الدكتور فرج فودة أكد في بداية كلمته على أن مجرد قبول الإسلاميين
للحضور إلى هذه المناظرة هو أولًا اعتراف بأن هناك دولة دينية وأخرى مدنية من وجهة
نظرهم.. ثم بدأ في الحديث عن أخطار الحكم الديني مؤكدًا أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم كان رسولًا ولم يكن حاكمَا، وأن الحكم بعد ذلك يجب أن يكون بعيدَا عن
سلطة رجال الدين، واصمًا الحركة الإسلامية بكل النقائص، وبخاصة منذ ظهور حركة
الإخوان المسلمين في مصر، وما حدث من اغتيال النقراشي والخازندار وحادث السيارة
الجيب ومقتل حسن البنا نفسه.. إضافة إلى ما حدث في 1954 وما بعده، إلى
اغتيال السادات وأحداث أسيوط التي راح ضحيتها حوالي مائة من الجنود والضباط.. وكان
الدكتور فرج فودة بطريقته في التعميم وعدم التحديد وجمع التيارات الإسلامية في سلة
واحدة، يهدف إلى رفض كل حديث عن أحقية التيار الإسلامي بالحكم.
الدولة الدينية والدولة المدنية
أما الدكتور محمد عمارة.. فقد أوضح في البداية أن الدولة الدينية
يقابلها الدولة اللادينية، بينما الدولة المدنية يقابلها الدولة العسكرية، أي إن
الدولة الدينية لا يقابلها الدولة المدنية، وتساءل: هل يقصد العلمانيون أن تكون
الدولة بعيدة في نظمها وسياساتها ومنطلقاتها عن مبادئ الإسلام؟ مؤكدًا أن هذا
مرفوض، فمرجعية الدولة الإسلامية ينبغي أن يكون إطارها الإسلامي، وقال: إن
المسلمين لا يرفضون الدولة المدنية بتشكيلاتها الحديثة، ولكن يطالبون بأن تكون
مرجعية الدولة المدنية في مجتمعاتنا هي الإسلام..
وقال: إن الأمة الإسلامية على مدى ثلاثة عشر قرنًا حكمت بالشريعة
الإسلامية، وكانت بذلك أعظم دولة شهدها التاريخ، فلماذا تزاحم القوانين الغربية
مؤسسات الحكومة في مجتمعات المسلمين؟
وأوضح د. عمارة أن القانون المدني وصمة عار في جبين الأمة
الإسلامية، ولذلك يجب على كل وطني أن يجاهد في سبيل تحرير العقل القانوني في
المجتمعات الإسلامية.
وتناول د. خلف الله الحديث، فكرر ما هو معروف عن مفهوم الدولة
الدينية ومفهوم الدولة المدنية، موضحًا أن نظرية الحكم بالحق الإلهي قد انتهت،
وحلت محلها نظرية أن الأمة هي مصدر السلطات، وطالب بضرورة التفرقة بين القانون
الذي يحدد العلاقات بين الناس وهذا ما يسمى بالشريعة الإسلامية؟ وبين القانون الذي
تقوم عليه الدولة بالأساس.
واعترض د. خلف الله على التنديد بالدولة المدنية، ذاكرًا أن
المسلمين عندما فتحوا مصر أمرهم عمر بن الخطاب بترك كل شيء على حاله.
المستشار الهضيبي وجه الشكر للمسؤولين في هذه المناظرة، ودعا إلى
استمرار الحوار والنقاش في مختلف القضايا، مؤكدًا أن هذا هو أسلوب التيار الإسلامي
وطريقته، وقال الهضيبي: إن الإسلام هو دين ودولة، ولا يمكن أن يكون للمسلمين
دولة بلا إسلام. ورفض الهضيبي مقولة إن محمدًا صلى الله عليه وسلم كان نبيًا
ورسولًا ولم يكن حاكمًا، مؤكدًا أن وظيفة إقامة الحدود الشرعية هي من وظيفة
الحاكم، وقد مارسها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه عليه الصلاة والسلام جهز
الجيوش، وكان يأمر بجمع الزكاة، فالرسول كان نبيًا وكان حاكمًا أيضًا.
وهكذا استمرت وقائع المناظرة التي استمرت ما يقرب من ثلاث ساعات وسط
حماسة شبابية ضخمة، وبالطبع لم تكن هذه المناظرة هي وحدها، بل عقدت مناظرات أخرى
لكنها لم تستطع جذب الشباب لمتابعتها، منها مناظرة حول «الماركسية هل تنتمي
للتاريخ أم للمستقبل؟» اشترك فيها مدافعًا الدكتور رفعت السعيد عضو اللجنة
المركزية لحزب التجمع، والدكتور علي الدين هلال والدكتور سعد الدين إبراهيم كطرف
مناقش.
أيضًا كان هناك لقاء يومي حول كتاب من الكتب الفكرية والأدبية
يناقش بين المتخصصين في المجال مثل كتاب «رؤية إسلامية معاصرة» للدكتور أحمد كمال
أبوالمجد، وكتاب «التغيير من أجل الاستقرار» للدكتور حازم الببلاوي، ومجموعة
المحاضرات السياسية والعامة كان من بينها محاضرة للدكتور مصطفى الفقي، وأخرى
للأستاذ عادل حسين، وثالثة للأستاذ صلاح منتصر... وهكذا، وفي المساء كانت تقام
الأمسيات الشعرية والندوات الثقافية.
والكتاب الإسلامي مازال متربعًا على عرش سوق القراءة، وإن كان
الكتاب الإسلامي المتخصص قد وجد سبيله إلى أيدي القراء في الفترة الأخيرة أفضل مما
سبق.. أما من غرائب معرض الكتاب فهو نزول الكتب الشيوعية والماركسية بصورة
مكثفة عبر الجناح السوفيتي في المعرض، وعلق أحد الزوار قائلًا: ربما كانت
فرصة للتخلص من كل الكتب المخزونة عن النظرية الماركسية بعد أن انهارت وفشلت! ولكن
التساؤل: ألم تجد لها سوقًا آخر غير عرضها في معرض الكتاب في مصر!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل