العنوان المجتمع الأسري (1326)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 17-نوفمبر-1998
مشاهدات 68
نشر في العدد 1326
نشر في الصفحة 60
الثلاثاء 17-نوفمبر-1998
في ندوة المجتمع ومركز الإعلام العربي «2 من 2»: العشرة بالمعروف.. أساس وجود الأمة
تحديد المرجعية والهدف وقبول الخطأ بداية تحقيق السعادة
د. أبو اليزيد العجمي: الأسرة النواة الأولى لتحقيق الدين ونشر الدعوة
الالتقاء عند نقطة سواء يقتضي تنازل كل طرف عن جزء من حقوقه
د. سناء أحمد: الزواج بناء يتأسس على التوافق الاجتماعي والتقارب الثقافي
الزواج السعيد ليس زواجًا خاليًا من المشكلات، ولكنه علاقة بشرية، ينبغي أن يتقن طرفاها فن حل خلافاتهما، عبر الالتقاء عند نقطة سواء، وعدم الاستمساك الصارم من كل طرف بحقوقه، فضلًا عن ضرورة التأكيد على المرجعية العليا دائمًا، وهي القرآن والسنة، والتسامح، والتغاضي، وقبول الخطأ.
بهذا يصبح الزواج سكنًا لطرفيه، وبلسمًا لمتاعبهما، ودواء لأمراضهما، ومنجيًا لهما من جميع الأدواء النفسية، فكل طرف يأوي إلى شريكه: يروي له آماله وآلامه فيجد لديه السلوى والمواساة والأنس والراحة.
هذا ما يؤكده- باختصار- الجزء الثاني من ندوة: «السعادة الزوجية في الميزان» التي نظمتها مجلة المجتمع في القاهرة مع مركز الإعلام العربي، وتحدث فيه: الدكتور أبو اليزيد العجمي أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة القاهرة، والدكتورة سناء أحمد أستاذة الطب النفسي بالجامعة نفسها.
يبدأ الدكتور أبو اليزيد العجمي حديثه بتأكيد أن الإسلام رغب في الزواج لبناء الأسرة المسلمة بناء صحيحًا قائمًا على رعاية الحقوق والواجبات وأن نظرة الإسلام للزواج نظرة خاصة تقوم على رؤية فلسفية للكون والحياة.
فالإسلام دين جماعة وليس دين أفراد، وهذا بنص القرآن الكريم حين تحدث عن الأمة الوسط وعن الطائفة.. واعتبر أن نواة هذه الجماعة أو الطائفة أو الأمة هي رجل وامرأة، وهذه طبائع الأشياء، لأن الله تعالى خلق الزوجين الذكر والأنثى وخلق التزاوج بين كل زوجين حتى على مستوى النبات والحيوان، وجعل الزواج أو التزاوج بالنسبة للإنسان أمرًا مميزًا، لأنه يحقق فلسفة وجود الأمة التي تحمل الدين الخاتم.
والزواج بين الرجل والمرأة يبنى كيانًا معينًا... هذا الكيان عليه أن يحمل عبء الدين الخاتم الذي استوعب كل الأديان وأضاف إليها مقتضى تحديد المرجعية والهدف وقبول الخطأ بداية تحقيق السعادة الختامية ومقتضى العالمية والأسرة هي النواة التي تحقق هذا الدين حماية وانتشارًا ووجودًا واستمرارًا، ومن هنا كان اهتمام الإسلام بقضية الزواج والرجل والمرأة وفي كل المجتمعات ينظر إلى الإعراض عن الزواج من جانب بعض الأفراد على أنه شكل من أشكال عدم السواء النفسي وهذا حقيقي، بل إنه عقليًا ودينيًا مرفوض، لأنه تعطيل لرسالة الله التي خلق الإنسان من أجلها.
الكل.. والجزء
ويوضح الدكتور أبو اليزيد أن الإسلام أعلى من علاقة الرجل بالمرأة، فحينما عبر عن العلاقة بينهما استخدم تعبيرًا لا يقف الناس أمامه كثيرًا في معظم الأحيان هو كلمة ﴿مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ (الروم :۲۱) في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (الروم :۲۱)، فنحن نقف دائمًا عند المودة والرحمة كثمرة ومحصلة للزواج.. ولكن ماذا عن أنفسكم؟
إن الله خلق حواء من ضلع آدم مقتضى ذلك أن تكون المرأة بعض الرجل، وأن يكون الرجل الكل الذي انبثقت منه المرأة فهذا هو ما يولد المودة والرحمة، لأن الكل ينبغي أن يعطف على الجزء، وأن يحتويه، والجزء ينبغي أن يطيع الكل، فالمنطق أن اليد تطيع الجسد، والمخ يصدر أوامره فيعمل الجسم كله، وعليه ينبغي أن يكون في وعي الرجل والمرأة عند التعامل في نطاق العلاقة الزوجية جزئية عدم الاستغناء فلا يستطيع أحدهما الاستغناء عن الآخر، حتى لو أخذ قرارًا بالاستغناء، فإنه يكون قد اتخذ قرارًا يعذب به نفسه، ويضاد به فطرته ويخالف به دینه.
الجزئية الثانية في الحياة الزوجية قررها القرآن أيضًا في قوله تعالى ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (النساء: 19) وقد سماها بعض العلماء «الاتفاق الصامت»، ومعناها أن كل طرف في الحياة الزوجية يترك أو يتنازل عن جزء من حقه لكي نلتقي في نقطة سواء، لأن الإصرار على الحقوق كاملة لن يحقق العشرة بالمعروف وإنما التقدير المتبادل ومراعاة كل طرف لظروف الطرف الآخر.
ويشير الدكتور العجمي إلى أن البعض يثير هنا مسألة القوامة في الأسرة على أنها ظلم وقهر للمرأة وسلطة تحكمية في يد الرجل يفعل بها ما يشاء، وفي هذا مغالطة شديدة لمبدأ العشرة المعروف، فمسألة القوامة تعرضت لمغالطات شديدة فالقوامة ليست سوى صلاحية من الصلاحيات يأخذها المدير.. وليس من العدل أن تطالب إنسانًا بإدارة مؤسسة ثم تغل يده وتقول له كن مديرًا ولكن لا تعاقب فلانًا ولا تفعل كذا..» إن الله حمل الرجل مسؤولية كل شيء، وجعل له هذه الصلاحية وهو في الوقت نفسه لم يحرم المرأة من وجودها بل أوصى الرجل بها خيرًا فقد قال الله تعالى ﴿ۚوَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (النساء: ۱۹)، وقال صلى الله عليه وسلم : «لا يفرك مؤمن مؤمنة إن کره منها خلقًا رضي منها آخر»، وصلاحيات الإدارة هنا يتضح معناها في أنه ليس معنى القوامة أن الرجل أفضل من المرأة، أو أن المرأة أقل من الرجل، ولكن شاء الله سبحانه أن يخلق الرجل رجلًا.. والمرأة امرأة لكي يعمر الكون، وهذا الفهم الصحيح سيلزم الرجل بأن يفرق في معاملة زوجه بين التقاليد الموروثة والدين الصحيح، فمثلًا إذا قالت المرأة رأيًا وكان فيه الصواب، وتملك معه من الحجة ما يؤيده كان على الرجل أن يقف موقف عمر ويقول: «أصابت امرأة وأخطأ عمر».
وعن السعادة الزوجية في ظل القواعد التي وضعها الإسلام لبناء الأسرة، يؤكد أستاذ الفلسفة الإسلامية أن الأسرة السعيدة لا يقصد بها أسرة بدون مشكلات، لأنها في الحقيقة أسرة ليس لها وجود.. فالزوجان ليسا ملكين، وإنما بشران لهما نوازع تتلاقى أحيانًا وتتضارب أحيانًا أخرى و«الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم».
ولكننا نقصد بالأسرة السعيدة- يضيف- الأسرة التي تملك فلسفة لحل المشكلات، وتتم هذه الفلسفة بتحديد المرجعية.. فعندما يعلن الزوجان في بدء حياتهما أن اختيار كل منهما للآخر كان وفق مقياس إسلامي، وأن رسالتهما في الحياة تتفق ومنهج الله، فلا بد من أن تكون مرجعيتهما عند حل المشكلات متوافقة وما سبق أي تتفق وشرع الله.. لكن هناك نقطة مهمة في هذا الصدد هي مدى الالتزام بذلك فهناك فارق جوهري بين المرأة المسلمة قديمًا.. والآن، فقديمًا كانت لا تعلم، فإذا علمت التزمت أما المسلمة الآن فهي قد تعلم وإذا علمت... جادلت!
وجزء كبير من مشكلاتنا- كما يقول الدكتور العجمي- بسبب عدم تحديد المرجعية مما يعرضنا للوقوع في أغلاط المفاهيم، فنخلط التقاليد بالإسلام ونجعل من الإسلام اجتهادًا، فيفهم الرجل أن الرجولة «قهر»، وتفهم المرأة أن الأنوثة لعب على عقل الرجل، ومكر به، لذا نفقد روح التناصح فلا نجد امرأة كالمرأة العربية القديمة التي كانت تنصح ابنتها: «كوني له أمة يكن لك عبدًا».
والنقطة الثانية لتحقيق السعادة الزوجية- بعد تحديد المرجعية- تحديد الهدف في الحياة الزوجية، فتحديده يجعلنا نعلو فوق المشكلات مما يخفف من غلوائها، فنحافظ على سعادة الأسرة، لأن الكل يعمل لأجل تحقيق هدف متفق عليه سلفًا.
وهكذا فإن أحد أسباب سعادة الأسرة أن يكون هدفها البعيد واضحًا، وأن تفكر ليل نهار في وسائل تحقيقه، وممكن أن نختلف- والخلاف في الإسلام أمر واقع- لكن ينبغي أن يكون شعارنا: «رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب».
التسامح والتغافر
والنقطة الثالثة والأخيرة لتحقيق السعادة الزوجية- يواصل الدكتور العجمي حديثه- هي واقعية الأسرة بمعنى: قبول الخطأ «فكل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون».
فعندما يطلب الرجل من زوجته تضحية، إذا بها تراها أحيانًا إجحافًا، ولكن بدلًا من أن يكون المحك العقاب واللوم الشديد، ينبغي أن يصبح التسامح والتغافر هما عنوان الأسرة، ولو نظرنا إلى تاريخنا الإسلامي نجد السيدة عائشة كانت تتدلل على رسول الله صلي الله عليه وسلم ، لكن الرسول كان إنسانًا وزوجًا واقعيًا مدركًا للمرحلة العمرية التي كانت فيها عائشة، وهي في ذلك مثلًا تختلف عن أم سلمة المرأة الثيب التي تزوجت من قبل وكبر سنها فهو يعامل كلًا بما يناسبه.
متواصلة مع الرؤية السابقة تؤكد الدكتورة سناء أحمد- أن الزواج بناء اجتماعي، يقيم مبناه الزوجان، ولكي يكون هذا البناء مؤسسًا لا بد من أن يكون هناك تواؤم وتفاهم وحب متبادل، ومن هنا نستطيع أن نتجنب أي تصدعات نفسية أو أي اضطرابات غير محمودة العواقب.
والأهم في مسألة الزواج أن يكون هناك تقارب اجتماعي في القيم والمبادئ والمثل والمعتقدات، وأن يراعي أن يكون هناك قبول نفسي وانجذاب متبادل بعيدًا عن أي ضغوط أو مؤثرات خارجية، كذلك لا بد من أن يكون هناك تقارب في الذكاء والثقافة والنواحي البينية والتربوية، كما أن الرجل بصفته القوام، لا بد من أن يكون قادرًا ماديًا على الإنفاق وشخصية الزوجة- كما ترى الدكتورة سناء- لا بد من أن تكون ناضجة، وغير انقيادية معطاءة كثيرة البذل والتضحية غير أنانية، حتى يمكن تقويم الأمور بمقاديرها الصحيحة، كما يجب أن تكون شخصيتها أيضًا متسامحة، فلا تتوقف عند تفاهات الأمور، ولا يكون همها تصيد الأخطاء وإثارة النقد والشكوى والتعبير عن عدم الرضا والراحة.
وتحذر الدكتورة سناء من زواج الإكراه وهو الزواج الذي يفرضه الأهل على الفتاة، كأن تكون صغيرة السن والمتقدم إليها كبير السن لكنه ثري أو أن الفتاة لا ترغبه وترغب في آخر، وهذا النوع من الزواج له عواقب وخيمة، فإذا استمر فقد تصاب الفتاة بالاكتئاب بسبب عدم سعادتها وسوء أحوالها النفسية، أو قد تهرب وهناك الزواج المرتب وهو زواج ناجح، إذ تتدخل الأسرة بالإقناع وتحدد المزايا والعيوب، وهو زواج عقلاني فيه تقارب، يقوم كل طرف فيه بدراسة ظروف وأحوال الطرف الآخر ومدى ملاءمة هذه الزيجة، أما الزواج الثري فتغلب عليه الاستمالات العاطفية ولا يتحقق فيه التكافؤ وقد ينجح، وقد يفشل.
السعادة وقاية
وتشير أستاذة الطب النفسي إلى أن الأمراض النفسية بين غير المتزوجين أكثر منها بين المتزوجين لأن الله سبحانه وتعالى جعل الزواج سكنًا وراحة نفسية، أما عدم الزواج فقد يسبب الانطواء والانعزال عن المجتمع، وعدم القدرة على إنشاء علاقات اجتماعية وبالنسبة للمرأة- لو كانت تعاني من حالة الاضطراب- فإن الزواج قد يوقعها في المرض النفسي لأن عليها أعباء كثيرة من إنجاب وتربية الأبناء والمسؤوليات الكثيرة ومن هنا فالزواج بالنسبة لها يكون ضغطًا نفسيًا.
وهناك علاقات مرضية بين الزوجين كأن يكون الزوج نرجسيًا، كل تفكيره متقوقع حول ذاته، لا يشعر بمشاعر زوجته، أو احتياجاتها، أو رغباتها وأحاسيسها، وهناك حالة اللا مبالاة وعدم القدرة على التوافق والعطاء بسبب مرض الزوجة أو مرض الزوج أو المرض النفسي لأحدهما أو العضوي.
إن الزواج- تضيف- يكون سعيدًا ومستقرًا، وخاليًا من أي اضطرابات نفسية إذا سادت روح الإسلام في جنبات الأسرة، وأصبحت تعاليمه المرجعية العليا في كل شأن من شؤونها، وبغير سيادة هذه الروح فإن قابلية الأسرة للإصابة بالمتاعب النفسية والعضوية تكون واردة بشكل كبير.
يا من تشاغلت عمن أشغلتَهُم
إلى ذلك الرجل الذي قسا قلبه حتى بات لا يشعر بقساوة كلامه..
كم من كلمة أطلقها من فوهة فيه فأصابت جسدًا متماسكًا فمزقته إربًا إربًا؟!
أين مراعاة الشعور؟
لماذا يثبط ويقلل من حماس من صنع إليه عملًا متواضعًا يتناسب مع قدراته بعباراته «ليس هذا هو المستوى المطلوب.. كأنك لم تعمل شيئًا»؟
لماذا يردد تلك العبارات «ما هذا الطعام.. طعمه غير لذيذ.. الملح كثير...»؟
لماذا لا يجعل في قلبه حيزًا من الشكر والتقدير لتلك الجهود المبذولة التي قدمها ذلك الإنسان في سبيل الوفاء بمهمته؟!
سبحان الله.. مشغول بمشاغلك عمن أشغلتهم.. مشغول عن الزوجة؟!
يا من كرمه الله: أليس من الأولى أن تراعي مشاعرها، وألا تجرح قلبها، وأن تختار العبارات التي تجعل دمعها ينقلب من الحزن إلى الفرح؟
عبد العزيز بن أحمد الرميض
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل