; في نطاق الغضبة الإسلامية العالمية ضدّ التهّجم على القرآن.. الحلقة الرابعة | مجلة المجتمع

العنوان في نطاق الغضبة الإسلامية العالمية ضدّ التهّجم على القرآن.. الحلقة الرابعة

الكاتب الشيخ عبد العزيز بن باز

تاريخ النشر الثلاثاء 20-أغسطس-1974

مشاهدات 78

نشر في العدد 214

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 20-أغسطس-1974

الشیخ ابن باز.. يسقط مفتريات بورقيبة ويدحضها  العقاب المعجل سقوط السمعة.. وبراءة الأمة من الجاحدين وأما الرابع والخامس من المنكرات الواقعة في الخطاب المنسوب إلى الرئيس أبي رقيبة- حسب ما ذكرته صحيفة «الصباح» التونسية في عددها الصادر في ٢٠/٤/١٩٧٤م- فهما اعتراضه على إعطاء الأنثى، في الميراث، نصف ما للذكر، واعتراضه على تعدد النساء وزعمه أن إعطاء المرأة- في الميراث- مثل نصف الذكر نقص يجب تداركه، وأن الواجب- في هذا العصر- مساواة المرأة للذكر في الميراث، كما ساوته في المدرسة والمعمل والفلاحة والشرطة، وذكر أنه ليس من المنطق- في هذا العصر- أن يفضل الذكر على الأنثى، ورغم أن هذا المبدأ، وهو التفضيل، يجد ما يبرره عندما يكون الرجل قوامًا على المرأة، حين كانت المرأة في مستوى اجتماعي لا يسمح لها بمساواة الذكر، حين كانت تدفن حية وتحتقر، أما اليوم فقد اقتحمت ميدان العمل، وشاركت الرجال في ذلك، وذكر أن علينا أن نتوخى طريق الاجتهاد، في تحليلنا لهذه المسألة، وأن نبادر بتطوير الأحكام التشريعية، بحسب ما يقتضيه تطور المجتمع، وقد سبق لنا أن حجرنا تعدد الزوجات، بالاجتهاد في مفهوم الآية الكريمة، وذكر أن من حق الحكام- بوصفهم أمراء المؤمنين- أن يطوروا الأحكام بحسب تطور الشعب وتطور مفهوم العدل ونمط الحياة. انتهى المقصود من كلامه الذي نشرته صحيفة «الصباح» التونسية، ولم تشر إليه صحيفة «الشهاب »اللبنانية- فيما نقلته من الخطاب المذكور، وفي هذا التصريح الخطير أنواع من الكفر والضلال، منها اتهامه الله، سبحانه- في حكمه ودعوته الصريحة للحكام إلى أن يتلاعبوا بأحكام الشريعة، حسب عقولهم، واجتهادهم وتطور الشعوب، وأساليب الحياة في نظرهم، ولا شك أن هذا من أبطل الباطل، وفيه تشبه باليهود والنصارى، في تلاعبهم بشرائع أنبيائهم وافترائهم على الله، سبحانه، ما لم يشرعه ونسبتهم إلى أحكامه- سبحانه- ما ليس منها، ومقتضى ما ذكره هذا الرجل أن الله، سبحانه، لم يعلم ما تنتهي إليه الشعوب في آخر الزمان وما ستصل إليه مجتمعاتهم من التطور، فلهذا دعا الحكام إلى أن يبادروا لتطوير الأحكام، ومن المعلوم- بالأدلة القطعية من الكتاب والسنة وإجماع الأمة- أن الله سبحانه يعلم ما كان وما سيكون، ويعلم أحوال عباده، في ماضيهم وفي حاضرهم، وقت التنزيل، وفيما سيصلون إليه في المستقبل، كما قال- عز وجل-: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (الطلاق:12) وقال سبحانه ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۖ هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ﴾ (الحشر:22) كما أن من المعلوم- أيضا- بالنص والإجماع- أن الله، سبحانه، حكيم عليم، وأنه الرحمن الرحيم لا يظلم ولا يجور بل هو الحكيم العليم بأحوال عباده، واللطيف بهم، وقد شرع لهم من الأحكام ما فيه صلاحهم ورحمتهم وإقامة العدل بينهم، في المواريث وغيرها، فهو سبحانه أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وهو العالم بأحوال عباده وما يصلحهم في آخر الزمان، كما أنه العالم- سبحانه- بما يصلحهم، وقت التشريع، ومن زعم خلاف ذلك فقد اتهم الله في حكمته وعليه، ولو أراد، سبحانه، أن يقوم الحكام أو العلماء بتطوير الأحكام، في وقت من الأوقات، لبين ذلك لعباده في كتابه أو على لسان رسوله- عليه الصلاة والسلام- فلما لم يقع شيء من ذلك علم أن ما شرعه من الأحكام يجب الأخذ به والسير عليه والحكم به في وقت التشريع وفيما يأتي من الزمان إلى قيام الساعة، كيف وقد بين الله في كتابه أن الواجب إتباع ما أنزل والاستمساك به، والحكم بين الناس بذلك والحذر من الخروج عنه، فقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ (الأعراف:3) وقال سبحانه ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الزخرف:43) وقال تعالى ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۚ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۖ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ ( الجاثية :18-19) وقال تعالى- يخاطب نبيه عليه الصلاة والسلام ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُون َوَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ( المائد:47-50). أوجب، سبحانه، في هذه الآيات الكريمات الحكم بما أنزل، والحذر من مخالفته، كما حذر، سبحانه، من متابعة أهواء الناس في خلاف الحق وأخبر أن حكمه هو أحسن الأحكام، وأنه لا حكم أحسن منه، وبين أن ما خالف حكمه فهو من حكم الجاهلية، وبين في آية أخرى أن ما خالف حكمه فهو من حكم الطاغوت، كما في قوله- عز وجل-: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا﴾ (النساء:61) ففي هذا أعظم بيان لمن يؤمن بالله واليوم الآخر، وأن كل ما خالف ما أنزل الله على رسوله محمد- صلى الله عليه وسلم- من الأحكام فهو من حكم الطاغوت، ومن عمل المنافقين، وأنه في غاية البعد عن الهدى، وحكم- سبحانه- في آيات أخرى- على أن من لم يحكم بما أنزل على نبيه- صلى الله عليه وسلم- فهو كافر ظالم فاسق، وأخبر تعالى- في موضع آخر من كتابه- أنه ليس لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، فقال – عز وجل- في سورة الأحزاب: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾ (الأحزاب:36)، فهل يجوز- بعد هذا البيان العظيم والتحذير الشديد- لحاكم أو عالم أو غيرهما أن يخالف ما أنزل الله وحكم به في المواريث أو غيرها، وهل يجوز له أن يدعو الحكام إلى تطوير الأحكام باجتهادهم وآرائهم كلما تطورت الشعوب والمجتمعات، وهل هذا إلا الكفر والضلال والاعتراض على الله، سبحانه، واتهامه في حكمه، والخروج من شريعته والتلاعب بدينه.  ما أشنع هذا القول، وما أشد بعده عن الحق، وما أعظم كفر من استجازه أو استحسنه، أو دعا إليه، ثم يقال- أيضا لهذا الرجل وأمثاله قد أجمع علماء المسلمين- من عهد الصحابة، رضي الله عنهم، إلى يومنا هذا- على أن الاجتهاد محله المسائل الفرعية التي لا نص فيها، أما العقيدة والأحكام التي فيها نص صريح، من الكتاب، أو السنة الصحيحة، فليست محلًا للاجتهاد، بل الواجب على الجميع الأخذ بالنص، وترك ما خالفه وقد نص العلماء على ذلك في كل مذهب من المذاهب المتبعة، ثم الاجتهاد- حيث جاز- إنما يكون من أهل العلم بكتاب الله وسنة رسوله- صلى الله عليه وسلم- الذين لهم قدم راسخة في معرفة أصول الأدلة الشرعية وأصول الفقه، والحديث، ولهم باع واسع في معرفة اللغة العربية، وليس ذلك لغيرهم من الحكام، لأنه ليس لكل حاكم يكون عالمًا يصح منه الاجتهاد، كما أنه ليس كل حاکم- سواء كان ملكًا أو رئيس جمهورية- يسمي أمیر المؤمنين، وإنما أمير المؤمنين من يحكم بينهم بشرع الله ويلزمهم به، ويمنعهم من مخالفته، هذا هو المعلوم بين علماء الإسلام والمعروف بينهم، فليعلم الرئيس التونسي هذا الأمر على حقیقته، وليبادر بالتوبة إلى الله مما نسب إليه، وليرجع إلى طريق الهدى فالرجوع إلى الحق شرف وفضيلة، بل واجب وفريضة، أما التمادي في الباطل فهو ذل وهوان واستكبار عن الحق وسير في ركاب الشيطان، والله، سبحانه، يتوب على التائبين، ويغفر زلات المذنبين، إذا صدقوا في التوبة إليه، كما قال الله سبحانه: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ ( الانفال:38) وقال، في حق النصارى: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ( المائدة:74) وقال النبي- صلى الله عليه وسلم- فيما صح عنه: «الإسلام يهدم ما كان قبله، والتوبة تهدم ما كان قبلها» والله المستعان وهو، سبحانه، ولي التوفيق والهادي إلى سواء السبيل. تنبيه هام: قد علم بالأدلة الكثيرة- من الكتاب والسنة وبإجماع العلماء- أن الله، سبحانه حكيم عليم في كل ما شرعه لعباده، كما أنه حكيم عليم في كل ما قضاه وقدره عليهم، ولذلك أكثر- سبحانه- في كتابه العزيز من ذكر حكمته وعلمه ليعلم العقلاء من عباده أنه، سبحانه، عليم حكيم في كل ما قدر وشرع، فتطمئن قلوبهم للإيمان بذلك وتنشرح صدورهم للعمل بشريعته وحكمه، ولهذا- لما ذكر، سبحانه، ميراث الأولاد والأبوين، وتفصيل الذكر على الأنثى، ختم ذلك بقوله، سبحانه: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ۚ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (النساء:11) فأوضح، سبحانه، في هذه الآية، أنه العالم بأحوال عباده، أما العباد فلا يدرون أي أقاربهم أقرب نفعًا لهم، وبين سبحانه أن تفصيل هذه المواريث صدر عن علم وحكمة، لا عن جهل وعبث، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، ثم ختم ما ذكره، من ميراث الزوجين وتفضيل الزوج على الزوجة وما ذكره من ميراث الأخوة من الأم والمساواة بينهم، يقوله سبحانه ﴿وَصِيَّةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ (النساء:12)، كما ختم تفضيله الذكر على الأنثى، في ميراث الأخوة للأبوين أو لأب بالعلم، فقال: ﴿إِن كَانُوا إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ۗ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (النساء:176) فبين بذلك أنه فصل هذه المواريث عن علم بأحوال عباده وما هو لائق بهم وأنه عليم لا يعاجل من عصى بالعقوبة لعله يندم ويتوب، ثم أخبر- عز وجل- بعدما ذكر أحكام المواريث، أن ذلك من حدوده، وتوعد من تعداها فقال سبحانه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ (النساء:14) ثم يقال، لهذا الرجل وأمثاله، أن مساواة المرأة بالرجل، في كل شيء، لا يقره شرع ولا عقل صحيح، لأن الله - سبحانه- قد فاوت بينهما، في الخلقة والعقل وفي أحكام كثيرة، وجعل الرجل أفضل منها وقوامًا عليها لكونه يتحمل من المشاق والأعمال مالا تتحمله المرأة-غالبًا-، ولأن عقله أكمل من عقلها-غالبًا-، ولذلك جعله الله، سبحانه، قائمًا عليها حتى يصونها ويحفظها مما يضرها ويدنس عرضها، وجعل شهادة المرأتين تعادل شهادة الرجل، لكونه أكمل عقلًا وحفظًا منها، وخصها، سبحانه، بأن تكون حرثًا للرجل ومحل الحمل، والولادة والرضاع، فهي- في هذه الأحوال- مطالبة بأمور لا يطالب بها الرجل وهي- في نفس الوقت- تعجز عن الأعمال التي يقوم بها الرجل، لأن حملها وولادتها وما أوجب الله عليها من العناية بأطفالها وتربيتهم وإرضاعهم، عند ضرورتهم إلى إرضاعها لهم، يمنعها من الكثير من الأعمال، ولأن الرجل في حاجة شديدة إلى بقاء المرأة في البيت لتربية أطفالها والعناية بشؤون بيتها وإعداد ما يحتاجه زوجها- في الغالب-، وليس كل أحد يجد من يقوم مقام زوجته، في العناية بهذه الشؤون، ثم المرأة هي موضع طمع الرجال للاستمتاع بها وقضاء وطرهم الجنسي منها، فهي في أشد الحاجة إلى من يحميها من الرجال ويقف سدًا منيعًا دون عين السفهاء بها، أما ما ذكره من اختلاطها بالرجال، في المدرسة والمعمل والشرطة وغير ذلك، فليس أمرًا جائزًا على إطلاقه، بل فيه تفصيل، وهو أنه لا يجوز لها ذلك إلا في حدود الشريعة حيث تأمن على نفسها وعرضها وتتمكن من الحجاب الشرعي، وحيث تسلم من خلوة الرجل الأجنبي بها لقول النبي- صلى الله عليه وسلم- «ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما» ولقوله- صلى الله عليه وسلم: «لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم ولا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم»، ولأن الله سبحانه قد جعل الرجال قوامين على النساء بما فضلهم الله به عليهن في الخلق والخُلق والعقل- كما تقدم- ولما ينفقونه من الأموال عليهن، كما قال سبحانه ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ﴾ (النساء:34)، فأطلق- سبحانه- في هذه الآية قيام الرجال على النساء، ولم يخص ذلك بوقت دون وقت، وهو سبحانه يعلم ما يكون في آخر الزمان، فلو كان الحكم يتغير لبين ذلك سبحانه، ولم يهمله، أو لبينه رسوله- صلى الله عليه وسلم- في سنته فلما لم يقع شيء من ذلك علم أن قيام الرجال على النساء حكم مستمر إلى يوم القيامة، وقد علم، كل من له أدنى بصيرة بأحوال العالم الحاضر، ما قد ترتب على اختلاط المرأة بالرجل، في المدرسة والمعمل وغيرهما، من الفساد الكبير، والشر العظيم والعواقب الوخيمة، وكل ذلك يبين فضل ما جاءت به الشريعة، وأن الواجب هو الالتزام بأحكامها في جميع الأحوال، وفي كل زمان ومكان، والحذر من خلافها، ومما ينبغي أن يعلم أن هذا التفضيل إنما هو للجنس على الجنس، ولا يلزم من ذلك أن يكون كل فرد من أفراد الرجال أفضل من كل واحدة من أفراد النساء، بل قد يكون بعض النساء أفضل من بعض الرجال من وجوه كثيرة- كما هو معلوم من النقل والواقع في كل زمن- فعائشة وخديجة وحفصة، وغيرهن من أمهات المؤمنين- رضي الله عنهن جميعًا- أفضل من كثير من الرجال، وهكذا في كل زمان يوجد في النساء من تفوق بعض الرجال، في علمها وعقلها ودينها، ولكن ذلك كله لا يلزم منه مساواة المرأة للرجل في كل شيء، كما لا يلزم منه الدعوة إلى مساواتها في الميراث والأحكام، وقد سبق، فيما ذكرنا من الأدلة عند الكلام على قصة عصا موسى وأهل الكهف، أن الواجب على جميع المكلفين هو الإيمان بالمنزل، والخضوع له والتصديق به والعمل بمقتضاه، وأنه لا يجوز رده أو بعضه، أو التكذيب بشيء منه، لأن الله- سبحانه- هو أصدق قيلًا من خلقه، وهو العالم بأحوال عباده وما يصلحهم، ولأنه سبحانه أمر باتباع المنزل ولم يجعل لعباده الخيرة في رد شيء منه، ولأن رسوله- صلى الله عليه وسلم- هو أصدق الخلق وأكملهم عقلًا وأزكاهم نفسًا، وهو الأمين على وحيه، سبحانه، وقد أخبر- عز وجل- أنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وقد بلغ کلام ربه كما أنزل، وبلغ شريعته كما أمر بذلك فلا يجوز لأحد، بعد ذلك، مخالفة المنزل أو تغيير الشروع برأي أو اجتهاد، وقد أجمع العلماء كافة على أنه لا يجوز لأحد التكذيب بشيء مما أنزل الله ودفعه، وعدم الرضى به أو العدل عما شرع، وذكروا أن ذلك كفر صريح وردة عن الإسلام، لما سبق من الأدلة، ولقوله سبحانه في هذا المعنى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ (محمد:9)، وقد سبق ما نقله الإمام الكبير إسحاق بن راهويه والقاضی عیاض بن موسى وشيخ الإسلام ابن تيمية- رحمة الله عليهم- من إجماع العلماء على ما ذكرنا فراجعه تجد ما يشفي ويكفي.. وأما اعتراضه على تعدد الزوجات وحجره على الشعب التونسي أن يجمع بين زوجين فأكثر، وزعمه أنه فعل ذلك بالاجتهاد في مفهوم قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ﴾ (النساء:3) الآية، فجوابه أن يقال: هذا من الغلط الكبير، والجهل العظيم، لأنه ليس لأحد من الناس أن يفسر كتاب الله بما يخالف ما فسره به رسوله محمد- صلى الله عليه وسلم- أو فسره به أصحابه- رضي الله عنهم، أو أجمع عليه المسلمون، لأن الرسول- صلى الله عليه وسلم- هو أعلم الناس بتفسير کتاب الله وأنصحهم لله ولعباده، وقد أباح الجمع لنفسه ولأمته، وأمر بالعدل بين النساء وحذر من الميل، وهكذا أصحابه- رضي الله عنهم، هم أعلم الناس، بعد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بتفسير کتاب الله- عز وجل- كما أنهم أعلم الناس بسنته، وهم أنصح الناس للناس، بعد الأنبياء، ولم يقل أحد منهم بتحريم الجمع، فكيف يجوز- بعد ذلك- لحاكم أو عالم أن يقدم على خلافهم، وأن يقول على الله خلاف ما علموه من شرع الله وأجمع عليه العلماء بعدهم، هذا من أبطل الباطل، ومن أقبح الكفر والضلال، ومن أعظم الجرأة على كتاب الله وعلى أحكام شريعته بغير حق، ثم إن من تأمل ما شرعه الله، سبحانه، من إباحة التعدد علم أن في ذلك مصالح كثيرة، للرجال والنساء وللمجتمع نفسه- كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله-، وعلم أيضًا- أن ذلك من محاسن الشريعة الإسلامية التي بعث الله بها رسوله محمدا- صلى الله عليه وسلم- إلى الناس كافة وجعلها مشتملة على ما فيه صلاحهم وسعادتهم، في المعاش والمعاد، وأتضح له، من ذلك- أيضًا- أن إباحة التعدد من كمال إحسان الله لعباده ولطفه بهم، وله فيه الحكمة البالغة، لمن تدبر هذا المقام وعقل عن الله شرعه وأحكامه، وما ذاك إلا لأن المرأة عرضة لأشياء كثيرة، منها المرض والعقم، وغير ذلك، فلو حرم التعدد لكان الزوج بين أمرين، إذا كانت زوجته عاقرًا أو كبيرة السن أو قد طال بها المرض وهو في حاجة إلى من يعفه ويصونه ويعينه على حاجاته، أو في حاجة إلى الولد أو غير ذلك، فإما أن يطلقها وذلك مضرة عليه وعليها، وإما ان يبقيها في عصمته فيحصل له بذلك من الضرر والتعب الكثير، والتعرض لما حرم الله من الفاحشة، وغير ذلك من الأمور التي لا تخفى على المتأمل، وكلا الأمرين شر لا يرضى بهما عاقل، وقد يكون الرجل- أيضًا- لا تعفه المرأة الواحدة فيحتاج إلى ثانية أو أكثر ليعف نفسه عما حرم الله، وقد تكون المرأة التي لديه قليلة النسل، وإن لم تكن عاقرًا، فيحتاج إلى زوجة ثانية أو أكثر لطلب تكثير النسل الذي حث عليه النبي- صلى الله عليه وسلم- ورغّب فيه الأمة، وقد تكون المرأة عاجزة عن الكسب وليس لها من يقوم عليها ويصونها فتحتاج إلى زوج يقوم عليها ويعفها، إلى غير ذلك من المصالح العظيمة للرجل والمرأة وللمجتمع نفسه، في تعدد الزوجات، وقد تكثر النساء بسبب الحرب أو غيرها فيقل من يقوم عليهن فيحتجن إلى زوج يعفهن ويرعى مصالحهن ويحصل لهن، بسببه، الولد الشرعي، وقد علمت- مما ذكرنا سابقا- أن الله، سبحانه، هو الحكيم العليم في كل ما شرعه لعباده وأباحه لهم، كما أنه الحكيم العليم في كل ما قضاه وقدره فلا يجوز لأحد- كائنًا من كان- أن يعترض عليه في حكمه أو يتهمه في شرعه، كما أنه لا يجوز لأحد أن يزعم أن غير حكم الله أحسن من حكمه، أو أن غير هدى الرسول- صلى الله عليه وسلم أحسن من هديه، كما قال الله عز وجل-: ﴿ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة :50)، وكان النبي- صلى الله عليه وسلم يقول في خطبه: «أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدى محمد- صلى الله عليه وسلم- وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة، وقد كان بعض أهل الجاهلية يجمعون بين العدد الكثير من النساء، فجاء الإسلام وقصرهم على أربع، كما في قصة غيلان بن سلمة- رضي الله عنه- فإنه أسلم وتحته عشر نسوة، فأمره النبي- صلى الله عليه- وسلم- أن يختار منهن أربعًا ويفارق سائرهن، وثبت عن النبي- صلى الله عليه وسلم- ما يدل على أن الله، سبحانه، أباح لنبييه الكريمين، داود وسليمان- عليهما السلام- أكثر من أربع، فجاءت الشريعة الإسلامية المحمدية الكاملة العامة لجميع البشر على يد أفضل الخلق وخاتم الرسل وعليهم أفضل الصلاة والسلام- بأمر وسط يجمع المصالح كلها- وهو إباحة الجمع بين أربع من النساء، ومنع ما زاد من ذلك، وقد أجمع العلماء الله- رحمهم الله- على إباحة الجمع بين أربع كما تقدم- وأجمعوا أيضاـ على تحريم ما زاد على ذلك، وقد شد عنهم، في جواز الزيادة على ذلك، من لا يعتد بخلافه ما عدا النبي- صلى الله عليه وسلم- فإن الله خصه بخصائص، منها جواز الجمع بين تسع نسوة، لأسباب وحكم كثيرة ليس هذا موضع ذكرها، ومن تأمل حال من أنكر التعدد، كالنصارى وأشباههم، علم من واقع الكثير منهم- أنهم وقعوا فيما حرم الله من الزنى، واتخذوا الخدينات الكثيرات فاعتاضوا الحرام من الحلال، والخبيث من الطيب، وشابهوا من قال الله فيهم ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ۚ﴾ ( البقرة:81) ومعلوم أن الرسول- صلى الله عليه وسلم هو أعلم الناس بتفسير کتاب الله، وقد فسر قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ﴾ ( النساء:3) بأن المراد من ذلك إباحة الجمع بين أربع من النساء فأقل دون ما زاد على ذلك وهكذا أصحابه- رضي الله عنهم- لم يحفظ أن أحدًا منهم أنكر الجمع بين أربع أو نكح أكثر من أربع، وهم أعلم الناس- بعد رسول الله، صلى الله عليه وسلم- بتفسير كتاب الله، كما أنهم أعلم الناس بسنته- عليه الصلاة والسلام- كما سبق بيانه- وفي ذلك كفاية ومقنع لطالب الحق، والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا به . وأما المنكر السادس، من المنكرات الستة التي سبق ذكرها، وهو زعمه أن المسلمين في إكثارهم من الصلاة على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قد ألهوه بذلك، فجوابه أن يقال: إن هذا ليس من التأليه لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- والعبادة له، بل ذلك عبادة لله وحده وامتثال لأمره- عز وجل- حيث قال في سورة الأحزاب: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب:56) فقد أخبر، سبحانه، أنه وملائكته يصلون على النبي- صلى الله عليه وسلم- ثم أمر المؤمنين بالصلاة والسلام عليه، فدل ذلك على شرعية الإكثار من الصلاة والسلام عليه- صلى الله عليه وسلم- وأن ذلك من أفضل القربات، وقد أجمع علماء الإسلام على ذلك وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه أمر بذلك ورغب فيه فقال: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليّ فإنه من صلى عليّ صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرًا ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له الشفاعة»، وفي الصحيحين- واللفظ للبخاري- عن كعب بن عجرة عنه- أن الصحابة- رضي الله عنهم- قالوا: یا رسول الله أمرنا الله أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك؟ فقال «قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجید»، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، والصلاة من الله سبحانه، معناها: الثناء على عبده في الملأ الأعلى بذكر صفاته الحميدة وأعماله الجليلة، ومن العباد طلبهم ذلك من الله سبحانه، ويراد بالصلاة- أيضًا- الثناء من الله سبحانه على عبده ورحمته اياه، كما في قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ (الأحزاب:41-43)، وهذه المسالة من أوضح المسائل لصغار طلبة العلم، وعامة المسلمين، فكيف خفي هذا على زعيم كبير؟ فالله المستعان. فإن قيل: إذا كان الإكثار من الصلاة والسلام على النبي- صلى الله عليه وسلم لیس تأليها له، فما هو التأليه للرسول- صلى الله عليه وسلم- والعبادة له؟ قلنا إن التأليه للرسول- صلى الله عليه وسلم ولكثير ممن يسمون بالأولياء وغيرهم، واقع من كثير من الجهال، ومنتشر في أنحاء الأرض يعلم ذلك من خبر واقع الناس، وعرف دين الله الذي بعث به رسله وأنزل به کتبه، وخلق الثقلين من أجله، وهذا التأليه الذي وقع من كثير من الجهال- هو صرف بعض العبادة للنبي- صلى الله عليه وسلم- أو لغيره من المخلوقين، كدعائه والاستغاثة به وطلبه المدد والشفاء للمرضى، والنصر على الأعداء، ونحو ذلك من أنواع العبادة، والله سبحانه أوجب على عباده أن يخصوه بالعبادة، ونهاهم عن الشرك به، وبعث الرسل وأنزل الكتب لبيانها وبيان ما يضادها، كما قال- عز وجل- : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذريات :56) وقال سبحانه ﴿الر ۚ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (هود:1)، وقال- عزوجل-: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ۖ﴾ (النحل:36)، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (البينة :5)، والآيات في هذا المعنى كثيرة، فالله، سبحانه، هو الذي يشفي المرضى، وينصر على الأعداء، ويكشف الكروب، ويجيب المضطر، وينزل المدد على عباده- إذا لجأوا إليه واستغاثوا به- كما قال سبحانه ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِين َوَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ۚ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (الأنفال:9)، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد:7)، وقال- عز وجل: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ ( النمل:62)، وقال سبحانه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (غافر:60)، وقد عرف المشركون ذلك في جاهليتهم، فكانوا يشركون في حال الرخاء، وأما في حال الشدائد فيخلصون لله العبادة، كما قال- عز وجل ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ (العنكبوت:65) كما اعترفوا- أيضًا- أن الله، سبحانه، هو الخالق الرازق، النافع، الضار، المدبر لأمور العباد، وأنهم ما عبدوا غيره- من الأنبياء، والأولياء والملائكة والجن والأصنام والأوثان- إلا ليشفعوا لهم عند الله وليقربوهم لديه زلفى، كما ذكر الله عنهم ذلك في كتابه المبين حيث قال- عز وجل- في سورة يونس: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ ۚ﴾ (يونس: 18) الآية، وقال في سورة الزمر: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ۚ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ (الزمر:1-2-3) ففي هذه الآيات وغيرها من الآيات الكثيرة، الدلالة الصريحة على أن الله سبحانه هو الإله الحق، المستحق للعبادة، وأنه لا يجوز تأليه غيره ولا صرف شيء من ذلك لسواه، كما قال- عز وجل-: ﴿وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة: 163) وقال سبحانه:﴿ ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (الحج: 62) وقد أخبر سبحانه في غير موضع من كتابه، أنه حرم الشرك على عباده وأنه لا يغفره لمن لقيه به، كما أخبر أن صرف شيء من العبادة لغيره شرك به وعبادة لسواه كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (النساء: 116)، وقال- عز وجل- في سورة المائدة : ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ۖ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۖ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ ( المائدة: 72)، وقال تعالى: ﴿إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ۚ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (فاطر:17)  فبين سبحانه في هذه الآية، أن دعاءهم غيره شرك به- عز وجل- كما أوضح- سبحانه أن ذلك من الكفر الأكبر فقال- عز وجل- ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (المؤمنون:17) وأخبر- عز وجل- أنه لا أضل ممن يدعي غير الله وأن المدعوين من دونه- من الملائكة والأنبياء وغيرهم- يتبرأون من عابديهم وداعيهم، وأنهم غافلون عن ذلك لا شعور لهم به، فقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ (الأحقاف:5) وقال، سبحانه ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ ۚ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ ۖ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ فَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾ (يونس: 18) والآيات في هذا المعنى، كثيرة معلومة، وفيما ذكرناه منها كفاية ودلالة صريحة على أن العبادة حق الله وحده وأنه لا يجوز صرف شيء منها لغيره، سبحانه، فالواجب على أهل العلم أن يبينوا ذلك للناس وأن يشرحوا لهم حقيقة التوحيد الذي بعث الله به رسوله محمدًا- صلى الله عليه وسلم- ومن قبله من الرسل، وأن يعلموهم ما جهلوا من ذلك، وأن يحذروهم من الشرك بالله- عز وجل-، وعلى الحكام أن ينفذوا.
الرابط المختصر :