العنوان قانون العقوبات المصري القديم يضع الشعب المصري تحت القهر والاستبداد
الكاتب بدر محمد بدر
تاريخ النشر الثلاثاء 28-يوليو-1992
مشاهدات 58
نشر في العدد 1009
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 28-يوليو-1992
صدق مجلس الشعب المصري منذ أيام على
التعديلات المقترحة لبعض نصوص قوانين العقوبات، والإجراءات الجنائية وسرية
الحسابات، ومحاكم أمن الدولة والأسلحة والذخائر والأحداث، والتي تعطي صلاحيات
واسعة للبوليس وأمن الدولة في إلقاء القبض على الأفراد واعتقالهم واقتحام البيوت
وانتهاك حرماتها، دون الحصول على إذن من النيابة وكذلك تجريم الأموال والتصرفات
دون أن تكون هناك ضوابط واضحة ومحددة لذلك.
|
* القانون الجديد
إهدار لحرية الفكر وتقنين لإرهاب الدولة. |
وقد أثارت التعديلات الجديدة موجة عارمة
من السخط والقلق في أوساط القيادات السياسية والإسلامية حيث عبر الكثيرون عن فزعهم
ووصفوها بأنها تحول البلاد إلى «سجن كبير» بما تحوي من عبارات مطاطة تحوي كل
الوجوه، ويمكن تطبيقها واستخدامها في أي وقت وعلى أي مستوى، وهذا يعني إهدار
الدستور وانتهاك الحقوق والحريات السياسية والأساسية للمواطنين.
وقد أشار عدد من المفكرين وقادة الرأي إلى
أن هذه التعديلات التي جاءت بديلًا عن إعداد قانون مستقل يحمل اسم «قانون الإرهاب»
سوف تخلق حالة من عدم الاستقرار وإشاعة التوتر والقلق في أوساط الشعب خاصة في ظل
الضغوط العنيفة سواء الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية التي تمر بالمجتمع
المصري حاليًّا.
وأشار البعض إلى أن سياسة السيطرة على
الأوضاع عن طريق زيادة القبضة الحديدية وتكميم الأفواه تعبر عن حالة ضعف يمر بها
النظام وليست حالة قوة بما يدفع البلاد لحالة من الفوضى وعدم احترام القانون.
وقد علق بعض المراقبين على صدور هذه
التعديلات بقولهم إن المنطقة تُهيأ الآن لترتيبات سياسية وأمنية مقبلة في إشارة
إلى حالة الضعف والاستسلام العربي في مواجهة الصلف والغطرسة الصهيونية تدفع
الحكومات إلى استخدام أسلوب تشديد القبضة وفرض حالة من الرعب حتى تمر هذه
الترتيبات دون أن يكون للشعوب رد فعل عكسي، وقد استطلعت المجتمع آراء عدد من كبار
الكتاب والمفكرين والسياسيين في مصر حول هذه التعديلات الأخيرة التي أقرها مجلس
الشعب في جلسة واحدة وفيما يلي نص الآراء..
يقول الدكتور الشافعي بشير أستاذ القانون
الدولي بجامعة المنصورة:
التعديلات الجديدة ليست إلا تقنينًا
لإرهاب السلطة ومع أننا لا نوافق إطلاقًا على تعطيل أحكام الدستور أو القوانين أو
منع أحد مؤسسات الدولة أو السلطات العامة من ممارسة أعمالها أو الاعتداء على
الحرية العامة فالواقع يقول إن الحكومة تعطل الدستور والقوانين وتعتدي على الحريات
كل يوم، أضف إلى ذلك أن معاقبة كل من روج بالقول أو الكتابة لإحدى الجماعات أو حسن
أمرها بالأشغال الشاقة يعد اعتداءً صريحًا على حرية الصحافة والفكر.
تجريم الفكر
ويرى الدكتور بدر الدين غازي رئيس هيئة
تدريس جامعة القاهرة: إن أخطر ما في هذه التعديلات أنها أتت بتعبيرات مطاطة تؤدي
إلى تجريم التفكير والتعبير وتترك تقدير ذلك إلى الشرطة أساسًا ثم إلى النيابة
التي أعطتها صلاحيات قاضي التحقيق، وهذا يعد مخالفة صريحة لنصوص الدستور.
كيف يجوز بأي مسوغ ولأي سبب أن تحدد إقامة
المواطن لمدة خمس سنوات؟ أو أن يمنع من الإقامة في بيته لمدة مماثلة! في حين أن
ذلك يتنافى مع جميع الأعراف والقوانين والشرائع.
وأشار د. بدر
الدين غازي إلى أن هذه التعديلات سوف تستجلب على مصر أخطارًا هائلة يستحيل التنبؤ
بحجمها ولكنها سوف تنعكس على النسيج الاجتماعي المصري والاستقرار السياسي ولن
تعالج العنف، بل ستفتح الأبواب على مصراعيها.
ويؤكد الأستاذ مختار نوح المحامي أن
التعديلات الأخيرة هي إضافة إلى سلم التخبط في سياسة الدولة، وعودة إلى تجريم
الرأي والفكر بصورة مستترة والحكم بالحديد والنار، وإذا كانت الدولة تصدر مثل هذه
التعديلات، فإن الذين قتلوا فرج فودة عن سبق إصرار وترصد كانوا يعلمون أن عقوبة
القتل العمد هي الإعدام، ومع ذلك قتلوه، فالتشريع لا يدفع ظاهرة، والإحصائيات تقول
إنه في خلال عهد الرئيس السادات وقعت جريمتا اغتيال: واحدة للشيخ الذهبي، والثانية
على السادات نفسه، وكانت بما أعلنه السادات من تشريعات مقيدة للحريات، وحينما بدأ الرئيس
مبارك الحكم وفرض قانون الطوارئ فإنه في خلال الخمس سنوات الأولى وقعت سبعة
اغتيالات وأكثر من خمسين قضية مقاومة سلطات، وفي الخمس سنوات التالية الأكثر
تشددًا وعنفًا، والتي شهدت التصفية الجسدية من قبل الدولة للأفراد والاعتقال
المتكرر وقعت أربعون حالة ما بين محاولة اغتيال ووقوع الاغتيال بالفعل.
مصيدة للصحفيين
وأكد كمال خالد المحامي وعضو مجلس الشعب
أن المادة التي تقول: كل من روج بالقول أو الكتابة «متهمًا بالإرهاب» هي مصيدة
للصحفيين ولكل صاحب رأي فهي إرهاب حكومي ضد أصحاب الفكر والرأي في مصر، وقال إن
المادة (٨٦ مكرر جـ) وضعت لمحاكمة المجاهدين الذين وقفوا بجانب المجاهدين الأفغان
حتى نصرهم الله، وحذر من خطورة هذه المادة. موكدًا أن حصول أي مواطن يريد التطوع
إلى جانب المجاهدين المسلمين في أي مكان على تصريح كتابي من الحكومة المصرية، كما
تقول هذه المادة معناه دخول مصر رسميًّا في حرب مع الدول الأخرى، وأكد أن المادة
من أولها إلى آخرها جريمة.
|
* رئيس نادي القضاة:
هو تقنين للقهر وليس في مصلحة مصر أبدًا |
ويقول المستشار يحيى الرفاعي الرئيس
الفخري لنادي القضاة: إن المقصود من وراء هذه التعديلات ليس مقاومة الإرهاب ولكن
دعم إرهاب الدولة للناس، رغم أن أجهزة الشرطة لم تعد تعترف بأية قوانين أو قضاء،
وأصبحت هي التي تحكم وتنفذ حكم الإعدام في أي إنسان ترى أنه «بلطجي»، وهدف هذه
التعديلات أيضًا هو التوسع في السلطات الاستثنائية للدولة، والتي ترفضها كل
المجتمعات المتحضرة، وهذه التعديلات هي تقنين للقهر وفتح الباب لمزيد من الضغط
والكبت الذي يولد الانفجار وهو ليس في مصلحة مصر أبدًا.. وأن التوسع في سلطات
الأمن على حساب ضمانات العدل وضمانات الحرية هو نذير بانتقال مصر إلى مرحلة جديدة
السمة الأساسية فيها هي تضليل الرأي العام.
إرهاب الدولة
ويرى الأستاذ فهمي هويدي أن مواد القانون
هي تطور خطير لتقنين إرهاب الدولة، وتوسيع القمع للمعارضين والبطش بهم، فالقانون
أو التعديلات الأخيرة لا تدع مجالًا للنجاة إلا بتأييد الحكومة، ولعل أخطر ما في
القانون أنه يضع القيود على حرية الاختلاف والتعبير والتفكير.
وهناك جانب آخر خطير هو أن التعديلات لم
تتضمن بندًا واحدًا يسمح للمواطن بالتعبير عن رأيه بالوسائل السلمية فليس هناك أية
ضمانات لحماية المواطنين ضد أهواء السلطة.
ويلاحظ الدكتور محمد عمارة أن التعديلات
الأخيرة حوت أمرًا خطيرًا وهو تجريم الالتحاق بجماعات خارج مصر تمارس أو تدرب على
العمل المسلح دون إذن من الحكومة، وهذا النص لا يميز بين الالتحاق بجماعات إرهابية
تمارس العنف، وحركات جهادية تمارس تحرير أقاليم الوطن الإسلامي، وهناك اعتبارات
كثيرة قد تحول بين الحكومة وبين الإذن لبعض المواطنين في الالتحاق بالجهاد
الأفغاني أو الفلسطيني أو الجهاد في البوسنة والهرسك، ولو كان هذا النص قائمًا قبل
ذلك لحكم بالأشغال الشاقة المؤبدة على صالح (...) وعبدالرحمن عزام باشا، وكل
المجاهدين المصريين الذين التحقوا بالجهاد في فلسطين أو غيرها.
|
* د.محمد عصفور:
التعديلات صورة متكررة من قرارات سبتمبر 1981 بل أشد |
ویرى الدكتور محمد عصفور أن التعديلات
الأخيرة إرهاب مخيف وشيء مفزع لا مثيل له بالمرة في تاريخنا، وهي صورة مكررة من
قرارات سبتمبر السوداء غير أنها تمتاز بالشدة والقسوة، وأخطر ما فيها أنها تفرض
أحكامًا عرفية غليظة وحالة طوارئ دائمة.
ويوكد د. عصفور أستاذ القانون الدستوري أن
هذه التعديلات هدفها إثارة الفتنة واستمرار حالة التوتر وعدم الاستقرار القائمة
حاليًّا، وليس لها أي نفع لمجتمعنا.
وبعد.. فهذا هو
رأي النخبة السياسية والفكرية في مصر حول التعديلات الأخيرة التي صدق عليها مجلس
الشعب، وقد بدأ عدد من كبار رجال القانون والمحاماة الإعداد للطعن في دستورية هذه
التعديلات وبالتالي وقف العمل بها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل