; قبل أن تنفلت أوضاعنا الأمنية | مجلة المجتمع

العنوان قبل أن تنفلت أوضاعنا الأمنية

الكاتب طارق الحمود

تاريخ النشر الأحد 01-ديسمبر-1991

مشاهدات 77

نشر في العدد 978

نشر في الصفحة 6

الأحد 01-ديسمبر-1991

 

تصاعد الحوادث الأمنية يدعونا إلى القلق على أمن مجتمعنا وسلامة أفراده

لا يمكن لأحد أن يلوم الأجهزة الأمنية التي تسلمت مسؤولية الأمن بعد التحرير مباشرة، وفي الأيام الأولى منه، فقد كانت المهمة عندها جسيمة جدًا نظرًا لحجم المخلفات الهائل الذي تركه النظام العراقي المهزوم من متفجرات وأسلحة وذخائر، وشيوع تلك المواد وانتشارها في البلاد طولًا وعرضًا، بالإضافة إلى الشحن العدائي والنفسي الكبير الذي خلّفه ذلك النظام في نفوس المواطنين، وبعض المقيمين الذين تعاونوا معه، مما أدى إلى انقلاب أمني في الشهور الثلاثة الأولى التي أعقبت التحرير.

غير أن الحديث عن الوضع الأمني في يومنا الحاضر، وبعد مرور ما يقارب العشرة شهور بعد التحرير، هو حديث يختلف عنه في بدايات أيام التحرير. فكثير من المسببات التي كانت تهدد الأمن قد تم تخطيها، كجمع كم هائل من الألغام والأسلحة والذخائر، وتخليص الناس منها، بالإضافة إلى توازن الأجهزة الأمنية، واستعادتها عافيتها ووضعها الطبيعي نوعًا ما، بعد فترة البداية الصعبة التي شهدت نقص الإمكانيات والكوادر.

 

بوادر انفلات أمني

لسنا من المتشائمين، ولا نريد إثارة المخاوف دون داع، كما أننا لا نسعى لتضخيم الأشياء والحوادث، غير أن ما نلمسه من متابعاتنا اليومية للحوادث الأمنية التي تشهدها البلاد، يدعونا فعلًا إلى القلق على أمن مجتمعنا وسلامة أفراده، وما قد ينتظره من انقلاب أمني فيما لو استمرت تلك الحوادث في النمو والتصاعد، لا سمح الله، دون أن تواجه بالصراحة والحزم المطلوبين. ولسنا نعني هنا تلك الحوادث الطبيعية التي قد تحدث في أي مجتمع آخر، كالمشاجرات، أو حوادث السيارات، أو الحرائق الناتجة عن إهمال المواطنين، وإنما نتحدث عن الحوادث التي تنتج عن إهمال الأجهزة الأمنية، والتي تكون مسؤولية حدوثها ترجع إلى تراخي رجال الأمن، أو تهاونهم في تأدية الواجب، أو تقصير أجهزة مسؤولة أخرى في الدولة.

 

حوادث ذات أبعاد خطرة

حصلت خلال الشهرين الماضيين جملة حوادث من شأن الإشارة إليها أن تجعل لحديثنا درجة من الموثوقية، ونشير هنا إلى 3 حوادث: الأولى هي حادثة السطو المسلح من قبل مسلحين ملثمين على سيارة تابعة لإحدى شركات الحراسة التي كانت تنقل أموالًا قيمتها 300 ألف دينار، تملكها إحدى شركات التأمين، وقد تم الاستيلاء عليها، ولم يُضبط الجناة، ويشير الخبر إلى حصول الحادث في ساعات الصباح الأولى.

والسؤال الذي نوجهه لوزارة الداخلية، هو: من يتحمل مسؤولية عدم ضبط الجناة؟ وذلك لأن تكرار حصول هذه الحوادث دون ضبط مرتكبيها سيجعل الكثير من ضعاف النفوس يتسابقون لتقليد هؤلاء الجناة. وتستطيع وزارة الداخلية أن تضع خطة أمنية متكاملة لتسيير دوريات الشرطة على مدار الساعة صباحًا ومساءً في شوارع البلاد، كما تفعل الدول المتقدمة، حتى تفرض الهيبة الأمنية المطلوبة في المجتمع، وحتى يشعر الجميع بالاطمئنان على أنفسهم وأهلهم وأموالهم.

 

إهمال من الجهاز الأمني

وخبر آخر يدل على وجود التهاون لدى الجهاز الأمني، وهو ما نشرته جريدة "الوطن" بتاريخ 17/11/1991 حول انفجار مجموعة من الذخائر في أحد المنازل الخاوية في منطقة الصليبخات، الأمر الذي أحدث حريقًا كبيرًا روَّع الأهالي، ويذكر الخبر أن هذا البيت قد احترق عدة مرات سابقًا لوجود ذخيرة مكدسة من بقايا مخلفات العدو المهزوم.

ونسأل مرة أخرى.. مسؤولية من؟ وهل يعقل أن يحصل انفجار متكرر وحريق مرة تلو الأخرى في مكان ما، دون أن تقوم الأجهزة الأمنية بالتعامل مع هذا الأمر بالشكل المطلوب، بتنظيف هذا الموقع، ومسحه مسحًا تامًا؟ أليست هذه مسؤولية الجهاز الأمني؟ أم أن المطلوب من الأهالي أن يعتمدوا على أنفسهم في كل شيء كما كانوا أيام الاحتلال، ليكونوا لجانًا من بينهم لحماية أنفسهم من هذه الأخطار؟

 

محاولات النظام المهزوم

إذا لم نكن قادرين على ضبط الحد الأدنى المطلوب في أمن المجتمع، فكيف يمكننا التعامل مع ما قد يخطط لإثارته النظام العراقي المهزوم؟ فالخبر الذي نشرته "القبس" بتاريخ 17/11/1991 حول ضبط شاحنة في منطقة الجهراء تحمل أرقام "عراق- بغداد" ومحملة بالألغام والذخائر، حيث قُدرت حمولتها بألفي لغم.

وبغض النظر عن نتائج التحقيق حول هذا الحادث، فإن كل الاحتمالات تشير إلى أن النظام العراقي وراء هذا الأمر، وقدرته على اختراق الأمن الداخلي للبلاد، هو نذير ضعف الجهاز الأمني، وعدم انتهاجه لخطة متكاملة تحكم إغلاق منافذ البلاد دون تسلل الأعداء أو مأجوريهم.

 

تجارة الإقامة تقتل أبناءنا

يرقد في المستشفى أحد أبنائنا الضباط، بسبب شجاعته في التصدي لأحد التايلنديين الذي سرق حقيبة من سيدة في أحد المجمعات التجارية، ولدى اعتراضه من الملازم خليفة بودي والرائد فيصل الجزاف، قام بطعنهم بسكين كانت معه، وأحدث بهما إصابات بليغة. وأشار "البودي" وهو ملازم بالجيش الكويتي أن البلاد مليئة بأمثال هذا التايلندي الذي دخل البلاد بصورة غير مشروعة عن طريق تجار الإقامات، واحترف السرقة؛ لأنه عاطل عن العمل.

ومثل هذا الخبر يؤكد بأن الخطة الأمنية ما لم تكن متكاملة، وتشترك فيها جميع أجهزة ووزارات الدولة المعنية، فإنها لن تحقق أهدافها ونتائجها المطلوبة. فكيف يمكن أن تنضبط العملية الأمنية في البلد، دون أن تضرب الأيدي التي تتاجر بالوطن، وتضحي بأبنائه في سبيل بضعة دنانير يدفعها من يريد دخول البلد بصورة غير مشروعة، ودون أن تعالج الدولة تسيب تنفيذ السياسة السكانية، والتهاون في تطبيق قوانين الإقامة.

 

الرابط المختصر :