العنوان النصيحة ليست نقدا (۲ من ٢).. قبول النصيحة والاعتذار عن الخطأ خير من التمادي والإصرار على الباطل
الكاتب محمد عبده
تاريخ النشر السبت 07-فبراير-2009
مشاهدات 57
نشر في العدد 1838
نشر في الصفحة 58
السبت 07-فبراير-2009
اعتبار النصيحة نقدا أمر سلبي يعكس خللا تربويا بين أبناء الحركة الإسلامية
الإخلاص والعلم والأمانة والذكاء صفات يجب أن يتحلى بها الناصح
الرسول قدوة حسنة في قبول النصح وطلبه من الآخرين
العمل بالنصيحة ومعرفة آراء الآخرين من أهم سبل التوصل إلى الحقيقة
لعل من الأمور التي تجعل البعض يرفض النصيحة ولا يقبلها اعتبارها نقدًا موجها لشخصه ولكفاءاته وإمكاناته.
وفي الحقيقة إن اعتبار النصيحة نقدًا وسط أبناء الحركة الإسلامية بشتى مستوياتها - أفرادًا بها كانوا أو مسؤولين - أمر له سلبياته ويعكس خللا تربويا كبيرا لدى من يعتبره كذلك، وشرخا في تكوينه، إذ إن ذلك سيحرمه من الاستجابة للنصيحة، ويؤخره عن تدارك خطأه، وتقويم نفسه.
البعض يعتبر النصيحة نقدًا يمسهم مباشرة في شخصياتهم لرغبتهم في إظهار أنفسهم في الصورة الملائكية التي تصيب دائمًا ولا تخطئ.. في صورة الكمال التي لا عيب فيها ولا نقصان، وهؤلاء في الحقيقة يحملون أنفسهم فوق طاقتها: فكل ابن آدم خطاء كما أخبر بذلك النبي كما جاء في الحديث، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: كُلَّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ.
ومن أسباب اعتبار النصيحة نقدًا:
استصغار من قدمها، ووصفه بأنه قليل الخبرة قليل العلم صغير السن ومن ثم الاستعلاء والاستكبار بالنزول على نصيحته إذ كيف يستجيب لها وهو من سادة والقوم وكبرائهم، والناصح ممن هم دونه في المسؤولية والمكانة؟!
- تمكن الشيطان من المنصوح ورغبته في الاستمرار على الباطل وعدم الانصياع للحق، إذ إن ذلك يجعله لا يقبل نصحًا، ولا يسمع توجيهًا ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ (البقرة:206).
- سوء عرضها من الناصح الذي قد يعرضها بطريقة يُفهم منها التعالي على المنصوح، وازدراؤه وإهانته، فتحسس الناصح للجو النفسي المناسب لقبول النصيحة أمر له أهميته بالنسبة للمنصوح.
- أن تكون النصيحة على رؤوس الأشهاد وفي العلن، وأمام الآخرين مما يدفعه إلى محاولة الدفاع عن نفسه، ورفض محتوى النصيحة بكاملها، وصدق الإمام الشافعي رحمه الله حين قال: مَنْ وَعَظَ أَخَاهُ سرا فقد نَصَحَه وزَانَه، وَمَنْ وَعَظَهُ عَلَانِيَةً فَقَدْ فَضَحَهُ وشَانَه.
ومن أجمل ما قال - شعرًا - في هذا المعنى:
تغمدني بنصحك في انفرادي.. وجنبني النصيحة في الجماعة
فإن النصح بين الناس نوع.. من التوبيخ لا أرضى استماعه
مما سبق يتضح لنا أن هناك أمورًا تتعلق بالناصح والمنصوح في قبول النصيحة والقاعدة المهمة التي يجب أن يعيها الاثنان الناصح والمنصوح هي التي جاء فيها: أن يؤديها الناصح في أكمل وجه وأن يقبلها المنصوح على أي وجه وعلى الناصح أن يلتزم بها بما يأتي:
الإخلاص: لأن الإخلاص أصل النجاح في كل الأعمال ولأن المقصد من النصح هو هداية المنصوح، لا فتنته أو فضحه.
العلم: فينبغي للناصح أن يكون متأكدًا مما ينصح به عالما بصواب ما يقول وينصح به حتى لا يضلل المنصوح، أو يتسبب في أذيته، فعَنْ عَطَاءِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ، ثُمَّ احْتَلَمَ، فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ: هَلْ تَجِدُونَ لِي رُحْصَةً فِي التَّيَمُّمِ، فَقَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رَحْصَةً، وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أُخْبِرَ بِذَلِكَ فَقَالَ: «قَتَلُوهُ، قَتَلَهُمْ اللَّهُ: أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا، فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِرَ، أَوْ يَعْصِبَ - شَكٍّ مُوسَى - عَلَى جُرْحِهِ خَرْقَةً ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ.
الأمانة: أن يكون قاصدًا الخير في نصحه، لا إساءته أو تضليله.
الحكمة: فينبغي على الناصح أن يكون حكيمًا في نصحه؛ فلا يكشف ستر منصوحه، فينصحه أمام الآخرين، أو يُشعره بالدونية، أو يتعالى عليه بنصحه ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: ١٢٥).
الذكاء: بانتقاء الكلمات الرقيقة التي تدفع المنصوح للإنصات وقبول التوجيه. - قرأت مرة للشيخ عباس السيسي» في كتابه الرائع الطريق إلى القلوب قوله في هذه النقطة إن النسبة الأكبر في فشل النصيحة تقع على الناصح لأنه لم يعرف كيف يدخل إلى قلب من ينصح.. وقال: إنه ربما نجد بابًا ضخمًا، ولكن مفتاحه يكون بحجم الإصبع.. فعلينا أن نعرف مفاتيح القلوب، ونستخدم لكل قلب مفتاحه الخاص.
نصائح واجبة
ونستطيع أن نوجز نصائحنا للأخ المنصوح فيما يلي:
- النصيحة وسيلة للمراجعة والتصحيح حتى لا نسترسل في خطأ وقعنا فيه، أو هوى انسقنا إليه فالنصيحة بمثابة وقفة مع النفس المراجعتها، والسير على بصيرة.
- حين يتخذ الواحد منا أفكارًا أو قناعات يتمسك بها ويُرسخها بداخله فلا يحيد عنها، وتتحرك الجبال الشم الرواسي عن قواعدها ولا تتحرك تلك القناعات أو الأفكار فلا يقبل المراجعة فيها أو النصح في بنودها، فحينئذ ستكون بداية النهاية، ولن يسلم من هوى يطغيه أو فساد في الرأي يرديه.
- وكما قيل، فإننا لن نصل إلى الحقيقة التي تنشدها حتى نعرف آراء مخالفينا فندرسها وتحللها، ونستفيد بما فيها.
- استمع إلى النصيحة أو النقد الموجه إليك بنية البحث عن الحق والوصول إليه أنت لست أفضل من أبي بكر الصديق.
- أنت لست أفضل من خير البشر محمد ، فبدلًا من رفض النصيحة وردها، كان الأجدر والأولى بك أن تطلبها ابتداء، وتسمع لها بعد ذلك فأنت لست أصوب رأيًا ولا أهدى فكرًا من رسول الله ﷺ حيث يقول:.... إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني...
- لا تفرح بفريق المداحين من حولك الذين يصفقون لك حتى إذا أخطأت ويهللون لك إذا انحرفت، ويهتفون باسمك إذا حدت.
- بل افرح بصدق ومن قلبك، إذا أهدى إليك أحد إخوانك بعض عيوبك، واعلم أنك على خير متى وفقك الله ووجدت مثل هذا الصاحب الأمين، والصادق النصوح.
- رفضك للنصيحة من الآخرين يحمل ضمن ما يحمل من المعاني ادعاء العصمة وهذا يناقض طبيعتنا البشرية التي يعتبر الخطأ فيها جزءًا من تركيبتها وطبيعتها فكل إنسان يؤخذ من كلامه ويرد إلا المعصوم ﷺ ، وكل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون.
- لا تضق ذرعًا بناصحيك، حتى وإن اعتبرتهم ناقديك» فيما يوجهون إليك من نصح أو نقد، ولا تعتبره تعديًا على حريتك أو كرامتك، أو شخصك بل ينبغي أن تكون موضوعيًا في تقبلك للنقد الموضوعي البناء الذي يهدف إلى البناء والنفع، وارفض النقد الهدام الغير موضوعي، وغير المبني على حقائق والقائم على التجريح والتشهير والإساءة.
- عمق بداخلك القاعدة المهمة أن الكائن البشري أيا كانت درجة بشريته، ومهما أوتي من علم وفطنة وذكاء فإن الخطأ سيظل سمة من سماته، وأن درجة الكمال التي تنشدها في مجهودنا وأعمالنا البشرية التي تبذلها تحتاج إلى إصلاح الآخرين حتى تكتمل فالآخرون يرون ما لا نراه من قصور في أعمالنا وشخصياتنا.
- واحفظ عني هذه الجملة «النقد عبارة عن معلومات يمكن أن تساعدني على النمو.
- استجابتك للنصيحة، وقبولك للنقد الموجه إليك، لا يعني أبدأ الاستسلام للآخر أو الإذعان له بل يُعد ذلك إيجابية في سلوكك، وخلق عظيم من أخلاقك: ﴿۞ وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ(133) الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(134) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (آل عمران:135).
وأخيرًا أخي المنصوح: فقبول النصيحة والاعتذار عن الخطأ وتصحيحه أفضل من التمادي فيه، فالعيب ليس في الرجوع عن الخطأ، وإنما البلاء الحقيقي يكون في الإصرار على الباطل. وقبولك النصيحة ينفي عنك الاتصاف بالكبر والتعالي، ويزيل من قلب ناصحك الحقد والبغضاء، ويدفع عنك الاعتراض عليك وإساءة الظن بك حين يصدر منك ما ظاهره الخطأ.
فلا يكن همك عند سماع نصيحة موجهة إليك هو كيف تدفعها، فيحملك هذا على اتهام الآخرين بما هم منه براء أو تبدأ في كيل الاتهامات في محاولة لنقل أبصار الآخرين واهتماماتهم بعيدًا عنك إلى ناصحيك، ومحاصرتهم بعدد من أخطائهم لينشغلوا بغيرك، متناسيًا ما وجه إليك من النصح أو التوجيه.
وأخيرًا، وليس آخرًا فلنردد جميعًا ولنعش هذا المعنى الجميل الذي جاء على لسان عمر بن الخطاب: رحم اللهُ مَنْ أَهْدَى إلى عيوبي.
الهوامش
(۱) صحيح البخاري ح رقم (٤٠١).
(۲) سنن الترمذي ح رقم (٢٤٢٣).
(۳) صحيح البخاري ح رقم (٤٠١).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل