العنوان قدرات إسرائيل النووية غير رادعة
الكاتب محمود الخطيب
تاريخ النشر الثلاثاء 12-مايو-1998
مشاهدات 68
نشر في العدد 1299
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 12-مايو-1998
■ موريس هاريس: قوة إسرائيل النووية الرادعة لن تبقى ضمانة لها من احتمالات غزوها خلال السنوات الخمس والعشرين القادمة.
تسرّب إسرائيل من وقت لآخر تقارير تتحدث عن قوتها العسكرية والنووية على وجه الخصوص بالشكل الذي يخدم مصالحها ومخططاتها للهيمنة على المنطقة، ومسالة امتلاك إسرائيل للسلاح النووي ليست مدار جدل أو شك، إلا أن توظيف حالة الغموض التي تكتنف مدى قدرتها أو حجمها الحقيقيين يهدف إلى تعزيز قوتها الردعية، وتفرض الحكومة الإسرائيلية رقابة صارمة على المعلومات والبيانات المتعلقة بقدراتها ومرافقها العسكرية والنووية، ولهذا الغرض شكل الكنيست الإسرائيلي لجنة فرعية من أعضائه لدراسة الأضرار التي تسببها معلومات الإنترنت على أمن الدولة اليهودية، على الرغم من أن عضوة الكنيست داليا عيزق «حزب العمل» رأت أنه من المستحيل فرض الرقابة على شبكة الإنترنت حتى لو كان في المعلومات التي تبثها ضرر على أمن إسرائيل.
القدرة النووية الإسرائيلية: كانت فرنسا هي التي بنت مفاعل ديمونا الإسرائيلي عام ١٩٥٧م في صحراء النقب كمفاعل أبحاث مختص باليورانيوم الطبيعي، وبدأ تشغيل المفاعل عام ١٩٦٤م بطاقة (٢٦) ميجاوات، وتم تطوير هذا المفاعل في السبعينيات، حيث زادت طاقته على (٧٥ – ١٦٠) ميجاوات، وزاد إنتاج المفاعل من مادة البلوتونيوم من (7 - 8 ) كيلو جرامات في العام إلى (٢٠ – ٤٠) كيلو جرامًا، كما يتم إنتاج أسلحة كيماوية وجرثومية في المفاعل نفسه، لكن إسرائيل ترفض حتى هذه اللحظة إخضاع مفاعلها للتفتيش من قِبَل المنظمة الدولية للطاقة الذرية على الرغم من عضوية إسرائيل في تلك المنظمة، مما يؤكد صحة المعلومات حول إنتاج هذا المفاعل لأسلحة نووية، وتقوم إسرائيل بعمل تحصينات إضافية واستبدال المعدات القديمة التي تستخدم في مفاعل ديمونا بأخرى حديثة بعد أن سجلت فيه في أوائل التسعينيات انفجارات وتسرب مواد إشعاعية، نتج عنها عدد كبير من الوفيات بين العاملين في المفاعل، كما اضطرت الحكومة الإسرائيلية إلى إخلاء المناطق القريبة من المفاعل من السكان.
وأقامت الولايات المتحدة مفاعلًا آخر للأبحاث في منطقة ناحال سوريك غربي بئر السبع عام 1955م، ولأن هذا المفاعل لا ينتج أسلحة نووية؛ فقد وافقت الحكومة الإسرائيلية على إخضاعه لرقابة وتفتيش المنظمة الدولية.
ووفقًا لمصادر المعلومات الأمريكية غير الرسمية، يتوقع عدد من الخبراء الأمريكان
والغربيين أن تكون إسرائيل قد نجحت في إنتاج أسلحة نووية باستخدام اليورانيوم المخصب بدلًا من البلوتونيوم، كما أن الحكومة الأمريكية تشتبه بأن حوالي (۱۰۰) كيلو جرام من اليورانيوم المخصب قد سرق من أحد المرافق الأمريكية في منطقة أبولو بولاية بنسلفانيا، نتيجة مؤامرة بين مدراء المصنع الأمريكي والحكومة الإسرائيلية، وهي كمية تكفي استخدامات إسرائيل لأكثر من مائتي عام، وفي عام ١٩٦٨م اختفى حوالي (۲۰۰) طن من أحد الخامات التي تحتوي على مادة اليورانيوم من على متن سفينة في البحر الأبيض المتوسط، ويعتقد بأنها حُولِّت إلى إسرائيل، وسرقت إسرائيل أو اشترت سرًا مواد نووية من بريطانيا وفرنسا وألمانيا، إضافة إلى الولايات المتحدة.
وعلى الرغم من أن الحكومة الإسرائيلية لم تعلن أو تنف رسميًا امتلاكها لأسلحة نووية إلا أن بعض التصريحات التي كانت تتسرب من مسؤولين إسرائيليين بعضها عمدًا تؤكد إنتاج إسرائيلي لأسلحة نووية، وتعتقل إسرائيل منذ عام ١٩٨٦م مردخاي فانونو، وهو خبير نووي إسرائيلي مطرود من الخدمة قبل أن ينشر معلومات موثقة بالصور في صحيفة الصاندي تايمز اللندنية، وحكمت عليه محكمة إسرائيلية بالسجن المؤبد بسبب إفشائه تلك المعلومات، وقد استنتج الخبراء من المعلومات التي نشرها فانونو احتمال امتلاك إسرائيل ما بين (100 – 200) سلاح نووي سواء قنابل نووية، أو رؤوسًا حربية يمكن تركيبها على صواريخ متوسطة المدى كصاروخ أريحا - 1 الإسرائيلي (٤٥٠ كيلو مترًا) الذي تم إنتاجه في أواخر الستينيات، أو صاروخ أريحا - 2 بعيد المدى (١٥٠٠ كيلو مترًا) الذي أجريت أول تجربة عليه عام ۱۹۸۷م، وكشفت مصادر استخبارية أوروبية عن أن التعاون العسكري الأمريكي يهدف إلى بناء (٥٠) موقعًا تحت الأرض لإطلاق صواريخ أريحا -1، وأريحا - 2، وسيتم في الموقع نفسه تخزين أسلحة غير تقليدية تشمل رؤوسًا حربية نووية تركب على الصاروخين.
وقدر خبراء أجانب أن المفاعلات النووية الإسرائيلية قادرة على إنتاج ( 5 – 10) رؤوس حربية نووية في العام الواحد، ومن أهم المرافق النووية الإسرائيلية، إضافة إلى مفاعل ديمونا الخاص بإنتاج مادة البلوتونيوم اللازمة لإنتاج أسلحة نووية، هناك مركز سوريك للأبحاث وتطوير الأسلحة النووية، ومصنع يوديفات لتركيب وتفكيك الأسلحة النووية، وقاعدة كفار زخاريا للصواريخ النووية وتخزين القنابل النووية، ومستودع عيلبون للأسلحة النووية التكتيكية، وتشير صور الأقمار الصناعية التي كشفتها وزارتا الدفاع الفرنسية والروسية في شهر نوفمبر الماضي إلى وجود أكثر من (200) رأس نووي إسرائيلي منتشرة في ثمانية مواقع مختلفة ومركبة على صواريخ متوسطة وبعيدة المدى، وفي طائرات حربية تقف على أهبة الاستعداد للإقلاع في أي لحظة.
وكشفت «الوطن العربي» أواخر العام الماضي عن تقرير يقول إن خبراء عسكريين أمريكان قد وصلوا إلى مرحلة متقدمة في بناء مستودعات نووية تحت الأرض في منطقة كفار زخاريا في الضفة الغربية المحتلة كموقع بديل عن الأنفاق التي حفرها الإسرائيليون في إحدى المناطق الجبلية التي كانت تعتبر منذ أوائل السبعينيات المركز الرئيس لإجراء التجارب على الصواريخ بعيدة المدى التي تركب عليها رؤوسًا نووية وكشف التقرير نفسه عن وجود مجموعة أخرى من الخبراء الأمريكان تعمل مع الإسرائيليين على تطوير المواقع التي تركب فيها الأسلحة النووية الإسرائيلية في الجليل الأوسط، وتطوير مستودعات لتخزين هذه الأسلحة في الجبال الشمالية الشرقية القريبة من الحدود السورية.
وتحاول إسرائيل التهويل من خطر صواريخ سكود السورية التي يصل مداها إلى أكثر من (٤٥٠) كيلومترًا، ولذلك قدمت الحكومة الإسرائيلية في شهر نوفمبر الماضي على لسان رئيس أركانها الجنرال أمنون شاحاك طلبًا رسميًا من البنتاجون للحصول على قنبلة الأعماق النووية الجديدة المصممة لاختراق التحصينات تحت الأرض لمواجهة أي صواريخ سكود سورية، والتي يمكن أن تحمل رؤوسًا كيماوية، ويعتقد بأن الولايات المتحدة استجابت للطلب الإسرائيلي، ويذكر أن الطائرات العسكرية الإسرائيلية قد استخدمت قنبلة الأعماق النووية في تدمير المفاعل النووي العراقي في تموز عام ۱۹۸۱م، ويقول المختصون العسكريون إن هذه النسخة الإسرائيلية من قنبلة الأعماق النووية لم تعد صالحة في هذا الوقت، ولذلك يريد الإسرائيليون نوعًا أحدث منها.
الصناعة العسكرية الإسرائيلية:
تمتلك إسرائيل أكثر الصناعات الحربية تطورًا في منطقة الشرق الأوسط، إضافة إلى امتلاكها قدرة على إنتاج أكثر الصواريخ تطورًا بعد الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة وفرنسا والصين، ومعروف أن الدولة اليهودية صدرت أنظمتها الصاروخية لعدد من الدول أهمها تايوان وجنوب إفريقيا.
إن مسألة امتلاك تل أبيب لقدرات عسكرية متطورة لا شك فيها لأسباب كثيرة، منها أن كثيرًا من العلماء والمهندسين اليهود كانوا أو مازالوا يعملون في عدد من الدول المعروفة بتطورها في مجال التصنيع العسكري كالاتحاد السوفييتي السابق والولايات المتحدة، وقد هاجر عدد كبير منهم إلى إسرائيل خلال العشرين سنة الماضية، وحتى هؤلاء الذين لم يهاجروا إلى إسرائيل لا ينفكون يزودون الحكومة الإسرائيلية بكل المعلومات والأسرار العسكرية التي تساعد إسرائيل في الحصول على قدرات عسكرية متنوعة ومتفوقة على أي دولة في الشرق الأوسط وتبذل إسرائيل بمساعدة حليفها الإستراتيجي الولايات المتحدة كل ما بوسعها لمنع الدول العربية والمسلمة من امتلاك أي سلاح متطور، كما يحدث حاليًا مع كل من إيران والعراق وباكستان، وهو ما حدث أيضًا عندما حاولت إسرائيل ثني الحكومة الأمريكية عن بيع طائرات الإنذار المبكر «الأواكس» إلى السعودية خلال الثمانينيات.
إن المساعدات العسكرية الأمريكية الحكومية لإسرائيل، والتي تصل إلى (۱,۸) بليون دولار سنويًا تعتبر أهم عوامل تقدم الصناعة الحربية الإسرائيلية، إضافة إلى أنها تشكل عنصرًا حيويًا في السياسة الأمريكية الرامية إلى المحافظة على تفوق عسكري نوعي لإسرائيل على الدول العربية مجتمعة، وهي سياسة أمريكية معلنة لا يخجل المسؤولون الأمريكيون من التصريح بها حتى عند زيارتهم لدول عربية كتصريحات وزير الدفاع الأمريكي وليام كوهين عند زيارته للأردن الشهر الماضي وعلى الرغم من سرية المعلومات التي تكتنف الصناعة الحربية الإسرائيلية، إلا أن الراشح منها يشير إلى تزايد المبيعات والصادرات العسكرية الإسرائيلية إلى السوقين المحلي والخارجي، فقد ارتفعت قيمة الصادرات العسكرية إلى الخارج من (٦٦٨) مليون دولار عام ۱۹۸۰م إلى (۹۳۰) مليون دولار عام ١٩٩٠م، ثم إلى (١,٢) مليار دولار عام ١٩٩٥م، أما إجمالي المبيعات العسكرية، فقد ارتفع من (١,٦) بليون دولار عام ١٩٩٠م إلى ملياري دولار عام ١٩٩٥م، فرق المبيعات عن الصادرات هو قيمة المبيعات للسوق المحلي الإسرائيلي.
في إسرائيل ثلاث مؤسسات حكومية معنية بتصنيع الأسلحة المختلفة، وهي هيئة صناعة الطائرات الإسرائيلية التي تأسست عام ١٩٥١م، و«تاس» التي كانت تعرف بالهيئة الإسرائيلية للصناعات العسكرية و«رفائيل» وهي هيئة التطوير الوطني، وتقوم هذه المؤسسات الثلاث معًا بتطوير وإنتاج جزء كبير من الأسلحة والتكنولوجيا الإسرائيلية كدبابات ميركافا المقاتلة، والصواريخ التكتيكية، وتطوير معدات وأجهزة إلكترونية خاصة بالطائرات الحربية الأمريكية، وأنظمة الرادار، والاتصال وغيرها، كما تشترك هذه الجهات الثلاث مع جهات أخرى في تطوير أسلحة أخرى كصواريخ «آرو» ويشرف وزير الدفاع الإسرائيلي على هذه المؤسسات الثلاث إشرافًا مباشرًا.
ميزانية الجيش الإسرائيلي هي الأعلى بين جيوش منطقة الشرق الأوسط حيث تقدر بنحو (٨) مليارات دولار سنويًا، ويخصص حوالي (40%) من هذه الميزانية للمشتريات العسكرية، بينما تخصص النسبة نفسها تقريبًا كرواتب ومكافآت لجنودها، وتبلغ نسبة الإنفاق العسكري الإسرائيلي حاليًا حوالي (20%) من إجمالي الناتج القومي الإسرائيلي، إلا أن هذه النسبة كانت ترتفع أحيانًا إلى معدلات أعلى من ذلك بكثير بسبب الحروب أو أزمات أخرى معينة، فنتيجة لحرب أكتوبر عام ١٩٧٣م على سبيل المثال بلغت النفقات العسكرية حوالي (33%) من الناتج القومي الإسرائيلي في الأعوام ١٩٧٣م - ١٩٧٥م.
إلا أن نجاح الإسرائيليين في تصنيع الصواريخ والدبابات والأسلحة الرشاشة والذخيرة، قابله فشل في تصنيع الطائرات المقاتلة، فقد أنفقت الحكومة الإسرائيلية أكثر من ملياري دولار معظمها كان مساعدات مباشرة من الحكومة الأمريكية، على إنتاج طائرة لافي المقاتلة، وقد بدأ المشروع عام ١٩٧٩م، إلا أن الحكومة الإسرائيلية أوقفت العمل في المشروع بعد ثمانية أعوام بسبب ارتفاع تكلفة إنتاج الطائرة، ولأن تكلفة طائرات (إف ١٦) أو (إف ١٨) الأمريكية أقل بكثير من تكاليف إنتاج الطائرة الإسرائيلية.
كما لا يخلو واقع الجيش الإسرائيلي من قضايا الفساد والرشوة، ولأن مسألة العقود والمشتريات العسكرية الإسرائيلية تحاط في العادة بكثير من السرية والتحفظ فإن ذلك مدعاة لحدوث اختلاسات ورشاوى، وأكبر قضية فساد في الجيش الإسرائيلي تعرف بقضية «دوتان» نسبة إلى قائد سلاح الجو الإسرائيلي في عام ١٩٩٠م الجنرال رامي دوتان الذي اعتقل في أكتوبر من ذلك العام، وأدين بعد ذلك بعام بتهمة تلقي أكثر من عشرة ملايين دولار كرشوة من إحدى الشركات في قضية تتعلق بشراء محركات لطائرات مقاتلة من الولايات المتحدة، ومع أن مسألة الرشاوى والفساد في جيوش العالم وبخاصة في دول العالم الثالث مسألة تبدو طبيعية ومنتشرة، إلا أن القاضي الذي حكم على دوتان بالسجن، وصف تلك الفعلة بأنها لا سابق لها في تاريخ إسرائيل.
هل القوة النووية الإسرائيلية رادعة؟
بعد خمسين عامًا على قيام الدولة الصهيونية وأربعين عامًا على تأسيس مفاعل ديمونة في صحراء النقب الفلسطينية، هل يمكن أن تكون قدرات إسرائيل النووية قوة ردع للدول العربية المجاورة لها أو دول المنطقة الأخرى؟ أجاب عن هذا التساؤل كاتب أمريكي يهودي يدعى موريس هاريس في دراسة أعدها حول احتمالات بقاء دولة إسرائيل خمسين عامًا آخر، فهو يؤكد على أن قوة إسرائيل النووية الرادعة لن تبقى ضمانة لها من احتمالات غزوها، وتوقع بأن تضعف هذه القوة الرادعة خلال الأعوام الخمسة والعشرين القادمة بعد أن تمتلك العراق وإيران السلاح النووي، كما أن مصر وسورية ستمتلكان مثل هذا السلاح خلال الخمسين عامًا القادمة على حد قول هاريس، وبالتالي لن يكون للردع النووي الإسرائيلي أي تأثير، وذهب الكاتب اليهودي أبعد من ذلك حين ادعى بأن بعض الحركات الإسلامية كحركة حماس تحديدًا ربما تستطيع امتلاك مثل هذا السلاح من خلال علاقاتها مع بعض الدول الراديكالية كإيران على حد تعبيره.
لو كان السلاح النووي الإسرائيلي قوة ردع فعلية لاستخدمته إسرائيل في حرب أكتوبر ۱۹۷۳م، حيث تشير التقارير إلى أن إسرائيل كانت تمتلك أسلحة نووية في ذلك الوقت، كما أن إسرائيل تفتقر إلى العمق الجغرافي الإستراتيجي، مما يجعل أي منطقة أو مدينة فيها هدفًا سهلًا للصواريخ العربية حتى قصير المدى منها، ما تمتلكه إسرائيل من أسلحة نووية أو جرثومية سيكون أكثر من دولة عربية ومسلمة قادرة على امتلاكه في المستقبل القريب، مما يجعل قوة ردعها النووية بلا فائدة أو فعالية، ما يحتاجه العرب لإزالة هذه الدولة الشاذة عن الخارطة العربية ليس أكثر من وجود إرادة سياسية أمينة ومخلصة قادرة على نسف الحلم الصهيوني ببقاء دولتهم على أرض فلسطين المغتصبة، وقادرة على إعادة مقدسات المسلمين لهم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل