; قديسة باريس | مجلة المجتمع

العنوان قديسة باريس

الكاتب أورخان محمد علي

تاريخ النشر الثلاثاء 21-سبتمبر-1999

مشاهدات 61

نشر في العدد 1368

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 21-سبتمبر-1999

توفيت في الأسبوع الأخير من شهر يوليو الماضي قديسة باريس.. الباحثة والمستشرقة الفرنسية المهتدية الدكتورة إيفا فتراي ميروفيتش Dr. Eva Vitray de Meyerovitch ورحلت عن عالمنا إلى العالم الذي طالما اشتاقت إلى معرفة حقيقته. 

فمن هذه الباحثة المهتدية وكيف اهتدت؟ 

كانت من عائلة كاثوليكية متعصبة ومتمسكة بالدين المسيحي، لذا لم يكن تركها للدين المسيحي وانتقالها إلى الإسلام شيئًا سهلًا ولا هينًا، وعندما وصلت إلى درجة «بروفيسور» قامت بتعلم اللغة الفارسية لكي تقرأ كتب وأشعار المتصوف الإسلامي الكبير جلال الدين الرومي الذي شغفت بأفكاره التصوفية العميقة وبأشعاره البليغة التي تقطر حكمًا، ولكي تستطيع القيام بترجمة صحيحة ودقيقة لأشعاره داومت ثلاث سنوات في قسم اللغات الشرقية في جامعة السوربون في باريس. 

ووجدت نفسها وهي تقترب من الإسلام شيئًا فشيئًا.. شعرت أنها أصبحت قريبة من الحقيقة التي كانت تبحث عنها طويلًا والتي لم يكن الدين المسيحي قادرًا على تقديمها لها ولا إرواء ظمأ روحها ولا إقناع عقلها... أحست أنها قريبة من الحقيقة المطلقة للكون والحياة الحقيقية العميقة التي لا تنتبه إليها ولا تعرفها الحياة المادية الصاخبة من حواليها، والتي تشوه روح الإنسان وتحصره بل تسجنه في إطار ضيق وسطحي.. كانت قد دخلت في تجربة روحية فريدة لا يعرفها إلا من ذاق حلاوتها وتقلب في أجوائها.. كانت كأنها تتمثل أبيات الشاعر عمر بهاء الأميري وهو يخاطب روحه فيقول:

أيها الروح كيف أطفي غليلك

 

 

حرت والله ما الذي أصطفي لك؟

 

يا جموحًا تنكب الأرض يسعى

 

 

في السموات، لا ضللت سبيلك

 

وطموحًا مناه هد كياني

 

 

أترانی محولًا تذليلك؟

 

لست أخشى عليك تخليف كون

 

 

قد تعجلت من دناه رحيلك

 

غير أني مسائل حين تمضي

 

 

من لأهل الآلام يبـقى بديلك؟

 

 

ولكن المسألة لم تكن هينة... دخلت في صراع نفسي شديد.. صراع بين دين ألفته وتربت عليه في أسرة كاثوليكية متعلقة بدينها وبين أصدقاء كاثوليكيين، وبين دين جديد يلوح أمامه أنه الدين الحق.. تمزق قلبها في رحى هذا الصراع الدائر بين هذين القطبين من قال إن أكثر من مليار مسيحي على باطل وأنها على حق الا يجوز أن الحقيقة كامنة في الدين المسيحي وأنها لم تفهم دينها على الوجه الصحيح؟.

كانت تريد أن تتأكد تماماً قبل اتخاذ قرارها الخطير بتبديل دينها لذا قررت حضور دروس أستاذ مشهور في تفسير الكتاب المقدس في جامعة السوربون وحضرت هذه الدروس مدة ثلاثة أعوام، ولكنها لم تجد في كل هذه المحاضرات أي شيء جديد يستطيع تغيير نيتها. 

ثم فتحت مكنونات قلبها وصراعها النفسي إلى المستشرق الفرنسي المعروف لويس ماسينيون مترجم أشعار منصور الحلاج إلى اللغة الفرنسية والذي كانت تقدره وتحترمه، فأشار عليها بمراجعة صديق له.. راهب لديه معلومات عميقة في الدين المسيحي.. ذهبت إليه وتناقشت معه طويلًا... لا لم يكن يملك أن يهب لها أي معلومات جديدة ولا أن يفتح أمامها أي حقيقة جديدة ولا أن يقدم لها أي جواب يشفي ظمأ روحها المتلهف والباحث عن الحقيقة.

 وفي ليلة تقلبت على فراشها وقد مزقها الصراع الدائر في أعماق نفسها توجهت إلى الله تعالى في وجد لا يوصف وابتهلت إليه وهي تذرف الدموع وقالت متضرعة.

الإسلام يدق قلب أوروبا بحقيقته ومنطقه

 «يا إلهي!.. ويا رب العالمين.. أنت تعلم بأنني أبحث عن دينك الحق.. وأنت شاهد كم بذلت من جهد في هذا السبيل.. أتضرع إليك أن ترشدني وأن تعطيني إشارة.. أعطني إشارة يا أرحم الراحمين!»

في تلك الليلة التي لم تنسها أبدًا رأت في منامها قبرها.. اقتربت من القبر. لم يكن القبر يشبه القبور الأخرى. رأت على شاهده كتابة لا تدري اهي كتابة عربية أم فارسية.. دنت من القبر أكثر فإذا بها تقرأ كلمة «حواء» مكتوبة بأحرف عربية، ثم قلب كيانها كله همس سمعته من قريب.. همس تردد صداه في أعماق روحها الملهوف هذا قبرك.. ستموتين مسلمة».

كانت هذه الرؤيا بلسماً لروحها، لذا اسرعت فأشهرت إسلامها وسمت نفسها «إيفا» أي «حواء».

هذه هي قصة اهتداء هذه المستشرقة المتصوفة التي عملت طوال حياتها في خدمة الإسلام وألفت كتبًا عديدة، حوله، من أهمها كتابان «الوجه المشرق للإسلام» و«روح الدعاء» اللذان تمت ترجمتهما إلى اللغة التركية من قبل الكاتب التركي «جمال ايدن».

 كتب السيد جمال ايدن عن بعض ذكرياته حولها بعد وفاتها فقال: «قالت لي في الرسالة التي بعثت بها إلى حول موافقتها على قيامي بترجمة كتبها إذا أتيت إلى باريس فلا تهمل زيارتنا .. كانت تحب تركيا لذا فرحت لترجمة كتابها الوجه المشرق للإسلام إلى اللغة التركية، وبعد شهر من نشر ترجمة كتابها الثاني «روح الدعاء» قررت أن أخذ معي نسخة إليها بدلًا من إرسالها بالبريد، لأنني كنت قد نويت السفر إلى باريس لرؤيتها وشراء بعض الكتب.

 ذهبت إلى باريس وخابرت ابنتنا المهندسة المعمارية الآنسة مكرم أي المقيمة في باريس منذ عشرين عامًا، وكانت قد قرأت النسخة التركية من كتاب الوجه المشرق للإسلام، فلما وصلت إلى باريس أتمت قراءة الكتاب باللغة الفرنسية التي تجيدها أكثر، ثم تعرفت على المؤلفة السيدة حواء.

قالت لي بأنها مريضة جدًا ولكنها تريد أن تراني، ويجب أن تراني وستضرب في موعدًا لزيارتها.. بدأت انتظر منها تعيين وقت الزيارة، وفي صباح أحد الأيام تلقيت مخابرة هاتفية: 

- هل سمعت الخبر؟

قلت: أي خبر؟

- خبر وفاة السيدة حواء.. لقد أذاعت جميع الإذاعات الفرنسية وقنوات التلفزيون الخبر حسبت أنك سمعت.

تجمدت في مكاني.. شعرت أن شيئًا يحترق في داخلي.. كأنها انتظرت قدومي إلى باريس وانتظرت يومًا واحدًا ثم توفيت في اليوم الثاني. كنت احبها كأم... كم من مرة سالت دموعي وأنا أقوم بترجمة كتبها.

لم أرها ولكن ابنتنا الآنسة مكرم أخذتني من جامع باريس بعد عدة أيام إلى بيت المرحومة حواء الذي كان يبعد عشر دقائق مشيًا على الأقدام، كان بيتها شقة متواضعة في الطابق الخامس من بناية متواضعة لا يوجد فيها مصعد، ما إن دخلت الشقة حتى حسبت أنني لست في باريس بل في بيت أحد الزاهدين... لم يكن هناك تقريبًا شيء يمكن أن تطلق بعمر عليه اسم الأثاث، وبعض القطع الموجودة كانت ثلاثين أو أربعين سنة، جلسنا على الأرض وكأننا في بيت تقليدي من بيوت الأناضول، وبدأت صديقة عمرها السيدة عائشة -وهي سيدة من أصل جزائري - تغدق علينا من كرم ضيافتها.. لقد تعلمت هذا من صديقتها المرحومة كان هناك بجانب الجو المتواضع للبيت جواً من الهدوء والسكينة يغمر البيت.. جواً لا يمكن تعريفه ولكن يمكن عيشه وتنفسه فقط.

بعد أن خرجنا من البيت قالت الآنسة مكرم: «آه لو شاهدتها في أسابيعها الأخيرة!.. أصبح وجهها مشرقًا كالبدر لم أكن أشبع من النظر إلى وجهها.. في كل مرة كنت أنوي أن أجلب في المرة القادمة آلة التصوير كي التقط صورة هذا الوجه النوراني، وكنت أنسى في كل مرة.. آه لو شاهدت هذا الوجه النوراني من قريب»...

ومن يدري؟!.. من يدري لعلها كانت تردد وهي تسلم الروح أبيات الإمام أبي حامد الغزالي، وهو آخر آبيات كتبها قبيل وفاته ووضعها تحت وسادته لعلها قالت مثله وهي تواجه الموت:

قل لإخوان رأوني ميتًا *** فبكوني ورثوا لي حزنًا

أتظنون بأني ميتكم؟ *** لست ذاك الميت والله أنا

أنا في الصور وهذا جسدي *** كان بيتي وقميصي زمنًا

أنا در قد حواه صدف *** كنت ممحونـًا فـعفت المحنا

أنا عصفور وهذا قفصي *** طرت عنه وبقى مرتهنا

أحمد الله الذي خلصني *** وبنى لي في المعـــالي سكنًا

... إلى آخره.

عملت الدكتورة حواء - حتى يوم لقائها ببارتها وبمرشدها - على تعريف الغرب بالإسلام، وبجانب أشعار مولانا جلال الدين الرومي، فقد قامت بترجمة آثار العديد من عظماء الإسلام، ويفضل مثل هذه الجهود نرى بداية تفتح براعم الإسلام في الغرب.. الغرب لم يعد كما كان في السابق.. هناك تغير يدب في أسسها بهدوء.. إنه الإسلام القادم إليها.. الإسلام يدق أبواب الغرب.. بل يدق الآن على قلب الغرب بحقيقته وبمنطقه وبنظرته للكون والحياة الحياة الإنسانية بكل جوانبها ومشاعرها وعواطفها ووجدها وأشواقها.. الحياة التي تليق بالإنسان أكرم مخلوق على الأرض.

 رحمها الله رحمة واسعة وأسكنها فسيح جناته.

الرابط المختصر :