; قراءة جديدة للتاريخ.. الصفحات الأخيرة من حضارتنا.. سقطوا حين ساعدوا على سقوطها | مجلة المجتمع

العنوان قراءة جديدة للتاريخ.. الصفحات الأخيرة من حضارتنا.. سقطوا حين ساعدوا على سقوطها

الكاتب د. عبدالحليم عويس

تاريخ النشر الثلاثاء 13-فبراير-1973

مشاهدات 12

نشر في العدد 137

نشر في الصفحة 33

الثلاثاء 13-فبراير-1973

تدرج الكتب المدرسية في العالم العربي على وصف الحركات المناهضة للدولة العثمانية «بالحركات الاستقلالية»!

وهذا التعبير يوازي بين حركات الاستقلال عن الاستعمار الإنجليزي والفرنسي - مثلًا - وبين حركات التمرد على الخلافة العثمانية.. وفي تصور أصحاب هذا التعبير أن الدولة العثمانية لا تعدو أن تكون استعمارًا.. تمامًا كالاستعمار الإنجليزي. وبالتالي يعتبر الانفصال عنها استقلالًا والانشقاق عنها تحررًا.. دون أية تفرقة بينها وبين الاستعمار الأوروبي.

وهؤلاء المسيطرون على المناهج التعليمية، والذين يفرضون هذه الروح على دراسة «الخلافة الإسلامية العثمانية» يتعمدون الوقوع في عدة أخطاء!

أولها: التجاهل التام لوشيجة «الإسلام» التي تربط العثمانيين بالعرب، وهي وشيجة غير متوفرة في الاستعمار الأوروبي.

ثانيها: ويتجاهل هؤلاء كذلك أربعة قرون («أربعة أخماس») من الهزيمة العثمانية في موقف الدفاع عن حياتها، وتتعلق في سبيل ذلك بأي خيط، وتضرب بقوة المشرف على الغرق!!

ثالثها: وهؤلاء كذلك يتجاهلون أن الانفصال عن العثمانيين كان لحساب الاستعمار الأوروبي، وأنه - هو - الذي كان يقوده، مغذيًا في العرب روح الانفصال لمصلحته!!.. وإن الوعي الديني والقومي الصحيح - لو كان موجودًا - لأوجب التمسك بالخلافة وقيادتها في هذه المرحلة على الأقل - كضربة للاستعمار الأوروبي!!

لقد قدمت حركات الانفصال هذه أكبر خدمة للاستعمار الأوروبي، وفي الوقت نفسه جرت على الأمة العربية أكبر الويلات، وكان أكبر ويلاتها مأساة فلسطين، ثم ما تبعها من عار وفضيحة 1967م.. وما يمكن أن يجود به الزمان بعد ذلك من ويلات - في غيبة الإسلام!

ولم يقف أمر خطأ هذه الحركات عند هذا الحد، بل إنها وقعت في خطأ «أيديولوجي» آخر... فتركيا الإسلامية لم تكن أبدًا حين بدأوا ينشقون عنها في مرحلة «استعمار».. فالاستعمار مرحلة تاريخية معينة - بحسب تعريفهم هم - تقف في قمة الهرم الرأسمالي، أي إنها مرحلة اقتصادية تعني توفر رؤوس الأموال لدرجة تتطلب فتح أسواق جديدة وتوفير أيدٍ عاملة ومواد خام.. فهل كان العثمانيون يعيشون «مرحلة الاستعمار» هذه؟ أم أنهم كانوا بحاجة إلى إصلاح اقتصادي بداخل تركيا نفسها؟

إن كثيرًا من المصلحين لم تفتهم هذه الحقيقة.. وعلى رأسهم الزعيم «مصطفى كامل» في مصر، و«عبد العزيز جاويش»، ومحمد فريد، وغيرهم، بل إنني أشك كثيرًا في أن أكثر الزعماء الإسلاميين الإصلاحيين كجمال الدين الأفغاني، والشيخ محمد عبده.. أشك في أن هذه الحقيقة قد فاتتهم. وما كانت دعوة هؤلاء دعوة انفصالية عن الخلافة، وإنما كانت دعوة إلى إصلاح أمر الخلافة الذي كان يميل إلى التداعي بفعل مؤثرات خارجية كثيرة، ومؤثرات أخرى داخلية.

وقد وقعت هذه الحركات في خطأ آخر كبير.

فمنذ أواخر القرن التاسع عشر أخذت الحركة الصهيونية التي بدأت تأخذ شكلًا تنظيميًا واضحًا مرتكزًا على الأيديولوجية «الصهيونية»، محاولة الوصول إلى أهدافها في إقامة دولة يهودية في فلسطين العربية.

وفي سنة 1897م (والسلطان عبدالحميد - رحمه الله - هو الحاكم) عُقِد المؤتمر الصهيوني بزعامة هرتزل في مدينة «بال» بسويسرا، وهو المؤتمر المعروف باسم «مؤتمر بال».. ووضعت خطة إنشاء وطن قومي يهودي في فلسطين…

وقد حاول الصهاينة بقيادة هرتزل إقناع «السلطان عبد الحميد» العثماني - عدو القوميين العرب - بالسماح لهم بالهجرة إلى فلسطين.. فرفض السلطان رفضًا قاطعًا ولم يكتف بهذا، بل وأصدر قانونًا بمنع الهجرة اليهودية، وبمنع إقامة مستعمرات لليهود في فلسطين.

وكان هذا هو «قشة البعير» -كما يقولون- التي قصمت ظهر الرجل المظلوم.. فحرك الصهاينة حركات التحرر والحركات القومية، والاستعمار الإنجليزي، ووجدت الإمبراطورية العثمانية نفسها أمام طوفان من المشاكل لا ينتهي... كان أشدها وأبعدها أثرًا حركات التمرد الداخلي، ومن الغريب جدًا أن يكون لحركة الثورات ضد الخلافة العثمانية في داخل البلدان العربية من الطوائف غير الإسلامية، والإسلامية المتطرفة التي تحركها - أيديولوجيًا وحركيًا - أيادٍ أجنبية... لكن مع ذلك، وبتأثير شعارات براقة صنعها اليهود.. بتأثير هذا وغيره من الوسائل اندمج في هذه التجمعات المضادة للخلافة بعض العناصر الإسلامية.. ولم تأت سنة 1918م.. إلا وكان السلطان عبدالحميد المظلوم قد سقط، ووقعت جميع الأقطار العربية كمناطق نفوذ لبريطانيا وفرنسا.. وأيضًا.. صدر «وعد بلفور» المشؤوم في 2 نوفمبر 1917م.. وبدأت فلسطين تقع تحت الظروف الممهدة للزوال.. وكانت أول الخطوات في ذلك وقوعها تحت الانتداب البريطاني في عام 1920م..

وبين الحربين العالميتين (1918 - 1939م) كان التطبيق العملي.. والمؤامرة العالمية، وأيضًا في الجانب الآخر.. الحركات الداخلية الممتصة للطاقة والمبددة لها والصارفة لها عن الخط الحقيقي لاستهلاكها.. كان ذلك كله يعمل على سقوط الخلافة العثمانية، وسقوط العرب.. بدءًا من فلسطين!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 4

179

الثلاثاء 07-أبريل-1970

من أعماق الأفغاني

نشر في العدد 6

216

الثلاثاء 21-أبريل-1970

مع القراء - العدد 6

نشر في العدد 20

503

الثلاثاء 28-يوليو-1970

نحو حركة إسلامية عالمية واحدة (1)