; قراءة دستورية.. في نتائج الانتخابات البرلمانية.. الكويتية (١-٢) | مجلة المجتمع

العنوان قراءة دستورية.. في نتائج الانتخابات البرلمانية.. الكويتية (١-٢)

الكاتب محمد عبد المحسن المقاطع

تاريخ النشر السبت 08-يوليو-2006

مشاهدات 52

نشر في العدد 1709

نشر في الصفحة 12

السبت 08-يوليو-2006

  • كشفت الانتخابات أن مزاج الناخب والناخبة عبر عن النبض الحقيقي للقضايا التي عاشتها البلاد في الفترة الماضية.

  • الاتجاه لتعيين رئيس وزراء شعبي يعد خيارًا جوهريًّا نحو تلمس أصداء ما كشفته الإرادة الشعبية في هذه الانتخابات

أسدل الستار صبيحة يوم الثلاثين من شهر يونيو ٢٠٠٦م على مشهد الانتخابات البرلمانية الكويتية، وقد انعكست حالة الحراك السياسي ومطالبات الإصلاح وأزمة الدوائر وما صاحبها من حل لمجلس الأمة على الأجواء الانتخابية، وألقت بظلالها بصورة واضحة على النتائج التي تمخضت عنها هذه الانتخابات.

وواضح من هذه الانتخابات أن مزاج الناخب والناخبة الكويتية كان مزاجًا يعبر عن حالة النبض الحقيقي للقضايا التي عاشتها البلد في الفترة الماضية، وهو ما يستلزم أن تتم قراءة نتائج هذه الانتخابات بصورة صحيحة، لضمان احترام الإرادة الحقيقية للناخبين، وهو الأمر الذي يستلزمه ويتطلبه الدستور الكويتي في مختلف مواده، وعلى وجه الخصوص المواد «٦، ٥٧،٥٦، ١٠٨» وتفرضه التقاليد البرلمانية، وهي نفس التقاليد والأصول والمبادئ البرلمانية التي تبناها النظام الدستوري الكويتي بصورة واضحة، وقد عبرت عن هذا المعنى المذكرة التفسيرية للدستور الكويتي حينما أوضحت ضرورة أن تنعكس أصداء الانتخابات وجديدها على الحكومة الجديدة، وذلك على النحو التالي:

«وتنحي الوزارة وتشكيل وزارة جديدة- ولو كان أعضاؤها كلهم أو بعضهم أعضاء بالوزارة السابقة-  أمر توجبه الأصول البرلمانية التي تذهب في هذا الشأن إلى أبعد من ذلك المدى، إذ تقرر أن الوزارة الجديدة لا يستقر بها المقام، أو لا تعين أصلًا تعيينًا نهائيًّا, إلا بعد الحصول على ثقة المجلس النيابي الجديد، وهذا أمر منطقي لأن تجديد الانتخابات معناه التعرف على الجديد من رأي الأمة، وهذا الجديد لا يصل إلى الحكومة إلا بإعادة تشكيل الوزارة وفقًا لاتجاهات وعناصر المجلس الجديد».

وفي ضوء ما أفرزته الانتخابات، فإننا سنورد القراءات التالية بخصوص نتائج الانتخابات:

  • القراءة الأولى: الاستفتاء الشعبي على الدوائر حسم التوجه الإصلاحي بالتقليص.

  • القراءة الثانية: حكومة الأغلبية البرلمانية.. خيار الإرادة الشعبية.

  • القراءة الثالثة: الاختيار الشعبي يفضل الأحزاب والبرامج على الأفراد والاختيار التقليدي.

  • القراءة الرابعة: اتجاهات المرأة في التصويت برامجية ومنهجية وليست محافظة فقط.

القراءة الأولى: الاستفتاء الشعبي على الدوائر حسم التوجه الإصلاحي بالتقليص

إن فلسفة الحل في الأنظمة البرلمانية قاطبة، وفي النظام الدستوري الكويتي أيضًا هو في أحد وجوهه الأساسية العودة للشعب صاحب الإرادة الحقيقية، والكلمة الفصل وفقًا للمادتين «٦، ۱۰۸» من الدستور، للتعرف على رأيه في موضوع كان محلًا للخلاف والتجاذب البرلماني والسياسي، والاستقطاب الذي تمحور حوله الطرح العام واتجاهات الشعب بشأنه .

وقد كان سبب حل مجلس الأمة - كما ورد في مرسوم الحل - هو حالة الانقسام التي تمت في شأن الدوائر الانتخابية، ولما كان انقسام الناس بخصوصها كما رأينا بين الرأي الراغب في تقليصها إلى خمس دوائر أو ربما دائرة واحدة، وهو التوجه الذي تبناه ۲۹ نائبًا في المجلس المنحل، بل كان سببًا لتقديم استجواب لرئيس مجلس الوزراء لعدم جدية الحكومة، ونظرًا لتقاعسها في التماشي مع هذه الرغبة الخاصة بتقليص الدوائر إلى خمس، والرأي الآخر الذي تبنته أقلية برلمانية وصل عددها إلى 19 نائبًا، وكان يرى الإبقاء على الدوائر كما هي أو تقليصها إلى عشر دوائر، مع محاولة إرجاء البت بالموضوع بحجة تحقيق العدالة والمساواة، وهو الاتجاه الذي توافقت معه الحكومة التي قدم استجواب لرئيس وزرائها في الفصل التشريعي العاشر وقبل الحل.

وإذ تركزت الحملات الانتخابية وأطروحات المرشحين، سواء من كان منهم يمثل اتجاهات سياسية أو كتلًا برلمانية، أو ترشيحات فردية على موضوع الدوائر بين من يراه مدخلًا حقيقيًّا وطبيعيًّا لمرحلة الإصلاح، وموجهًا أصابع الاتهام إلى الحكومة في شأن المسؤولية عن عرقلة هذا التوجه الإصلاحي والحيوي، وبين من رأى أن لك توجه فئوي أو مصلحي، مرجحًا لإبقاء على الدوائر كما هي أو تأجيلها. 

وإن الانتخابات الأخيرة تعد استفتاء معيبًا صريحًا يطالب بالإصلاح، وضرورة أن تكون الدوائر الانتخابية هي خيار المرحلة القادمة، وفي أولى جلسات برلمان حتى يتم تصحيح المسار الفاسد الذي كانت عليه الدوائر الانتخابية، حتى تكون الإرادة الشعبية التي عبرت عنها صناديق الاقتراع في يوم ٢٠ /٦/٢٠٠٦م هي صاحبة القول الفصل في حسم هذا الموضوع الحيوي وعدم التأخر فيه.

ولئن أصبحت الإرادة الشعبية الاستفتاء الانتخابي الذي تم في يوم ٢٠/٦/٢٠٠٦م حاسمًا في موضوع الدوائر الانتخابية، فإن وضع الحكومة السابقة يعني وبصورة قاطعة عدم تناسبها مع المرحلة الجديدة؛ لأنها هي الحكومة التي اتجهت إلى خيار الحل وفقًا للمادة ۱۰۷ من الدستور.

وغني عن البيان أن حل مجلس الأمة وفقًا لنص المادة «۱۰۷» من الدستور لا يجوز أن يتم لنفس السبب مرتين، وهو ما يعني أنه لا يجوز أن يتم حل مجلس الأمة الحالي والمنتخب يوم ٢٩/٦/٢٠٠٦م إذا كان ذلك مرتبطًا بفكرة الإصلاح السياسي بصورة عامة وبموضوع الدوائر الانتخابية والاختلاف بشأنها بصورة خاصة، بل إن الخيار الوحيد وفقًا للمادتين «۱۰۷، ۱۰۲» في هذه الحالة هو اللجوء إلى إعفاء رئيس مجلس الوزراء من منصبه. 

القراءة الثانية: حكومة الأغلبية البرلمانية... خيار الإرادة الشعبية

إن الانتخابات الأخيرة كشفت بصورة واضحة أن الالتقاء والتوافق على كتلة شعبية ائتلافية واسعة، يمثل ما يمكن أن يعتبر تحالفًا وطنيًّا عامًا جمع كل الأطياف والتكتلات والاتجاهات السياسية والبرلمانية وأصحاب الرأي البرلماني من الأفراد أيضًا، وهو ما أفرز نتيجة طبيعية للانتخابات، تمثلت في أغلبية برلمانية متحالفة لمشروع إنقاذ وطني تتصدر قائمة أجندته السياسية  قضية الإصلاح السياسي والانتخابي والمالي.

وفي ضوء ذلك، فإن الاتجاه إلى تعيين رئيس وزراء شعبي - يمثل عمق النظام البرلماني المكرس في الدستور الكويتي من جهة، ويتجاوب مع الأغلبية البرلمانية المتحالفة التي تمكنت من حصد معظم مقاعد البرلمان من جهة أخرى- يعتبر خيارًا جوهريًّا اليوم نحو تلمس أصداء ما كشفته الإرادة الشعبية في هذه الانتخابات، وهي العبارة التي عبرت عنها المذكرة التفسيرية بالعبارة التالية: «إذ تقرر أن الوزارة الجديدة لا يستقر بها المقام- أو لا تعين أصلًا تعيينًا نهائيًّا-إلا بعد الحصول على ثقة المجلس النيابي الجديد، وهذا أمر منطقي؛ لأن تجديد الانتخاب معناه التعرف على الجديد من رأي الأمة، وهذا الجديد لا يصل إلى الحكومة إلا بإعادة تشكيل الوزارة وفقا لاتجاهات وعناصر المجلس الجديد».

وليس بالأمر المقبول دستوريًّا أن يتم الحديث فقط عن استبعاد ما يسمى في الطرح السياسي العام بعناصر التأزيم من الوزراء، أو بعناصر الفساد من الوزراء أو بعناصر عدم القدرة على النهوض بالمشروع الوطني الأعم من أولئك الوزراء، بل إن المطلوب هو تغيير في منهجية وأسلوب وطريقة تشكيل الحكومة التي كانت تشكل على أساس مجموعة من الأشخاص يصبحون وزراء، لا يعرفون بعضهم وأنهم داخلون في نفس الوزارة، ولا تجمعهم رؤية واحدة, ولا يكون لأي منهم القدرة على أن يعترض على آخر معه في نفس التشكيلة الوزارية.

وحيث إن التشكيلة ذات الأغلبية البرلمانية الداعمة لها، والمرتكزة على كونها حكومة ائتلاف وطني موحد يجمعها البرنامج والأولويات والإصلاح, ويربطها التوافق في هذا التوجه الوطني والشعبي الذي كشفته الانتخابات الأخيرة، هي السبيل لاستقرار البلد وحسم خياراتها بهذا الاتجاه، فإن هذا الأمر يصبح أساسًا دستوريًّا لا يجوز الحيدة عنه أو الابتعاد عن جوهره حتى نحقق الاستقرار ونبتعد عن حالة الاحتقان السياسي والصراع البرلماني الذي سيكون نتيجة طبيعية لعدم تفهم جديد الانتخابات وحسن القراءة لما حملته من نتائج لا يجوز الخطأ في قراءتها .

ولعله من الأهمية بمكان أن نشير إلى أن الدستور الكويتي قد كرس مبدأ فصل السلطات واستقلال كل منها في إدارة شؤونها مع التعاون، وهذا يحتم امتناع الحكومة في التصويت على اختيار رئيس المجلس ونائبه ولجانه إن كان لدى الحكومة تقدير للاتجاهات التي حملتها الانتخابات، واحترامها لرأي الأغلبية في البرلمان، وعدم تمسكها بذلك سيقود أو يمكن أن يقود الأغلبية البرلمانية إلى حجب رأيها في اختيار رئيسها ونائبه ولجانه واعتبار هذه الحكومة غير متعاونة، ويمكن أن يستخدم الأدوات الدستورية في مواجهتها مثل الاستجواب لرئيس الوزراء وحجب الثقة عنه.

يتبع العدد القادم إن شاء الله

الرابط المختصر :