العنوان قراءة إسلامية في مذكرات سايروس فانس
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 09-أغسطس-1983
مشاهدات 72
نشر في العدد 632
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 09-أغسطس-1983
منذ فترة أخرج وزير الخارجية الأمريكي في عهد الرئيس كارتر «سايروس فانس» مذكراته التي حفلت بالأحداث السياسية في فترته عندما كان بالوزارة والتي ألمت بكثير من الحقائق التي لم يكشف النقاب عنها – والتي نشرتها «القبس» في حلقات، وفي الحلقة الواحدة والعشرين، وقفات كثيرة أحرى بالشباب المسلم تأملها والوقوف عندها لما تحمل من حقائق، ولما فيها من حقائق عن سياسة أمريكا في العالم الثالث وموقفها من كل دولة تعاديها.
الوقفة الأولى عند اليأس تحاول صنع الانقلاب:
وفي معرض كلامه عن الثورة في إيران والأحداث التي أعقبت مجيء الخميني يقول «في ۱۱ شباط «فبراير» مع تفكك المؤسسات العسكرية استقال بختيار ولجأ إلى الاختباء. أما القادة العسكريون فقد أدركوا عبث المزيد من المقاومة فأمروا قواتهم بالتزام الثكنات. وفي اليوم التالي تعرض لهجوم عنيف المبنى الذي يضم القيادة العليا للقوات المسلحة والمجموعة الاستشارية للمعونة العسكرية الأمريكية، وفي دراما مؤلمة ناضل سوليفان «سفير أمريكا في إيران» وموظفوه لاستخراج المستشارين العسكريين الأمريكيين من القتال وفي هذه الأثناء، اتصل ديفيد نيوسوم هاتفيًا مع سوليفان من غرفة تقدير الموقف بالبيت الأبيض ليسأل عن تقديره لفرصة انقلاب فوري. وأجاب سوليفان الذي كان تحت الضغط في محاولة إنقاذ الأمريكيين إجابة نابضة بالحيوية، لكنها غير قابلة للنشر».
التعليق:
هذه هي سياسة أمريكا بالنسبة لحلفائها، فإذا أحست أنها ستفقد أحد حلفائها بسبب ضغط جماهيري أو بروز حزب أقوى من الحزب الموالي لها فإنها تحاول عن طريق حلفائها في جيش تلك الدولة من الضباط عمل انقلاب عسكري، وهذا تمامًا ما حدث مؤخرًا في تركيا عندما برز حزب السلامة الإسلامي بروزًا أرعب الخصوم هذا، سارعت أمريكا لصنع انقلاب ثم زج بقادة الحزب الإسلامي في السجون بعد محاكمة مسرحية ظالمة، وهو ذاته الأسلوب الذي حدث في كثير من الدول العربية بعد أن تنامت بها الحركات الإسلامية وخافت أمريكا فقدان الحليف.
الوقفة الثانية - من الانقلاب إلى تحسين العلاقات:
ويقول في موضع آخر «كان السؤال المُلحّ بالنسبة لواشنطن بعد رحيل بختيار هو إذا ما كانت تفتح علاقات دبلوماسية مع حكومة بازركان المؤقتة. وكان بازركان قد عين للمناصب الرئيسية عددًا من المعتدلين».
التعليق:
فإذا يئست من عمل انقلاب واستحال عليها ذلك لجأت إلى أسلوب النفاق، حتى لا تفقد الحليف القديم فقدانًا تامًا، فإنها تلجأ إلى تحسين العلاقات والاعتراف بالكيان الجديد، لتفويت الفرص على روسيا في كسب الموقف خاصة إذا كانت هذه الدولة ممن تستفيد أمريكا من بعض خيراتها كالنفط مثلا - وهذا الأسلوب المتناقض واضح جدا خاصة في العالم العربي وعلاقة أمريكا بالنسبة للدول التي تدعي أنها عدوة لها - مثل ليبيا وسوريا.
الوقفة الثالثة – وضع مؤسسات ديمقراطية لتجنب المعارضة:
وفي نقده لسياسة الشاه يقول: «فلو لم يفقد الشاه إدراكه بأن السعي إلى التحديث الاقتصادي والاجتماعي يجب أن يصحبه خلق مؤسسات سياسية ديمقراطية، لربما أمكن تجنب المأساة».
التعليق:
وهذا هو ما ينصح به الأمريكان حلفاءهم في العالم بأن يتبعوه دائمًا ليتجنبوا المعارضة من التيارات المتناقضة في مجتمعاتهم، لذلك نلاحظ حرص بعض الطغاة في العالم العربي ممن يحكمون شعوبهم بالنار والحديد، يحرصون على وضع مؤسسات ديمقراطية وهمية وعمل انتخابات صورية تكون نتيجتها دائمًا (99,999)، أو وضع برلمانات لتفريغ طاقات المعارضة في هذه البرلمانات، والتي تستطيع فيها الحكومات تمرير ما تريد رغمًا على أنف المعارضة، وبهذا يكون ظلمها مقننًا مجمعًا عليه في مجلس يمثل الأمة. وليفرح قطاع السذج الكبير ويقولون بافتخار أمام دول العالم في بلادنا حرية.
الوقفة الرابعة - خوف روسيا وأمريكا من الحركات الإسلامية:
ومبرهنًا على أن الروس لم يكن لهم دخل في سقوط الشاه يقول فانس «وعلى مدى السنين توصلت موسكو إلى طريقة للتعايش مع الشاه الذي كانت ترى فيه قوة تستطيع أن تكبح الأصولية الإسلامية الثائرة، ويجب أن يكون في ذهن المرء المخاوف الروسية الراسخة من ثورية الإسلام. ويجب أن تكون في ذهن المرء المخاوف الروسية الراسخة من الإحياء الإسلامي الذي يمكن أن يحرك بسرعة الجماهير الإسلامية النامية في جمهوريات وسط آسيا السوفيتية باتجاه معارضة السيطرة الشيوعية».
التعليق:
إذن فروسيا لا يهمها من يكون الرئيس سواء كان شيوعيًا أو كان أمريكيًا خالصًا عدوًا لسياستها، فأهم ما تركز عليه أنه غير مسلم يريد بعث الإسلام، مع أننا لنا ملاحظات كثيرة على الثورة في إيران إلا أنها بسبب صبغتها الإسلامية نجد هذه الخشية من روسيا وأمريكا، وهذا الأمر ليس مقتصرًا على إيران فحسب، ولكن نلاحظ هذا الخوف من الحركات الإسلامية في كل أنحاء العالم، فعندما قويت الحركة الإسلامية في مصر أيام السادات وقامت بتحريك الشارع المصري أرعب ذلك أمريكا مما جعل كارتر يرسل رسالة خاصة لبعض الخونة في مصر من الكتاب والعسكريين بدراسة شاملة للحركات الإسلامية وذلك قبل أن يضربها السادات، وكذلك الحال في معظم الدول العربية.
الوقفة الخامسة - تقاسم السلطة:
وفي حسرات وندم على فوات الأوان بعدم نصيحة الشاه على مقاسمة السلطة مع المعارضة «ربما» - لو كنا منذ البداية مستعدين لاتخاذ قرارات أساسية للشاه، تمكنه من التغلب على تردده في إيجاد طريقة لتقاسم السلطة مع خصومه. ولكن حتى عندئذ، فربما كان الأوان قد فات».
* شابور بختيار * مهدي بازركان
التعليق:
وهذا أسلوب آخر خبيث، يستخدم عند اليأس من سيطرة حليفهم على السلطة لتنامي المعارضة وقوتها، وهذا ما حدث عندما استلم عبد الناصر الحكم بعد ثورة يوليو، في الوقت الذي كان رصيده الشعبي صفر خاصة بعد صراعه مع محمد نجيب الرئيس المحبوب من قبل الشعب، وبعد رفضه طلبات الشعب بوضع برلمان، فلذلك دعا «الإخوان المسلمين» لما لهم من رصيد شعبي قوي، بأن يشاركوه بالسلطة، طبعًا بالطريقة التي يريد، ولإدراك الإخوان بهذه اللعبة، ولإصراره هو بعدم تطبيق الإسلام، رفض الإخوان المشاركة، ولعل شيئًا من هذه المشاركة حدث في فترة من الفترات في تركيا، ويحدث الآن في السودان. وبهذا الأسلوب يظلون في مأمن من تغلب المعارضة والسيطرة على الحكم، وهذا ما لم يفقهه شاه إيران، فكان ما كان.
الوقفة السادسة - استغلال انقسامات الجماعات الإسلامية:
وفي لهجة خبث السياسي الأمريكي يقول «كانت هناك انقسامات في المعارضة الدينية كان بوسع الشاه أن يستغلها».
التعليق:
هذه الكلمة التي تحرق الفؤاد، يجب أن يسمعها كل منتمٍ إلى جماعة إسلامية ليرى أثر الاختلاف وكيف يستغل من قبل أعداء الله، فمتى نفقه ذلك؟ ونترك اتهام بعضنا الآخر والحقد بين أفرادنا دون التذكر بأصول وآداب الإخوة الإسلامية، حتى غدت خلافاتنا أمام العامة وبالصحف اليومية، وهكذا استغل أعداء الإسلام هذا الخلاف واستثمروه استثمارًا كبيرًا في دولة مثل مصر ومثالًا على ذلك، استغل السادات الجماعة التي يطلق عليها المخابرات المصرية «جماعة التكفير والهجرة» وبسبب خلافها مع باقي الجماعات استُغلت في ضرب بعض الجماعات وعمل مشاجرات كبيرة، وأخيرًا استأصلها هي باتهامها بجريمة لم تفعلها بعد أن امتص ما يريد منها، وما لم تستيقظ الجماعات الإسلامية لهذا المخطط الخبيث، فإنها ستعض الأيدي من الندم يوم لا ينفع الندم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل