العنوان قراءة في خطاب د. طارق رمضان حول تعليق تطبيق الحدود
الكاتب وسام فؤاد
تاريخ النشر السبت 30-أبريل-2005
مشاهدات 66
نشر في العدد 1649
نشر في الصفحة 44
السبت 30-أبريل-2005
قبل أيام قلائل أصدر الدكتور طارق رمضان، أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة فريبورج بسويسرا، عريضة حول تعليق تطبيق الحدود في الدول العربية والإسلامية مستندًا إلى اعتبار أن حالة من عدم العدل تسود الدول العربية والإسلامية مما يقدح في نزاهة عملية تطبيق الحدود.
وبرغم أن العريضة قدمت ادعاء لم تتوافر معه إحصاءات أو حجج، إلا أن أصل القضية الذي تحدثت فيه إن صح فإنه يستدعي وقفة فقهية وفكرية رصينة، لكن مع خلو الورقة من الحجج التي تدعم دعوى رمضان، مما قدح في قوتها وصدقيتها، إلا أن هذه العريضة حوت مجموعة من الأطروحات المهمة التي ينبغي على حملة الخطاب الإسلامي الانتباه إليها ومراعاتها في صوغ ما يستجد من أطروحاتهم، وقبل التطرق إلى هذه المقولات لا بد لنا من الوقوف على ملامح الخطاب الذي قدمه طارق رمضان في عريضته.
مسلمات الخطاب وتداعياتها:
إذا أردنا أن نقف على منطلقات خطاب طارق رمضان، التي لم يتم ذكرها صراحة في عريضته، فسنجد أن طارق رمضان قد تحدث بصفته مسلمًا أوروبيًا، تعاني الجماعة المسلمة التي يندرج تحت لافتتها في أوروبا لمضايقات وتساؤلات عدة تسببها ممارسات المسلمين في الدول العربية، حيث تركز وسائل الإعلام الغربية على صورة الإسلام وملامح السلبية فيه، وأبرزها التأكيد على وحشية قانون العقوبات أولًا، وعدم عدالته ثانيًا، ويتأسس خطاب طارق رمضان على التأثير الفعال الثورة الاتصال في نقل صورة الوحشية وانعدام العدالة، وتأثير هذه الصورة على فرص تقبل اندماج المسلمين في الطرح الاجتماعي- الثقافي الغربي.
وقد أدى انعدام الحجج -التي كان من المفترض أن يدعم بها حديثه عن جور تطبيق الحدود- إلى جعل الخطاب يبدو غير متزن ومتحيزًا لصالح مسلمي أوروبا دون مسلمي الدول الإسلامية برغم أنهم موضوع العريضة الأساسي، بدءًا من أول كلماته «يتعرض المسلمون عمومًا والجاليات الإسلامية على وجه الخصوص لسؤال أساسي وإن بات روتينيًا وهو يتعلق بتطبيق العقوبات ذات الصلة بقانون العقوبات الإسلامي».
كان من الممكن في إطار اعتماد طارق رمضان على العدل في نطاقه البشري - كاقتراب منهجي- أن يتحدث عن تضرر صيغة العدل التي يطرحها مسلمو الغرب من ممارسات جائرة تمس المسلمين على أرضية قسوة، قانون عقوباتهم، مع الموازنة بين المصالح المشتركة لمسلمي الغرب والعرب من جراء معالجة هذه القضية، لكن في خطابه ارتبطت المصلحة بأن مسلمي الغرب يتعرضون لهذه الاتهامات، وليس أن مسلمي الدول الإسلامية يعانون من وحشية غير مبررة في تفسير الحدود، ولهذا جاء تركيز الورقة على الضغوط الواقعة على مسلمي الغرب بسبب القضية وليس حقيقة ما يعاني منه مسلمو الدول العربية والإسلامية بدليل خلو الورقة من إحصاء واحد.
والواقع أن مسلمات خطاب البروفيسور طارق رمضان التي أشرنا إليها أثرت على خطابه تأثيرًا كبيرًا، وبرغم أن خطابه حافل بنقاط إيجابية سنعرض لها في حينها، إلا أن استبطان انتمائه الأوروبي جعل إسقاطات خطابه كلها تنصرف إلى اتهام المجتمعات الإسلامية بالعاطفية واتهام علماء المسلمين في العالم الإسلامي بالخوف على مكانتهم أكثر من خوفهم على الشريعة، ووصل الأمر لدرجة اتهام طارق رمضان للمسلمين بأن كراهيتهم للغرب، وهي الكراهية التي تقف وراءها أسباب وجيهة، حولت المسلمين وطليعتهم من الحركات الإسلامية إلى مجموعة من المازوخيين «محبي الألم» أو المرضى النفسيين الذين يعانون من مرض حب الألم واستعذاب التألم، حتى إنهم يعلنون قبولهم مبدأ تطبيق الحدود قبولًا مجملًا وفوريًا -برغم ما قد يحيق بتطبيقها من ظلم- لمجرد أن الغرب لمح إلى أن ممارسات الحدود تشوبها شائبة عدم العدل في بعض التجارب التي تطبق الحدود، ويضاف إلى ذلك أخيرًا تكراره اتهام تطبيق الشريعة بالقسوة والظلم، كل هذه السمات جعلت صيغة الخطاب تبدو مستفزة إلى حد كبير، ولعل هذا ما يفسر احتداد الرد عليه من قبل العلماء.
والمشكلة الأساسية في مثل هذه العريضة أنها جاءت خلوًا مما يدعم المقولات التي بدت تهجمية، سواء بحجج حول خطأ الحكومات كجهة تطبيق للحدود، أو حول واقعة أو مجموعة وقائع تشير إلى تراجع العلماء عن رفضهم لقسوة الحدود، أو شهادة لأحد أبناء الحركة الإسلامية عن تمسكهم بالحدود لا بسبب إخلاصهم في الإيمان بالله، بل لأن طرح الغرب يكره تطبيق الحدود.
محطات مهمة في الخطاب:
برغم السلبيات التي تضمنها الخطاب الذي قدم من خلاله طارق رمضان عريضة مشروع بتعليق الحدود، وهو ما أدى لتحمل صياغاته سلبيات عرضية، إلا أن خطابه تضمن عددا من الأطروحات والمضامين المهمة التي تستحق الوقوف عليها وإجلاءها.
- المحطة الأولى المهمة: في خطاب طارق رمضان تتمثل فيما يمكن أن نطلق عليه ترشيد التعاطي مع رموز الشريعة، فقد لفت طارق رمضان النظر إلى قضية مهمة، ألا وهي ضرورة تخير رموز الخطاب الإسلامي في توقيت نحن فيه في مسيس الحاجة إلى تجويد طريقة عرض هذا الدين الذي تكمن أزمة الدعوة إليه في ذلك القدر من السلبية الذي يحيط بصورته هو في ذاته، فضلًا عن قدر عال من السلبية يحيط بحملة هذا المشروع المسلمين أنفسهم.
والواقع أن تمسك حملة المشروع الإسلامي بالحدود ليس بالصورة المبالغ فيها التي طرحها البروفيسور طارق رمضان على نحو ما أرى، أو على الأقل لا توجد دراسة استطلاعية ترصد هذا الأمر بصورة علمية تجعلنا نقطع بصحة هذا الأمر - قطعًا أو ظنًا- لكن برغم أن الحدود ليس لها هذه المكانة الرمزية العالية في نظر المسلم أو حامل المشروع الإسلامي، إلا أنها فعلًا تمثل أحد الرموز الموضوعية «بخلاف الرموز المشخصنة المتمثلة في الأشخاص الذين يحملون الخطاب ويتحركون وفق معطياته» التي تقع على هامش وعي حملة هذا المشروع: إضافة إلى رموز أخرى مثل «العفة» و«التطهر من الفساد» و«التكافل الاجتماعي» و«الجرعة الروحية العالية في زمان المادية المفرطة»، فضلًا عن «التاريخ الذي تضمن تحويل العرب من جماعات متشرذمة متقاتلة إلى أقوى أمة تحركت برسالة اجتماعية روحية خلبت ألباب رجالات أمم زمانها».
إن طرح طارق رمضان يلفت أنظار المسلمين إلى ضرورة مراجعة الرموز الموضوعية التي نقدمها على رأس قائمة الخطاب الإسلامي الذي أخذنا على عاتقنا حمله بين الناس دعوة كان أو سياسة أو حتى على مستوى إدارة التفاعلات الاجتماعية البسيطة.
- المحطة الثانية المهمة: في هذا الإطار لا تقل أهمية، حيث أشار طارق رمضان إلى أن رفض الغرب لبعض السلبيات في خطابنا الإسلامي يجعلنا نتمسك بها برغم كونها سلبية، وأطروحة البروفيسور طارق رمضان هنا تتمثل في رؤيته لحضور الآخر الغربي سلبيًا في صياغة الخطاب الإسلامي، وصولًا إلى درجة أن الرغبة في مخالفة الغرب وإنكار تدخله في صياغة خطابنا قد تجعلنا نصوغ هذا الخطاب بحيث يتضمن رموزًا لا نحتاج لتصدير الخطاب بها لا لشيء إلا لأن الغرب استنكر تضمين هذه الرموز في الخطاب، والحقيقة أن الحقبة التي نعيشها تتضمن نماذج عدة على هذا المثال الذي ضربه طارق رمضان، ومنها مثلًا خطاب الإصلاح وقضية الديمقراطية وقضية ضرورة تخليص صورة الإسلام من الممارسات غير الإسلامية التي تحكم علاقة مجتمعاتنا المسلمة بهموم وآمال المرأة وقضاياها.
وهذا الطرح يجعلنا نعقب على أمرين:
أولهما: أن حضور الغرب في مشروعنا وخطابنا لا بد أن يتوزع على ثلاث صور هي:
- صورة القوة الاستعمارية، وهي صورة لا بد وأن يتضمن الخطاب الإسلامي رفضها.
- صورة الإنجاز التقني والاجتماعي، وهي صورة لابد وأن يتضمن الخطاب الإسلامي استيعابها والإفادة منها.
- الإنسان الغربي، وهو جزء من الحالة الإنسانية المستهدفة برسالة الإسلام ودعوته.
فلا بد من تمييز الخطاب الإسلامي بكل أطيافه بين هذه الزوايا الثلاث من زوايا إدراك الحالة الغربية.
كما أننا في صياغة خطابنا لا ينبغي لنا أن نضع الغرب في مركز هذه الصياغة، سواء باستهدافنا إياه أو بتبني صيغة مخالفة لأطروحته لمجرد أنه عاب علينا هذه الأطروحة.
إن صياغتنا لخطابنا الإسلامي لا بد وأن تنبع من مركزية مشروعنا نحن، وفق قراءتنا نحن للظرف التاريخي، واجتهادنا نحن في قراءة تعاطي معطيات الوحي مع هذه القراءة.
ج- المحطة الثالثة: المهمة من محطات ملامح خطاب طارق رمضان في هذه العريضة تتمثل في أطروحته حول «لياقة إطار تطبيق الأحكام الشرعية»، ويصرح طارق رمضان بقضية بالغة الأهمية تتمثل في أننا لا ينبغي أن نناقش معطيات الشريعة من زاوية لياقة الأصول: آيات القرآن وأحاديث السنة بل نناقش إطار تطبيق هذه المعطيات.
فالأحكام غير التوقيفية «وربما التوقيفية أيضاً، لكن الخلاف لم يحسم حولها» نزلت توحي بالاستجابة لظروف وأوضاع اجتماعية قابلة للتكرار عبر الزمن، ومن هنا فإن الشرع أكد لياقة هذه الاستجابة للظرف المرتبط بتشريعها وتنزيلها.
والحقيقة أنني غير معني في هذه السطور بمناقشة صدقية دعوته لتعليق الحدود بل الأهم عندي التأكيد على أن البروفيسور طارق رمضان دعا لمراجعة إطار تطبيق الحكم الشرعي، فالله تعالى ينزل الأحكام لتنطبق في إطار ضوابط معينة اجتماعية وسياسية وثقافية، ربما لو انتفت لما أصبح من اللائق تطبيق هذه الأحكام! وما أثاره طارق رمضان من تحولات البيئة السياسية والاجتماعية لابد من فحصه لكن مع تقدير الأمور بقدرها، وقراءة واقع مجتمع التطبيق قراءة رصدية سليمة.
د- المحطة الرابعة: هي ذلك الإطار التشاوري الأوسع الذي دعا إليه طارق رمضان حيث صرح في النسخة العربية من عريضته بأن المجتمع الدولي عليه مسؤولية واضحة لأن ينخرط في النقاش حول موضوع الحدود في العالم الإسلامي، كما ذكر في موضع آخر أن مطالبة المسلمين بالمناقشة الجادة لا يعني أن يحرم المفكرون والمواطنون غير المسلمين من حق طرح تساؤلات على العكس تمامًا، على جميع الأطراف أن يسعوا للاستماع لوجهة نظر الآخر ولأطره المرجعية ومنطق أطروحاته وكذا طموحاته، والذي أريد توضيحه هنا أمران:
الأول: أن غير المسلمين مستهدفون بالدعوة الإسلامية، واستطلاع رأي المدعو للإسلام أيرى سلبية في الدين أم في طريقة التدين؟ الفارق كبير بين الدين وطريقة التدين، ورأي الآخر نحصل عليه بأكثر من طريقة غير مباشرة، فلماذا لا تحصل عليه بحوار مباشر؟ أظن أن النتائج ستكون أوضح.
الثاني: أن مشكلة استطلاع رأي الآخر ربما تصطدم برؤيتنا لتدخل الغرب في صياغة خطابنا الإسلامي، وحل هذه المشكلة بسيط، فلا بد في هذا الإطار من أمرين أولهما: أن يكون إعلاننا رفض التدخل قاطعًا وصريحًا في مواجهة المشروع التدخلي الاستعماري الغربي، وثانيهما: أن تعلن صراحة أننا نرغب في التغيير مع استعدادنا لدفع ثمن هذا التغيير بأنفسنا وأننا لا نريد أن يدفع فاتورة إصلاحنا أحد ذو مطامع.
تلك أهم الملامح المستفادة من خطاب طارق رمضان، وتبقى الإشارة إلى ضرورة وأهمية تفتح عقولنا لأية أطروحة تجديدية، حتى ولو شابتها مغالطات منهجية مصدرها عدم تخصص طارحها، والشعار الأساسي الذي ينبغي حمله أن الكل يمكن الأخذ من كلامه والرد إلا المعصوم ﷺ أو كما قال: «الحكمة ضالة المؤمن». (أخرجه الترمذي (2687)، وابن ماجة (4169 )، والقضاعي في ((مسند الشهاب )) (52 .(
- ركزت الورقة على الضغوط الواقعة على مسلمي الغرب وليس على حقيقة ما يعانيه مسلمو الدول العربية والإسلامية
- هناك رموز أخرى للمسلمين غير الحدود مثل: العفة والتكافل الاجتماعي والتطهر من الفساد والجرعة الروحية في زمن المادية.