العنوان قراءة في إعلان فلسطين دولة بصفة مراقب في الأمم المتحدة
الكاتب رأفت مرة
تاريخ النشر السبت 15-ديسمبر-2012
مشاهدات 66
نشر في العدد 2031
نشر في الصفحة 24
السبت 15-ديسمبر-2012
حماس أيدت الإعلان عن الدولة الفلسطينية مع تأكيدها الالتزام بالثوابت الوطنية التي تجعل فلسطين كلها دولة واحدة والالتزام بحق العودة
انسداد الآفاق أمام «محمود عباس» جعله يصر على الذهاب للأمم المتحدة
أمريكا عارضت الخطوة الفلسطينية ومارست ضغوطًا على «عباس» للتراجع
الفلسطينيون يتطلعون اليوم إلى ضرورة القيام بإنجاز المصالحة وإنهاء الانقسام
سُدت جميع المنافذ في وجه رئيس السلطة الفلسطينية «محمود عباس»، ولم يعد أمامه إلا خيار واحد؛ الذهاب للجمعية العامة للأمم المتحدة التي طوال سبعة عقود ناصرت الفلسطينيين ودعمت القضية الفلسطينية للفلسطينيين.
تاريخ طويل مع الجمعية العامة للأمم المتحدة بعكس مجلس الأمن الدولي، حيث تصنف الجمعية العامة بأنها داعمة للفلسطينيين، حيث لا قدرة للولايات المتحدة على إخضاع جميع دول العالم لأهدافها، ويصنف مجلس الأمن بأنه عدو للفلسطينيين، حيث تستطيع واشنطن التحكم بأغلبية الأعضاء الخمسة الدائمين، وبباقي الأعضاء، هكذا كانت حال الجمعية العامة، قرارات داعمة للفلسطينيين مثل القرار رقم (194) الذي نص على حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم.
حكاية الدولة
في العام الماضي، قرر رئيس السلطة الفلسطينية «محمود عباس» التوجه لمجلس الأمن لطلب عضوية كاملة لدولة فلسطين في الأمم المتحدة، وقفت الولايات المتحدة ضد القرار، وضغطت على عدد من الدول للامتناع، فحصل مشروع «عباس» على أقل من الثلثين من الأصوات، وهو العدد المطلوب لموافقة مجلس الأمن على المشروع، هذه السنة عاد «محمود عباس» وتقدم بالطلب أمام الجمعية العامة؛ فحصل على (138) صوتًا وامتناع (41)، ورفضه تسع دول فقط وتحول طلب العضوية لدولة فلسطين إلى اشتباك سياسي أو دبلوماسي، بسبب أهمية القضية الفلسطينية في العالم، وأهداف الولايات المتحدة وانسجامها مع الاحتلال الصهيوني الذي يخسر على كل المستويات.
هناك عدة أسباب دفعت «محمود عباس» لهذا الخيار :
1- انسداد أفق التسوية؛ فالمفاوضات الفلسطينية «الإسرائيلية» متوقفة، و«نتنياهو» رفض كل المحاولات لإعادة إطلاقها، واستمرت الحكومة الصهيونية في سياسة الاستيطان وتهويد القدس، وعجزت الإدارة الأمريكية عن إقناع الحكومة الصهيونية بوقف الاستيطان، ويتجه الكيان الصهيوني نحو اليمين المتطرف، وهذا ما ستفرزه الانتخابات القادمة، وبالتالي فإن تحالف «نتنياهو» و«ليبرمان» مع آخرين يعني دفن عملية التسوية.
2- ازدياد الأزمات التي تعاني منها السلطة الفلسطينية؛ فالاحتجاجات تتصاعد في الضفة الغربية ضد حكومة سلام فياض والدول المانحة قللت من مستوى دعمها المادي للسلطة، ما أوقع حكومة «سلام فياض» في عجز مالي، وتأخر دفع المرتبات لأكثر من مائة ألف موظف.
3- ارتفاع شعبية «حماس» داخل فلسطين وخارجها.
4- حصول مطلب إعلان الدولة على تأييد شعبي فلسطيني كبير داخل فلسطين وخارجها، وشعور «محمود عباس» بالتفاف الفلسطينيين حول هذا المطلب، وصار من الصعب عليه إحباط رغباتهم، والظهور أمامهم كمن يرضخ للضغوط الأمريكية الإسرائيلية.
5- الأوضاع التي تعيشها المنطقة وتبدل التحالفات، وصعود قوى وتراجع أخرى وارتفاع شعارات الحرية والديمقراطية ومطالب الشعوب والتأييد الغربي لها.
6- ضعف الكيان الصهيوني، وتراجع مستوى علاقاته الدولية، وازدياد أزماته الداخلية، وعجز «نتنياهو» عن تقديم بدائل لـ «محمود عباس».
المواقف الفلسطينية
رحبت القوى الفلسطينية بإعلان فلسطين دولة بصفة مراقب في الأمم المتحدة وصدرت عن منظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها مواقف داعمة، واضطربت مواقف قوى التحالف الفلسطيني بسبب رفضهم تأييد محمود عباس من حيث المبدأ، وفي نفس الوقت أيدت إيران وسورية الإعلان.
وكان من اللافت موقف «حماس»، حيث أصدرت الحركة بيانات ومواقف أيدت الإعلان لكن بشكل خاص قائم على ما يلي:
تعتبر حركة «حماس» أن كل فلسطين هي أرض الدولة الفلسطينية بمساحة 27 ألف كم2، وليس فقط حدود الضفة الغربية وقطاع غزة، لا تعترف «حماس» مطلقًا بـ «إسرائيل»، ألا يتعارض هذا الإعلان مع أي من الثوابت الوطنية الفلسطينية، واعتبرت «حماس» أن هناك معركة دبلوماسية بين الكيان الصهيوني والولايات المتحدة من جهة والسلطة الفلسطينية من جهة أخرى، وهي معنية بدعم الطرف الفلسطيني طالما أنه يزعج واشنطن وتل أبيب.
الوضع الصهيوني
تلقت الحكومة الصهيونية صفعة قوية أمام العالم بإعلان الدولة، وشكل هذا الأمر خسارة للدبلوماسية الإسرائيلية، حيث ظهر أن أغلبية دول العالم تقف إلى جانب الفلسطينيين، بينما لم يقف إلى جانبها إلا واشنطن ودول مغمورة وضغطت حكومة «نتنياهو» على «محمود عباس» من أجل عدم الذهاب لواشنطن، وسربت المصادر الإسرائيلية معلومات عن خطط مضادة ستنفذ ضد السلطة في حالة وافقت الأمم المتحدة على الدولة.
لكن وبعد الإعلان عجزت الحكومة الصهيونية عن تنفيذ ما وعدت به مثل حل السلطة أو معاقبة مسؤوليها، واكتفت بمنع تحويل الضرائب، ومن الواضح أن الحكومة الصهيونية تتخبط في مواقفها، فهي ردت بتسريع وتيرة الاستيطان وبناء 3 آلاف وحدة استيطانية؛ الأمر الذي أثار استياء دول كثيرة في العالم.
والصدمة الكبرى في الكيان الصهيوني أن إعلان الدولة الفلسطينية جاء في عهد اليمين المتطرف، حيث هناك كثرة من زعماء الاستيطان في الحكومة، وحاولت إسرائيل أن ترد بإعلان دولة يهودية مقابل دولة فلسطين، وهذا الأمر يواجه صعوبات كثيرة، وكان من اللافت أن «نتنياهو» حاول التقليل من أهمية القرار الأممي، وقال: إن هذا القرار لن يقدم شيئًا للفلسطينيين ولن يغير أوضاعهم.
الموقف الأمريكي
مارست الولايات المتحدة ضغوطًا شديدة على «محمود عباس» للامتناع عن الذهاب للأمم المتحدة، تحت حجة أن المسائل المصيرية تحسم من خلال المفاوضات.
واتصل الرئيس «أوباما»، برئيس السلطة مهددًا، ثم زارت الأخير وزيرة الخارجية «هيلاري كلينتون»، وهددت المتحدثة باسم الخارجية «فيكتوريا نولاند»، بمنع المساعدات عن السلطة.
لكن انسداد كل الآفاق أمام «محمود عباس» جعله يصر على الذهاب للأمم المتحدة، خاصة أن الولايات المتحدة لم تستطع أن تقدم له شيئًا، إلا وعدًا باستئناف المفاوضات بعد الانتخابات الإسرائيلية، وكلفت الإدارة الأمريكية جهات عربية للضغط على «محمود عباس»، وعرضت عليه صفقة عبارة عن الاكتفاء بتقديم الطلب دون طلب التصويت هذا العام، وهو ما رفضه «عباس» أيضًا.
وسارت واشنطن في نفس اتجاه الحكومة الصهيونية، حيث خرجت المندوبة الأمريكية في الأمم المتحدة «سوزان رايس» لتقول إن إعلان الدولة لن يغير شيئًا من الواقع الفلسطيني على الأرض، وسيكتشف الفلسطينيون عاجلًا أن حالهم لم تتغير.
ماذا بعد الإعلان؟
يشعر الفلسطينيون بنوع من الفرح والارتياح للإعلان عن دولة فلسطينية، خاصة أن هذا الانتصار الدبلوماسي جاء بعد الانتصار العسكري على الاحتلال في عدوانه الأخير على قطاع غزة ويتطلع الفلسطينيون اليوم إلى ضرورة القيام بخطوتين:
الأولى: إنجاز المصالحة الفلسطينية وإنهاء الانقسام، خاصة أن هناك رغبة فلسطينية في ذلك، وقرار مصري داعم وارتياح شعبي.
ومن المتوقع عقد جولات في القاهرة لتطبيق الاتفاقيات بين «حماس» و«فتح»، وخطت القيادة الفلسطينية خطوات إيجابية أثناء العدوان على غزة، ومنها دعوة جميع القوى للمشاركة في اللقاءات والسماح لكوادر فتح بالعودة إلى غزة، وإطلاق سراح معتقلين؛ وهذا سيشجع مطلب العمل بإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية كشرط ضروري المشاركة مروري جميع القوى السياسية في المنظمة، ويمكن من وضع آلية لاتخاذ القرارات في الساحة الفلسطينية على قاعدة دعم المقاومة والثوابت الفلسطينية والقواسم المشتركة.
والثانية: الاستعداد لاستئناف العمل الدبلوماسي في المحافل الدولة، بما سيضمن منع الاحتلال الصهيوني من الاعتداء على المدنيين والأراضي الفلسطينية، ووقف الاستيطان، ومحاكمة قادة الاحتلال على الجرائم التي ارتكبوها ضد الشعب الفلسطيني.
إن تنفيذ هاتين الخطوتين هو استحقاق ضروري يجب العمل به، وإلا فإن إعلان الدولة الفلسطينية سيكون مجرد حدث إعلاني.
(*) رئيس تحرير مجلة «فلسطين المحتلة».