العنوان قراءة في فكر فؤاد زكريا
الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري
تاريخ النشر الثلاثاء 24-نوفمبر-1987
مشاهدات 97
نشر في العدد 844
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 24-نوفمبر-1987
·
فؤاد زكريا صنف العلماء الأجلاء مع الفنانات
في قائمة الثقافة الشعبية!
الدكتور فؤاد زكريا له مكانة مرموقة في
الأوساط الثقافية والفكرية والسياسية، باعتباره أحد دعاة العلمانية، وهو والدكتورة
نوال السعداوي أبرز ممثلين للعلمانية في المناظرة الشهيرة التي جرت في العام الماضي
في نقابة الأطباء بالقاهرة، بين العلمانية والإسلام، وكان الطرف الآخر في المناظرة
الدكتور يوسف القرضاوي والشيخ محمد الغزالي، وقد خرج الدكتور فؤاد زكريا من تلك المناظرة
غاضبًا، لأن أكثر الحاضرين من المثقفين والشباب كانوا ضده، واتهمهم فيما كتبه بعد ذلك
في الصحف بالعاطفية وعدم العقلانية، والدكتور فؤاد يتمتع بحظوة لدى المؤسسات الثقافية
والإعلامية الرسمية في بعض البلاد العربية وخاصة الكويت، فقد كان رئيسًا لقسم الفلسفة
في جامعة الكويت، وأذكر أني قرأت له في الصحف أنه يشكو من عدم إقبال الطلبة على قسم
الفلسفة الذي يرأسه، ثم رجع إلى مصر، وبعد فترة طلب مرة أخرى إلى الكويت كمستشار لسلسلة
عالم المعرفة الكويتية، وهو يكتب باستمرار في مجلة العربي الكويتية التي تصدر عن وزارة
الإعلام أيضًا، وفي هذا الشهر صدر له ضمن سلسة العربي كتاب بعنوان «خطاب إلى العقل
العربي» وهو مجموعة مقالات سبق أن نشرها في مجلة العربي، والذي لفت نظري في هذا الكتاب
بعض الكلام الذي ما كنت أتصور أن يقوله كاتب في مستواه، فهو مثلًا في صفحة (16) من
الكتاب يقسم الثقافة إلى ثقافة شعبية، وثقافة رفيعة، فالثقافة الشعبية يمثلها عادل
إمام، والراقصة سهير زكي، والمغني أحمد عدوية ومعهم الشيخ الشعراوي والشيخ كشك والدكتور
مصطفى محمود، ولم يبين لنا من هم الذين يمثلون الثقافة الرفيعة، ولعله لا يريد أن يفصح
أنه هو نفسه ومعه أم كلثوم وعبدالوهاب وعمر الشريف، ولا أدري كيف استساغ أن يضم العلماء
الأجلاء وما يقدمونه من ثقافة إسلامية وعلمية، وتفسير للقرآن الكريم وأحاديث الرسول
صلى الله عليه وسلم، إلى الممثلين والراقصين والمغنين وما يقدمونه من فن منحط، ويقينا
أنه وضع الدكتور مصطفى محمود هنا بعد أن تخلى عن الإلحاد والشك، ولو كان على ما كان
عليه من شك وإلحاد لجعله في صف الثقافة الرفيعة كما يسميها، يا لله العجب من أناس يعميهم
الهوى والتعصب والحقد إلى حد أن تتساوى عندهم العفة والدعارة، والمسجد والحانة.
وتحت عنوان «مرض عربي اسمه الطاعة» في صفحة
(77) شن الكاتب
حملة شعواء على فكرة طاعة الوالدين وطاعة المرأة لزوجها في الإسلام، فيقول «فمنذ سنوات
العمر الأولى تعمل الأسرة على أن تكون العلاقة بين الآباء والأبناء علاقة طاعة، وتقدم
طاعة الوالدين على أنها قمة الفضائل العائلية، بل إن الأبناء حين يكبرون ينسبون نجاحهم
إلى دعاء الوالدين، الذي حلت بركاته عليهم، لأنهم كانوا أبناء مطيعين، ويعمل تراث شعبي
كامل على ترسيخ فكرة الطاعة بين الأبناء والآباء، وكأنها هي النموذج الأعلى للسلوك
الأسري المثالي، وحين يتكرر هذا النموذج عبر عشرات الأجيال تكون النتيجة الطبيعية هي
جمود المجتمع بأكمله، وانعدام التجديد فيه، وتفاخر بشعار رجعي متحجر.
وينشأ ناشئ الفتيان فينا
على ما كان عوده أبوه
ويقول عن العلاقة بين الزوجين: «أما العلاقة
بين الزوجين فإن أساسها الذي تفرضه التقاليد، وتحاصر به المرأة من كافة الجوانب، هي
طاعة المرأة لزوجها، أن الزوج هو الآمر، وهو الممسك بالدفة، أما الزوجة فإن سيلًا عارمًا
من التراث الشعبي، والنصائح الموروثة يؤكد أن أفضليتها الكبرى تكمن في كونها زوجة مطيعة،
فإذا خالفت أوامر الزوج القائد، أو حاولت الإفلات من قبضته، فهناك دائما بيت الطاعة
أي سجن التمرد».
وطاعة الوالدين ليست مطلقة في الإسلام قال
تعالى: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ
عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا
فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ۖ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ۚ ثُمَّ إِلَيَّ
مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (لقمان: ١٥).
فطاعة الوالدين ليس معناها الجمود والاستسلام،
ومحو الفردية والاستقلال فهي فضيلة وليست رذيلة، كما يعتقد الدكتور، فمعناها الاستقامة
وحسن السلوك والأخذ بالنافع في الحياة والمشاهد أن المتمردين على آبائهم هم الفاشلون
في الحياة، بينما الملتزمون ببر الوالدين وطاعتهما هم الذين سلكوا طريق النجاح، ونلاحظ
أن الدكتور يناقض نفسه بنفسه فهو في صفحة (120) عندما كان يعقب على ما قاله جون لافين الإنجليزي
في كتابه «العقل العربي تحت الفحص»، قال: «إن الاستقلال المفرط والمبكر عن الأسرة قد
خلق للإنسان الغربي مشكلات اجتماعية ونفسية هائلة، يشكو منها كل باحث منصف في نفس هذه
البلاد، وإن التماسك والتكافل العائلي في المجتمعات العربية من أبرز السمات التي يتحسر
عليها زوار هذه المجتمعات من الأجانب».
فطاعة الوالدين والزوجة لزوجها المقصود
منه الاستقرار في الأسرة وإشاعة المودة والرحمة بين أفرادها لا أقل ولا أكثر مما ينعكس
ذلك على المجتمع.
الدكتور فؤاد زكريا متعمق في الثقافة الغربية،
ومشكلته أنه مفتون بها، ولا يريد أن ينظر إلى الثقافة الإسلامية بعين الإنصاف، ولا
يكلف نفسه البحث فيها، فأنت لا تكاد تجد في مقالاته وكتاباته على كثرة ما يكتب الاستشهاد
بآية قرآنية أو حدیث شریف، فهو منصرف عنها ومعرض تمامًا، ويا ليته استغل الجهد الذي
بذله في دراسته، فصرفه إلى العلوم الكونية والطبيعية، أو الطب أو الهندسة ولم يصرفه
في الفلسفة، لأن هذه الفلسفة والدراسات الأدبية وانهماكه فيها جعلته يقف هذه المواقف
من التراث، ولا يهتم إلا بالتشكيك فيه والهجوم عليه.
ولا تجد من يرضى عنه إلا أهل الترف الفكري،
الذين يحتقرون الماضي، ولا يقدمون للحاضر شيئًا، فنسأل الله لنا ولهم الهداية.. (إنك
لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء).