العنوان قراءة في فوز الساجدين
الكاتب سمير يونس صلاح
تاريخ النشر السبت 01-مارس-2008
مشاهدات 64
نشر في العدد 1791
نشر في الصفحة 59
السبت 01-مارس-2008
من الحياة
جميل طعم الفوز، ولذيذ مذاق الفرحة، وعندما يتحقق الفوز تحل الفرحة؛ فذلك أمر منطقي.. منذ قريب فرح أبناء الأمة العربية بفوز المنتخب المصري في كرة القدم بكأس أفريقيا، وعمت الاحتفالات بلاد العالم العربي وليست مصر وحدها
أشهد بأني جلست أشاهد المباراة مع زوجتي وأولادي في بيتنا، آملين في فوز مصر، وليس ذلك من قبيل التعصب والعنصرية - معاذ الله - وإنما رغبة في إدخال الفرحة على قلوب الملايين البائسين الذين هم في حاجة شديدة إلى شيء يفرحهم بعد أن أظلمت الدنيا في وجوههم، فأغلب الكبار لا يجدون عملاً ويعانون بطالة مستفحلة، وكذلك الحال بالنسبة للشباب، وإن هم وجدوا عملًا فرواتبهم ضعيفة، لا تسمن ولا تغني من جوع، ناهيك عن الفقر والمرض!!
وبالفعل تحققت الأمنية، وفازت مصر بكأس أفريقيا، وما إن أطلق حكم المباراة صافرة النهاية معلنًا فوز المنتخب المصري إلا وسمعت هتافات من الجماهير المحتشدة في الشوارع والميادين وقد غمرتها الفرحة وظللتها السعادة بهذا الانتصار.
لا أنكر فرحة هذه الجماهير؛ فقد فرحت معهم، ولكن كانت لي قراءة لما شاهدت وسمعت، أردت أن أضعها هنا أمام القارئ، وأن أستخلص معاني من بين سطورها، بغض النظر عن اختلاف القراء معي أو اتفاقهم، فهذا أمر طبيعي دائم بديمومة وجود البشر. وفيما يلي ما استخلصته من قراءتي لهذا الحدث وتوابعه
• أولًا: أمة تتوق إلى النصر:
لأول مرة بعد حوالي أربعة وثلاثين عامًا تقريبًا، أي بعد نصر العرب على إسرائيل في العاشر من رمضان السادس من أكتوبر عام ١٩٧٣م يجتمع العرب على فرحة، وتسري فيهم روح واحدة، وكأنهم محرومون من النصر، تتوق أنفسهم إليه، حتى أنك تلاحظ على كثير ممن يهتفون محتفلين بالنصر أنهم يبدون وكأنهم يخرجون كبتًا اختزن داخلهم حينًا من الدهر!!
• ثانيًّا: المبالغة في الأمر:
من حق الإنسان أن يفرح، ولكن الأمر إذا زاد على حده انقلب ضده، والاعتدال محمود في كل شيء، ففي تقديري أن تلك فرحة بولغ فيها أيما مبالغة.. لقد كنت أنظر إلى الناس وأتعجب وأتساءل: لم لم نشاهد الناس فرحين بهذه الصورة عندما فتح معبر رفح أمام إخوانهم الحجاج العائدين من الأرض المقدسة إلى قطاع غزة الصامد المحاصر ؟! لِم لم نشاهدهم سعداء مسرورين عندما فتح معبر رفح أمام عشرات الآلاف من المسلمين الجائعين من إخواننا في الإسلام والعروبة في هذا القطاع المبارك ؟!
• ثالثًا: إعذار للمتنفسين:
تساءلت: لماذا هذا كله؟ هل انتصرنا على أعدائنا؟ هل حققنا رقمًا قياسيًّا في التنمية البشرية؟ هل أحرزنا نجاحًا باهرًا في التنمية الاقتصادية؟ هل تزوج الشباب دون مشكلات وبسلاسة؟! هل وجد العاطلون أعمالاً؟ هل توقفت مجاري الصرف الصحي عن الانفجارات وغمر الشوارع بالرائحة الكريهة؟! هل قضينا على الانحرافات؟ هل تخلصنا من الاختلاسات؟ هل أوجدنا حلولاً إبداعية لمشكلات التعليم؟ هل أحرزنا تقدمًا في الصناعات؟ هل تبوأنا مكانًا يليق بتاريخنا وابتكرنا اختراعات؟ هل.. وهل... وهل...؟ ماذا جرى ؟
صحيح حققنا نصرًا في ميدان الرياضة لا ينكره إلا جاحد، لكن الاحتفالات بولغ فيها، بل من أخلاق المسلم أن يتواضع عند الفوز، ألم نقرأ عن هيئة رسولنا الكريم صلي الله عليه وسلم عندما دخل مكة فاتحًا يمتطي دابته وهو يحني رأسه تواضعًا ويقضي ليله قائمًا شاكرًا عابدًا ... جميل أن نفرح لكن التواضع مطلوب عند النصر حتى لو كان على الأعداء كما علمنا رسولنا الكريم صلي الله عليه وسلم.
• رابعًا: نسيان العيوب:
من حقنا أن نفرح بهذا النصر الرياضي، لكن خللاً كبيرًا يصيبنا ويشل حياتنا إذا أنسانا هذا النصر عيوبنا والتفكير في حلول لمشكلاتنا، فتبدو وكأننا تخلصنا من كل مشكلاتنا ونسينا آلامنا، بل نسينا المنعم الوهاب كما شخص ذلك رب العزة في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ ۚ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا ۖ إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ, أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ (الزمر:8-9).
• خامسًا: فوز الساجدين:
لقد لفت نظري في أثناء هذه الدورة قرب لاعبي المنتخب المصري من ربهم، وانشغال بعضهم بقضايا أمتهم وآلامها، ظهر ذلك في سجودهم كلما أحرزوا هدفًا، فذكرني ذلك بشعار جنودنا في حرب أكتوبر العظيمة «الله أكبر» يوم أن نصرنا الله على اليهود، فحررنا الأرض والعرض، ورفعنا هامات أمتنا وكرامتنا، فقلت ليتنا نداوم على القرب من ربنا، فيمنحنا نصره ويعيد إلينا مجدنا وعزتنا.
• سادسًا: ضجة إعلامية:
لاحظنا استنفارًا قويًّا للفضائيات لتغطية هذا الحدث، وهذا شيء إيجابي لا شك في ذلك، بيد أنني أتساءل: أين هذه الفضائيات من قضايا الأمة وآلام الشعوب ؟ أين هذه الفضائيات مما يحدث للمسلمين في بقاع الأرض؟ أين هذه الفضائيات عندما يقتل الرجال والنساء والشيوخ والأطفال؟ أين هذه الفضائيات عندما ينزف الجريح البريء صاحب الحق؟ أين هذه الفضائيات عندما تبكي الأرامل والثكالى؟ أين هذه الفضائيات عندما يبكي الطفل جوعًا أو يصرخ لقتل أبيه أو أمه أو أخيه أمام عينيه؟ أين هذه الفضائيات عندما تنتهك حقوق الإنسان؟.
وفي النهاية أؤكد.. أنني كأي عربي عشت هذه الفرحة، وعشت توابعها الإيجابية، وجاءتني رسائل كثيرة من زملائي وأصدقائي العرب يهنئونني بالفوز الرياضي ويهنئون أنفسهم، بيد أنني لحبي لبلدي مصر قلب العروبة والإسلام، ولحبي لأمتي العربية الإسلامية وددت أن أسجل قراءتي هذه، والله من وراء القصد.