; هل تغيرت سياسة الكرملين تجاه اليهود؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل تغيرت سياسة الكرملين تجاه اليهود؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 21-أبريل-1987

مشاهدات 66

نشر في العدد 814

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 21-أبريل-1987

عندما قام ميخائيل غورباتشوف بأول زيارة له لباريس بعد تسلمه مقاليد السلطة في الاتحاد السوفيتي كان أكثر شيء أثار انتباه الصحفيين وفضولهم زيارة عقيلته لدور الأزياء الباريسية واقتنائها لعطور باريسية مشهورة لم يفتها أن تبدي إعجابها بها وتثني عليها وقد رأى المطلعون على شؤون الاتحاد السوفيتي والذين تتبعوا تلك الزيارة أن ما قامت به السيدة غورباتشوف إنما هو أولى علامات التغيير والانفتاح على النظم الغربية وبالفعل، فقد أشرعت أبواب هذا الانفتاح على مصراعيها بسرعة وجرأة لم يكن أحد يتصورها، وقد استقبلت الأوساط الغربية خطوة غورباتشوف الانفتاحية بمزيج من الدهشة والاستغراب والترقب لما سيليها في حين استقبلتها الأوساط الأمريكية بالسخرية والتهكم أما الصهيونية العالمية فقد رأت فيها فرصة ثمينة يجب اغتنامها لتحقيق مآرب طالما كانت تحلم بتحقيقها وفي مقدمتها تغلغل أذنابها- إذا ما أمكن- في المجتمع السوفيتي الذي ظل طويلًا في منأى عن دسائسهم وخبثهم واجدين في الأموال والتكنولوجيا الغربية التي يتلهف عليها الاتحاد السوفيتي أحسن قناة موصلة، مأرب آخر من مآربهم أيضًا هو تهجير أكبر عدد من يهود الاتحاد السوفيتي لتغذية الكيان الصهيوني الطامع في مزيد من الهيمنة والتوسع وإحكام القبضة على أراضينا ومقدساتنا، ولعل الصهاينة كانوا في غاية السرور والانتشاء وهم يشاهدون العزيز هنري كيسنجر والأنى كلوديا كاردينالي والمبشر غراهام غرين والممثل ماكسيميليان ومندوبة أمريكا في الأمم المتحدة الصهيونية كيرك باتريك وغيرهم من الصهاينة وهم يتجولون للمرة الأولى وسط شوارع موسكو وفي قلب ساحة النجم الأحمر وقد بدت عليهم علامات الغبطة والبشر.

ضجة إعلامية للاستفادة أقصى ما يمكن من بدء عهد الحريات في الاتحاد السوفيتي

رغم أن هنالك إشارات لا تخفى على أحد وبالخصوص على الصهاينة عن اعتزام النظام السوفيتي الجديد إرخاء الحبل فيما يخص هجرة اليهود السوفيت في نطاق سياسته الجديدة التي تهدف إلى ما يسميه السوفيت perestroika أي «إعادة البناء» على أسس ومبادئ جديدة بفتح الأبواب أمام تكنولوجيا الغرب وأموال الغرب ومن تلك الإشارات قرار غورباتشوف الأخير بإطلاق سراح المنشق أناتولي تشارنسكي والذي سمح له بالتوجه إلى إسرائيل مثلما سمح لمنشق آخر هو: يوري أودولوف بالتوجه إلى الولايات المتحدة الأمريكية ورغم صدور قانون الهجرة الجديد الذي يستهدف تسهيل ما يوصف بلم شمل العائلات فإن الصهيونية العالمية جددت الحديث في ضجة إعلامية كبيرة عن اليهود السوفيت الذين- يحرمون وراء الستار الحديدي- كما تدعي- من حقوقهم وقد عمل الصهاينة على استقبال المنشقين الذين يصلون إلى أوروبا وأمريكا وإسرائيل استقبال الأبطال وانتهزت صحفهم الفرصة لفتح سجل حقوق الإنسان في الاتحاد السوفيتي وليست هذه الضجة الإعلامية في هذه الأيام والتي شارك فيها شامير من واشنطن عندما طالب بالسماح بهجرة «شعبه» إلى فلسطين المحتلة وطلب من صديقه ريغان أن يسد منافذ أمريكا على هؤلاء المهاجرين حتى يأتوا للاستقرار في إسرائيل لأنه لوحظ في السنوات الأخيرة أن من يغادر الاتحاد السوفيتي من اليهود يفضل الاستقرار بأمريكا أو بعض البلدان الغربية على القدوم إلى فلسطين المحتلة.

ليست هذه الضجة سوى تكتيك إعلامي بقصد الضغط على النظام السوفيتي الذي يتأهب بنفسه لسلوك سياسة تهجير جديدة لإرخاء الحبل أكثر فأكثر وتقديم أقصى ما يمكن من التنازلات.

هل سيكون السماح بهجرة اليهود السوفيت بالجملة ضريبة انعقاد المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان بموسكو؟؟

فاجأ ميخائيل غورباتشوف الجميع عندما اتخذ قرارًا وصف بأنه مفرط في السخاء والكرم بالإفراج عن مئات من السجناء السياسيين اليهود وأمر بأن يحاطوا بالتكريم والرعاية تمهيدًا لإعادة اعتبارهم لهم في الاتحاد السوفيتي أو للسماح لهم بالهجرة ومن هنا بدأ التساؤل: هل هذا بداية سياسة جديدة تجاه يهود الاتحاد السوفيتي؟؟ تقول بعض المصادر أن إجراء العفو ذلك قد شمل أكثر من 800 معتقل من معتقلات سيبريا والذين وصفتهم النيويورك تايمز الأمريكية بالقادمين «بلاد الموتى».

وعندما ظهرت الدعوة إلى عقد مؤتمر عالمي لحقوق الإنسان في موسكو كهجوم مضاد تشنه الدعاية السوفيتية التي لبست ثوبًا جديدًا على الدعايات الغربية أسرع بعض المحللين السياسيين إلى القول إن سر الكرم الحاتمي الذي نزل على المعتقلين من اليهود السوفيت قد عرف الآن إذ لا يعقل أن يدعو الاتحاد السوفيتي شخصيات عالمية لحضور مؤتمر عن حقوق الإنسان في موسكو بينما سجونها ممتلئة بالمساجين السياسيين والذين تطلق عليهم الدعاية الغربية «سجناء الضمير».

ودعم محللون آخرون هذا الاستنتاج بما ظهر في أفق الشرق الأوسط من حديث عن مؤتمر دولي يحضره الاتحاد السوفيتي لإيجاد حل لقضية الشرق الأوسط وهنا يقول هؤلاء المحللون- يجب على الاتحاد السوفيتي أن يعرب عن حسن نواياه بالاستجابة ولو لمطلب من المطالب الإسرائيلية الأمريكية.

مراسل إسرائيلي يهاتف موسكو

أحد المعتقلين اليهود في الاتحاد السوفيتي الذي ينتظر أن يشملهم عفو غورباتشوف صار أشهر من علم في إسرائيل؛ إنه عالم الرياضيات جوزيف بيغون الذي كان يصر على تدريس العبرية تدريسًا حرًّا واعتبر إصراره ذلك عند الإسرائيليين مثالًا للمحافظة على الثقافة اليهودية في الاتحاد السوفيتي ومقاومتها لمحاولات التذويب المفروضة واعتبر إطلاق سراحه علامة مشجعة على تساهل الاتحاد السوفيتي تجاه قضية هجرة اليهود السوفيت وإن أتى ذلك ضمن سياسة عامة وقد أدت أخبار هذا المنشق إلى حديث تليفوني لا مثيل له من قبل ذلك أن أحد مراسلي الإذاعة الإسرائيلية تمكن بصورة عفوية من الاتصال تلفونيًّا بالناطق الرسمي لوزارة الخارجية السوفيتية للسؤال عن جوزيف بيغون وقد جاء في ردود الناطق الرسمي السوفيتي قوله: «إنكم تطالبوننا أن نترك شعبكم يهاجر وهذا ما نفعله ولكنهم لا يريدون الهجرة».

وسواء كانت كل هذه الدلائل والعلامات مجرد دعاية أم كانت بداية تغيير في سياسة الكرملين تجاه اليهود السوفيت وربما تجاه منطقتنا ككل فإنه يحق لنا أن نقلق كمسلمين من فلاشا سوفيتية جديدة تهدد أمتنا وتكرس احتلال أراضينا ومقدساتنا وعلينا أن ننبه أن الخبث والمكر الصهيونيين لن ينجو منهما الاتحاد السوفيتي مهما فعل والسجل التاريخي لليهود السوفيت حافل بطعناتهم في الظهر لشعوب الاتحاد السوفيتي؛ إنهم الآن وبعد ظهور بوادر اللين تجاههم يتنادون عالميًّا إلى التجمع ويلتقي أقطابهم في الشرق والغرب لدراسة الوضع الجديد وبحثه ووضع المخططات السرية لكيفية الاستفادة من أي ثغرة تفتح لهم وينبغي على القيادة السوفيتية أن تراجع أمرها فيهم إن لم يكن رحمة بشعوب الشرق الأوسط فرحمة بشعوب الاتحاد السوفيتي.

الرابط المختصر :