العنوان قراءة متأنية في مقولتي «عصر الانحطاط» و «عصر النهضة»
الكاتب غازي التوبة
تاريخ النشر الثلاثاء 12-أغسطس-1997
مشاهدات 59
نشر في العدد 1262
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 12-أغسطس-1997
لم تكن الخلافة العثمانية قوة عسكرية فحسب وإنما كانت خلافة ذات غيرة على الإسلام واللغة العربية
في عهد محمد الفاتح كان مصنع المدافع المتحركة ينقل على ١٢ ألف جمل إلى مكان المعركة ليصنع المدافع المطلوبة
لم يتحقق الدور الحضاري المنشود بسبب التبعية الحضارية والنقل الحرفي للتجربتين: الديمقراطية الرأسمالية والاشتراكية الشيوعية واستلهامهما
كثيراً ما يسمع المسلم بكلمة عصر«الانحطاط» و «عصر النهضة»، وتاتي الكلمة الأولى تعبيراً عن الحكم العثماني وقد يمدها البعض لتشمل الحكم المملوكي، وقد أصبح ذكر هذه الكلمة مرتبطاً بسلسلة من صور العجز والفقر والجهل والخرافة والأوهام والتسلط والقذارة والتاخر إلخ.. وتأتي كلمة عصر النهضة، معبرة عن العصر الحديث وتبدأ بحملة نابليون وقد إرتبطت هذه الكلمة بالتخلص من الأمراض السابقة وبناء مجتمع قوي وغني ومتعلم وعقلاني وديمقراطي إلخ.. فمن أين جاءت هذه التقسيمات؟ وما مدى صحتها؟ ومن أبرز من نظر لها؟ وما تقويمنا لها؟
جاءت هذه التقسيمات من المستغربين»الذين جعلوا الحضارة الغربية مقياساً لكل الحضارات، وجعلوا المراحل التي مرت بها الشعوب الغربية أصلاً لمراحل كل الشعوب، فمن المعلوم أن الغرب مر بمرحلة تاريخية سُميت «العصور الوسطى»، وهي «عصور الظلام» و«عصور انحطاط» بالنسبة له، وسبب ذلك سيطرة الكنيسة والإقطاع، واحتكار السلطة من قبلهما. وكبت حُريات الناس، وحَجر الكنيسة على التفكير العلمي، وإجبار المجتمع على مُعتقدات مليئة بالأوهام والخرافات واللاعقلانية، وتململ الطبقة البورجوازية الوليدة، وغياب أي دور حضاري للمجتمع، كل ذلك الركام من الأخطاء والتناقضات ولد عصر النهضة الذي دعا إلى العلم والعقل وإلى نبذ الدين الذي ربطه بالخرافة والأوهام، ودعا إلى إطلاق الحريات مقابل الكبت السابق، ودعا إلى العقد الاجتماعي الذي ينظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم مقابل السلطة المطلقة السابقة التي كانت الرجال الدين والإقطاع، كما تولدت أمم جديدة مثل: الأمة الفرنسية، والأمة الإيطالية، والأمة الألمانية نتيجة تفكك النظام الإقطاعي الأوروبي ونتيجة ضعف سيطرة الكنيسة على أوروبا، هذا ما حدث في الغرب نتيجة ظروف موضوعية وتاريخية عاشتها أوروبا، أما المستغربون عندنا فقد اعتبروا مجئ نابليون لاحتلال مصر عام ۱۷۹۸م بداية عصر النهضة، فكان لابد من استنبات فترة ظلام في : تاريخ أمتنا لكي تمر بمرحلة النهضة قياساً على المراحل التي مرت بها الحضارة الغربية، فسموا الفترة الأخيرة التي سبقت نهضتهم عصر الانحطاط، ووصفوا العصرين المملوكي والعثماني بأنهما عصرا انحطاط، فما تقويمنا لهما؟
تقويم العصرين: المملوكي والعثماني
ليس العصران المملوكي والعثماني عصري انحطاط بحال من الأحوال، لأن هذين العهدين كانا يشكلان دولتين من دول الأمة الإسلامية التي كانت موجودة وقائمة وفاعلة ومؤثرة قبل ذلك بسبعة قرون، وقد استمرت الأمة الإسلامية في هذين العهدين في أداء دورها الحضاري ورسالتها الدينية المرتبطة بالقرآن الكريم، وتطبيق التشريعات الإسلامية، والمحافظة على القيم والأخلاق الإسلامية، وأداء دورها في تنمية العلوم والآداب والزراعة والتجارة والصناعة إلخ.. ولم تكن تُعاني هذه الأمة أزمات وجود كالتي شهدتها أوروبا في العصور الوسطى مثل: التناقض بين العلم والدين، وكبت العقل البشري، ووجود طبقة رجال الدين إلخ.. لكنها كانت تعاني من بعض الأمراض والأخطاء والانحرافات التي كان يتصدى لها العلماء والمصلحون، وجهود ابن تيمية في عهد المماليك تمثل نموذجاً صارخاً في تشخيص هذه الأمراض والأخطاء ومعالجتها، إذن كانت أمتنا تعاني من بعض الأمراض ولم تكن تعاني أزمة وجود، ومما يؤكد ذلك تفحص آثار هذين العهدين فقد استطاع المماليك أن يصدوا الهجوم المغولي في معركة عين جالوت هذا الهجوم الذي يعد الأخطر على الأمة الإسلامية، والذي أسقط الخلافة العباسية في عام ٦٥٦هـ، كما استطاع المماليك أن ينهوا الوجود الصليبي من سواحل بلاد الشام وأن يلاحقوه في البحر الأبيض المتوسط، وأن ينهوه من الجزر التي كان الصليبيون يتخذونها كقواعد لغزو الشواطئ الإسلامية كجزيرة رودس وقبرص ومع هذا الجهد العسكري الضخم كان التزامهم بالإسلام وقيمه وتشريعاته مستمراً، وكانت اللغة العربية هي لغة الدواوين الرسمية وكانوا يهتمون بنشرها وترسيخها، وقد بلغت العلوم المختلفة أوجها، ويمكن أن يسمى عصرهم بالعصر الموسوعي! لأنه ألفت فيه عدد من الموسوعات في العلوم المختلفة الأدب والفقه والتاريخ والجغرافيا إلخ... ويكفي هذا العصر فخراً أنه عاش فيه اشخاص عظام مثل ابن تيمية وابن حجر العسقلاني، والعز بن عبد السلام النووي إلخ.
عبقرية العثمانيين
أما العثمانيون فهم الذين حفظوا للأمة وجودها بعد أن حاول البرتغاليون والأسبان الالتفاف عليها من جهة المحيط الهندي بعد أن سقطت الأندلس في أيديهم عام ١٤٩١م، وخططوا لغزو الأماكن المقدسة في الحجاز، فتصدى العثمانيون لهم وتغلبوا عليهم، كما تصدوا للغربيين عموماً في البحر الأبيض المتوسط.
وتجلت عبقرية العثمانيين في الأمور العسكرية فقد كانت المدفعية العثمانية أقوى مدفعية في العالم حتى عام ۱۷۰۰م، وفي عهد محمد الفاتح (١٤٣٢م - ١٤٨١م) كانت الطوبخانة المتحركة «يعني مصنع المدافع المتحركة» تنقل على ۱۲.۰۰۰ جمل وتتحرك إلى مكان المعركة لتصب وتصنع المدافع المطلوبة للمعركة.
أما مدافع الهاون فقد استخدمت لأول مرة في التاريخ في عهد الفاتح، وكان السلطان سليم هو أول من استخدم المدافع غير ثابتة الاتجاه والتي يمكن تحريكها بيسر، وكان ذلك في أوائل القرن السادس عشر الميلادي مظهراً لدقة الاختراع العلمي، أما الأسطول العثماني فقد كان حتى عام ١٨٦٨م هو الأسطول الثالث في العالم بعد الأسطولين الإنجليزي والفرنسي.
لم تكن الخلافة العثمانية قوة عسكرية فحسب لكنها خلافة ذات غيرة على الإسلام، وذات غيرة على اللغة العربية فقد قرر العثمانيون تدريس اللغة العربية لغة أولى في جميع المعاهد التعليمية من أولها إلى آخرها ودرسوا بها كافة العلوم، وكان العثمانيون أمة عمرانية من طراز رفيع وإن ما بنوه من تكايا ومدارس ومشافي رجسور ومطاعم مجانية للفقراء، وقصور وخانات وحمامات لأكبر دليل على نزعتهم العمرانية، وإن المساجد التي بنوها وبلغوا درجة الكمال في إتقانها وجمالها والتي مازالت قائمة من حدود النمسا إلى أقصى حدود مصر وما فيها من ضخامة وفخامة وجمال وتناسق لأكبر دليل على ما كانوا يتمتعون به من ذوق فني وحب للعمران.
وإذا تجاوزنا ناحية العمران إلى الناحية الفنية نجد الفضل يرجع إلى العثمانيين في تحسين وتجميل أنواع الخطوط وضبطها في قواعد علمية حتى غدا الخط العربي فنًا من الفنون الجميلة إذن كان هناك خطأ كبير في فهم هاتين الفترتين وفي تقويمهما ويعود ذلك في تقديري إلى عدة أسباب منها:
بروز القوة العسكرية للدولتين المملوكية والعثمانية ظن بعض الدارسين أن بروز القوة العسكرية لهاتين الدولتين سيكون تلقائياً على حساب الجانب المدني في المجتمع الإسلامي كما حدث مع كثير من الدول والأمم التي تضخم فيها الجانب العسكري على حساب الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفنية والأدبية والعلمية واللغوية إلخ.. لذلك سموه عصر انحطاط، لكن ذلك الظن ناتج من الجهل بالقوانين التي حكمت تاريخنا وأمتنا وأبرزها وجود قيادتين لهذه الأمة الأولى: الأمراء: وتقوم بواجب الدفاع عن الأمة، والثانية: العلماء وتقوم برعاية الجانب المدني بمختلف فروعه العلم. والثقافة، واللغة والأدب، إلخ.. ويساعدها في ذلك أوقاف واسعة تبلغ ربع ثروات العالم الإسلامي وبالإضافة إلى خطأ تقويم دور القوة العسكرية.
للدولتين المملوكية والعثمانية في المجتمع الإسلامي تأتي هذه القوة دليلاً على حيوية الأمة الإسلامية التي توجد لكل مشكلة حلها، فقد كان الخطر الأكبر الذي يواجه أمتنا هو التهديد الخارجي والهجمات المستمرة من بعض دول أوروبا خلال العهدين المملوكي والعثماني مما اقتضى قيام دول على أسس قتالية من أجل درء هذا الخطر، وجاءت هاتان الدولتان استمراراً للدولتين الزنكية والأيوبية وتطويراً لهما من الناحية القتالية ومن ناحية عسكرة اقتصاد الدولة ليكون في خدمة المعركة.
المماليك والعثمانيون ليسوا عرباً:
اعتبر المفكرون القوميون العرب المماليك والعثمانيين أعداء مستعمرين طالما أنهم ليسوا عرباً، ونظروا إلى إنجازاتهم على أنها هدم للكيان القومي، وهم في هذا الاعتبار والنظرة ظالمون لأنهم لم يضعوهم في سياقهم الذي جاءوا به وهو سياق الأمة الإسلامية، فهذه الأعراق العرب والشركس والأتراك والفرس جميعهم أبناء الإسلام، جمعهم الإسلام ببوتقته، وصبغهم بعقائده، ولونهم بعباداته، ودثرهم بعاداته، وصاروا في النهاية جزءاً من الأمة الإسلامية التي احتوتهم، وساهم الجميع في إعلاء شأنها، وفي بناء حضارتها، والمدافعة عنها، إذن هم لم يعتدوا، ولم يتسلطوا، ولم يتجاوزا حدودهم، ولم يستعمروا أحداً، إنما قاموا بدور كانوا مدعوين إليه بدافع انتمائهم إلى الأمة الإسلامية التي كانت أبرز ميزاتها تعايش الأجناس المختلفة، والأعراق المتباعدة، والقبائل المتنافرة تعايشها مع بعضها، وإعمارها الأرض، وبناؤها الحضارة العالمية تصديقاً وتحقيقاً لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: ١٣)
ويكل أسف نجد أن بعض الكتاب الإسلاميين تفاعلوا مع مقولة عصر الانحطاط... وقعدوا لها وأبرز الكتاب الذي قام بذلك مالك بن نبي، وأبرز تقعيداته في هذا المجال مفهوم القابلية للاستعمار الذي سألقي الضوء عليه في السطور التالية.
مفهوم القابلية للاستعمار
تحدث مالك بن نبي عن المجتمع الإسلامي بعد الموحدين فقال: لقد بلغت عوامل التعارض الداخلية قمتها، وانتهت إلى وعدها المحتوم، وهو تمزق عالم واهن، وظهور مجتمع جديد ذي معالم وحقائق واتجاهات جديدة، فكانت تلك مرحلة الانحطاط، إذ لم يعد الإنسان والتراب والوقت عوامل حضارة بل أضحت عناصر خامدة ليسلها فيما بينها صلة مبدعة
اعتبر مالك بن نبي انحطاط المجتمع قديماً وأعاده إلى نهايات دولة الموحدين في المغرب واعتبر أن عوامل التعارض في المجتمع الإسلامي بلغت ذروتها، وأن عناصر الحضارة: الإنسان والتراب والوقت أصبحت عناصر ميتة، إن هذه الأحكام التي أصدرها مالك بن نبي غير سليمة وغير دقيقة، فإن الأمة الإسلامية بقيت أمة فاعلة ستة قرون بعد التاريخ الذي حدده مالك بن نبي ولم تعرف الأمة الإسلامية عوامل تعارض تُعيق حركتها وتفجر كيانها كالتي عرفتها أوروبا مثل: التعارض بين العلم والدين، والتناقض بين رجال الكنيسة ورجال الحكم، وبين العقل والدين إلخ...
لم تعرف الأمة الإسلامية شيئاً من ذلك فبقي الإنسان المسلم مبدعاً فاعلاً مؤثراً، وبقي المجتمع الإسلامي حياً يؤدي دوره الحضاري، صحيح أن الإنسان والمجتمع عرفا بعض الأمراض لكن ذلك لم يعق حركتهما ودورهما على كل المستويات الداخلية والخارجية كالبناء الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، ومقاومة الأعداء المهاجمين، وتوسيع رقعة دار الإسلام إلخ...
ثم تحدث مالك بن نبي عن القابلية للاستعمار فقال: وبهذا تفهم الاستعمار باعتباره ضرورة تاريخية فيجب أن تحدث هنا تفرقة أساسية بين بلد مغزو محتل وبلد مستعمر، ففي الحالة الأولى يوجد تركيب سابق للإنسان والتراب والوقت، وهو يستتبع فرداً غير قابل للاستعمار أما في الحالة الثانية فإن جميع الظروف التي تحوط الفرد تدل على قابليته للاستعمار وفي هذه الحالة يصبح الاحتلال الاجنبي استعماراً قدراً محتوماً.
اعتبر مالك بن نبي استعمار بلادنا الإسلامية «قدراً محتوماً» و «ضرورة تاريخية»، نتيجة خلل عطل كيان الفرد والمجتمع والأمة، عطل عناصر التاريخ فيها، وقتل عناصر الحياة فيها وهذا كلام غير صحيح بدليل أن الجزائر التي استعمرت في عام ۱۸۳۰ م لم يأت استعمارها نتيجة خلل داخلي خاص بالجزائر لأنها كانت جزءاً من الأمة الإسلامية تعاني ما تعانيه الأمة الإسلامية، وتتمتع بنفس المستوى الحضاري، وتُعاني نفس المشاكل التي يعُانيها كل الجسم الإسلامي، لكن استعمارها جاء نتيجة ظرف سياسي خاص يتعلق بالخلافة العثمانية من جهة وبجغرافية الجزائر التي جعلتها على الحد الجنوبي لفرنسا من جهة ثانية، ويصدق عليها الحكم الأول الذي أصدره مالك بن نبي وهو أنها بلد مغزو ومحتل وليس بلداً قابلاً للاستعمار.
ثم تحدث مالك بن نبي في موضوع آخر عن القابلية للاستعمار باعتبارها عاملاً باطنياً فقال: ونحن في هذا الفصل نريد أن نتعرض العامل ينبعث من باطن الفرد الذي يقبل على نفسه تلك الصبغة، والسير في تلك الحدود الضيقة التي رسمها الاستعمار وحدد معها حركاته وأفكاره
ثم قال: «إن المستعمر يريد منا بطالة يحصل من ورائها يدأ عاملة بثمن بخس فيجد منا متقاعدين، بينما الأعمال الجدية تترقب منا الهمة والنشاط، وهو يريد منا جهلة يستغلهم، فيجدنا نقاوم ذلك الجهد البسيط المبذول عندنا ضد الأمية وهو جهد جمعية العلماء».
وهو يريد منا انحطاطاً في الأخلاق كي تشيع الرذيلة بيننا، تلك الرذيلة التي تكون نفسية رجل «القلة»، فيجدنا أسرع إلى محاربة الفضيلة التي يحاول نشرها العلماء في بلادنا، وهو يريد تشتيت مجتمعنا وتفريق أفراده شيعاً وأحزاباً، حتى يحل بهم الفشل في الناحية الأدبية، كما هم فاشلون في الناحية الاجتماعية، فيجدنا متفرقين بالسياسات الانتخابية التي نصرف في سبيلها ما لدينا من مال وحكمة، وهو يريد منا أن نكون أفراداً تغمرهم الأوساخ، ويظهر في تصرفاتهم الذوق القبيح، حتى نكون قطيعاً محتقراً يسلم نفسه للأوساخ والخنازير فيجدنا ناشطين لتلبية دعوته.
وبذلك تكون القلة مزدوجة، فكلما شعرنا بداء المعامل الاستعماري الذي يعترينا من الخارج، فإننا نرى في الوقت نفسه معاملاً باطنياً يستجيب للمعامل الخارجي ويحط من كرامتنا بأيدينا.
تحدث مالك بن نبي عن «القابلية للاستعمار»
باعتبارها عاملاً داخلياً وبين أن الاستعمار يريد منا البطالة والجهل والانحطاط في الأخلاق والتفرق والوساخة وأن باطننا يستجيب لكل تلك الطلبات لأننا نملك «القابلية للاستعمار»، هذا ما قاله مالك بن نبي في منتصف القرن العشرين، لكن مالك بن نبي لم يسأل نفسه ما دور الاستعمار الفرنسي في وجود هذه الظواهر التي رصدها وبخاصة أن كلامه عن القابلية للاستعماره جاء بعد الاحتلال الفرنسي للجزائر بأكثر من مائة سنة؟ الحقيقة أننا لا نجد أي إشارة إلى دور الاستعمار الفرنسي في توليد مثل هذه الأمراض وتعميقها، مع أن الدراسة الفاحصة لمخططات الاستعمار الفرنسي تبين أنه حاول اقتلاع الشعب الجزائري اقتلاعاً كاملاً من جذوره الحضارية.
فالاستعمار إذن هو العامل الأكبر في توليد البطالة وإنسان القلة، وفي تعميق الجهل والقذارة، وفي توسيع الانحطاط في الأخلاق ومع هذا الوضوح في جريمة المستعمر الفرنسي في توليد وتعميق وتوسيع كل أنواع الانحطاط والأمراض والقذارات في حياة الشعب الجزائري فإن مالك بن نبي لا يكتفي بعدم الإشارة إلى دور المستعمر الفرنسي في كل ما سبق بل يأتي ليقول لنا إن الاستعمار ترك غريناً مخصبا!
عصر النهضة
إنها مفارقة مضحكة مبكية أن يعتبر بعض أبناء أمتنا احتلال نابليون لمصر عام ١٧٩٨ م بداية نهضة، وبغض النظر عن هذه المفارقة فلقد استهدفت النهضة توحيد الأمة، واستقلالها، وأداء دور حضاري فعال، وكان لابد من أجل تحقيق هذه الأهداف من أن ينتشر العلم، ويزول الفقر، فماذا تحقق من كل هذه الأهداف بعد مائتي سنة من قيام تلك النهضة.
لم تتحقق الوحدة بل ترسخت التجزئة بشكل لم تعرفه أمتنا خلال الألف سنة الماضية وأصبحت الأمة مهددة أن تتمزق إلى كيانات متناقضة نتيجة بروز القطرية، وتغذيتها.
لم يتحقق الاستقلال بل ازدادت التبعية السياسية فكانت الأحلاف الغربية بعد الحرب العالمية الثانية التي استقطبت قسماً من الدول العربية، وكان الاتحاد السوفييتي الذي استقطب قسماً آخر منها، ودارت المعركة بين الغرب.
والاتحاد السوفييتي عن طريق استخدام معظم الدول العربية كبيادق في أتون المعركة بينهما.
لم يتحقق الدور الحضاري المنشود بسبب التبعية الحضارية والترويج للنموذجين الحضاريين الأوروبي والسوفييتي، والنقل الحرفي للتجربتين الديمقراطية الرأسمالية والاشتراكية الشيوعية واستلهامهما فقط مما جعل الثمرة النهائية لتجربة مائتي سنة هو النسخ المشوه لتجربة الحضارة الغربية وانعدام أي مساهمة، وانعدام أي إبداع في بناء البشرية الحضاري والاكتفاء بالاستهلاك الحضاري.
لم يتحقق انتشار العلم، فالأمية تبلغ نسبتها الآن أكثر من ٤٠% في العالم العربي، ولم يساهم العالم العربي مساهمة حقيقية في تنمية الإبداع العلمي، فمع وجود الجامعات الكثيرة التي غطت كل أنحاء العالم العربي، ومع وجود الكثرة الكاثرة من خريجي الجامعات وحاملي الشهادات العليا - فإن نصيب العالم العربي من الاكتشافات العلمية لا يزال محدوداً، ولا يقارن بدولة واحدة مثل إسرائيل.
لم يتحقق النمو والاكتفاء الاقتصاديان بل مازال العالم العربي يستورد كل شيء من الطيارة إلى الإبرة، ليس هذا فحسب فإن العالم العربي لم يحقق التكامل الاقتصادي فيما بين دوله، والأهم من ذلك أن كثيراً من دوله انتقلت من مجال تصدير الحبوب إلى استيرادها وهو الأمر الذي يدلل على مدى الكارثة التي نحن عليها مقدمون.
لم تحقق النهضة شيئاً مما كان مرجواً منها ومأمولاً لها، بل ولدت انحطاطاً لم تعهده الأمة خلال تاريخها الطويل وبرزت مخاطر تهدد كيان الأمة ووجودها وأبرز هذه المخاطر:
الوجود اليهودي: استطاع اليهود أن يسلبوا فلسطين من العرب بعد جهود دائبة منذ القرن التاسع عشر، وتحالفات مع عدد من الدول العظمي مثل بريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفييتي وأخيراً الولايات المتحدة الأمريكية، وتمثل إسرائيل خطراً على الوجود الإسلامي لأن أطماعها ليست محدودة بفلسطين بل بإسرائيل الكبرى التي تمتد من الفرات إلى النيل من جهة، ولأنها تدعي أن لها حقاً تاريخياً في هذه الأرض يناقض الحق التاريخي للمسلمين من جهة ثانية، ولأنها تعتبر نفسها رسول الحضارة الغربية لتمدين وتحضير المنطقة من جهة ثالثة، إذن إسرائيل ليست وجوداً عابراً بل تدعي الحق التاريخي القديم والدور الريادي الحضاري في الحاضر والمستقبل، مما يقتضي وجوداً مبنياً فاعلاً دائماً على حساب الوجود الإسلامي في المنطقة.
تفتيت الأمة: قامت كيانات ودول متعددة في تاريخ الأمة الإسلامية خلال الفترة الطويلة الماضية، وتولد عنها صراع وقتال، لكن بقيت الأمة واحدة لكننا الآن تشهد بداية تشكل كيانات إقليمية تؤدي إلى تفتيت الأمة بشكل حقيقي.
ما السبب في تعثر النهضة وعدم تحقيق أي شيء منها؟ وما السبب في بروز هذه المخاطر على الأمة؟
السبب الرئيسي في التعثر هو أن كل مشاريع النهضة التي طرحت جاءت من خارج كيان الأمة وسياقها الحضاري، وجاءت نقلاً من تجارب أخري، وجاء بعضها ليبني شيئاً كان موجوداً قائماً كما حدث مع الفكر القومي بكل أنواعه:
العربي والسوري والفرعوني الذي ستهدف تشكيل أمة عربية أو أمة سورية أو أمة مصرية، لكن الأمة كانت موجودة وهي الأمة الإسلامية، لذلك لما كانت الأفكار القومية السابقة لا تملك عناصر تكوين أمة. اضطرت إلى استمداد عناصرها من الحضارة الغربية في كل مجالاتها الفكرية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية إلخ ... وكانت نتيجة ذلك التصادم مع كيان الأمة الإسلامية والاجتهاد في اقتلاعها من جذورها الحضارية، وممارسة نفيها، وحملها على التغريب.
مما أدى إلى تفتيتها، وإلى بروز خطر حقيقي على وجودها تمثل في قيام دولة إسرائيل.
هذه قراءة فاحصة لمقولتي «عصر الانحطاطه» و«عصر النهضة»، وإني أمل في نهاية هذه القراءة الفاحصة أن أكون قد وفقت في إلقاء الأضواء عليهما من أجل تقويم سليم الأوضاع أمتنا الإسلامية يكون دعامة لانطلاق حضاري فعال ومثمر بإذن الله تعالى.
الرابط المختصر :