العنوان قرار مجلس النواب الأمريكي بشأن القدس استهتار بالعرب و المسلمين
الكاتب المحرر المحلي
تاريخ النشر الثلاثاء 24-يونيو-1997
مشاهدات 89
نشر في العدد 1255
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 24-يونيو-1997
أكدت الولايات المتحدة مجددا عزمها على المضي في سياسة التعدي على الحقوق العربية والإسلامية، وتحدي مشاعر العرب والمسلمين والاستهتار بها، وأثبتت للجميع بشكل متكرر أن مصالح الحليف الصهيوني ورغباته مقدمة على جميع الاعتبارات والمصالح الأخرى.
وفي اعتقادنا أن هذا التوجه ثابت في السياسة الأمريكية منذ عقود من الزمان، فهي لم تكن يوما نصيرة للقضايا الإسلامية، ولا للقضية الفلسطينية، ولكن الحديث يتجدد بمناسبة قرار مجلس النواب الأمريكي الأخير باعتبار القدس الإسلامية المحتلة عاصمة موحدة غير مجزأة للكيان الصهيوني، وتخصيص مائة مليون دولار لنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس المحتلة.
وقد سبق لمجلس الشيوخ أن اتخذ قراراً مشابهاً في أكتوبر عام ١٩٩٥م بأغلبية ۹۳ صوتاً ضد خمسة أصوات، باعتبار القدس عاصمة للكيان الصهيوني، وحدد مهلة حتى نهاية شهر مايو من عام ۱۹۹۹م لإتمام عملية نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، ثم جاء قرار مجلس النواب ليؤكد القرار السابق ويدعمه.
ويجيء قرار مجلس النواب في وقت سقطت فيه عملية التسوية الاستسلامية على المسار الفلسطيني الإسرائيلي، وتخلت فيه الولايات المتحدة عن دورها الوهمي في رعاية المفاوضات، بل تحركت لإجهاض بعض المبادرات الإقليمية التي تسعى لاهثة لإحياء المفاوضات على أي شكل، وبصرف النظر عن النتائج، الأمر الذي يعني أن الخيار الأمريكي الوحيد في الحكومة والكونجرس على السواء هو إطلاق العنان للغطرسة الصهيونية، وسلب المنطقة حقوقها وكل أدوات المقاومة، حتى لا يكون أمامها من سبيل سوى الرضوخ التام للهيمنة اليهودية.
ولا يقلل من أهمية قرار الكونجرس المعارضة الشكلية التي أظهرتها الإدارة الأمريكية والتي جاءت لذر الرماد في العيون، أو كون القرار غير ملزم من حيث التنفيذ، فالقرار له أكثر من دلالة معنوية
أولاً: أنه يكشف حجم هيمنة اللوبي الصهيوني على الكونجرس وما يصدر عنه، فقرار بمثل هذه الحساسية صدر بتأیید ساحق إذ حصل على ٤٠٦ أصوات مقابل معارضة سبعة عشر عضواً فقط، وقد تجلى اندفاع كلا الحزبين الديمقراطي والجمهوري لتأييد إسرائيل بشكل أعمى، فإذا اضفنا إلى ذلك ما يتمتع به اللوبي الصهيوني من نفوذ في الإدارة الأمريكيةـ والذي يمثله تعيين وليام كوهين وزيراً للدفاع، ومادلين أولبرايت وزيرة للخارجية وصامويل بيرجر مستشاراً للأمن القومي، ودينيس روس مبعوثاً للشرق الأوسط. وكلهم يهود - إلى جانب العشرات غيرهم من الصهاينة والمتصهينين في الإدارة الأمريكية والبيت الأبيض، اتضح لنا خطورة التعويل على القرار الأمريكي أو الانخداع بكون الولايات المتحدة وسيطاً عادلاً في قضيتنا الفلسطينية المصيرية.
ثانياً: إن القرار يعطي الضوء الأخضر لرئيس الوزراء الصهيوني للمضي في سياسات الاستيطان، التي تدعو إلى انتزاع الجزء اليسير المتبقي من أرض فلسطين من أيدي أصحابها، وبصفة خاصة القدس التي تحاصرها المستوطنات من كل جانب، بهدف تغيير معالمها تماما، حتى صارت القدس هي المشروع الاستيطاني الصهيوني الأول..
ثالثاً: إن الحكومة الأمريكية أيدت ضمناً قرار الكونجرس الخاص بالقدس حين صدر - لأول مرة . فالرئيس الأمريكي لم يلجأ إلى نقض القرار، وكل ما فعله أنه طلب تأجيل نقل السفارة، وكأن المسألة تتعلق بتوقيت القرار لا بمضمونه، وهذا التأجيل تسويف مقصود به آن يسري الخدر في أعصابنا، ونتعلل بطول الأمد طالما أن القرار لن ينفذ على الفور.
رابعاً: إن عودة مجلس النواب لإصدار قرار بشأن القدس رغم وجود قرار سابق يعني أن الكونجرس الأمريكي مصر على إعلان نواياه العدائية تجاه العرب والمسلمين، واستخفافه بحقوقهم ومشاعرهم وبقرارات الأمم المتحدة التي تعتبر القدس مدينة محتلة.
إن مثل هذه القرارات الاستفزازية إنما هي سياسة التفريط في الحقوق العربية والإسلامية تحت دعوى التسوية، فالسياسة الأمريكية حتى وقت قريب كانت تعتبر القدس مدينة محتلة، بل إن الاتفاقات الاستسلامية التي أشرفت بنفسها على توقيعها بين الفلسطينيين والإسرائيليين تنص على تأجيل البت في مصير القدس إلى المرحلة النهائية من المفاوضات التي لم تبدأ بعد، ولكن ما إن قبلت منظمة التحرير الفلسطينية وبعض الحكومات العربية المتخاذلة هذه التنازلات حتى تبنت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني موقفاً أكثر تشدداً.
إن الشعوب العربية والإسلامية لها موقف واضح من السياسة الأمريكية في المنطقة، ولكن المطلوب الآن وقفة حاسمة من الحكومات العربية والإسلامية وفي مقدمتها مصر التي يجب أن تقف موقفاً صامداً أمام هذه التوجهات العدائية وألا تسترسل في المفاوضات الاستسلامية التي لا جدوى منها، إن موقف مصر الذي تدعوها إليه سيترتب عليه موقف مماثل من الدول العربية والإسلامية، أما أي موقف تتنازل فيه مصر فإنه مضيعة للحقوق العربية والإسلامية، وسيسجل التاريخ المواقف المخلصة، أو المواقف المتخاذلة، وفوق هذا وذاك رضاء من الله أو سخط منه.
وإذا كانت الولايات المتحدة قوة عالمية كبرى، فإن في يد العرب والمسلمين ما هو أكبر وأعظم... ففي أيديهم قوة العقيدة وقوة الحق الذي نحن مطالبون أمام الله بأن ننصره ونحميه، ثم إن لدينا من أساليب القوة المادية التي وهبها لنا الله ما يهيئ لنا أسباب استخلاص حقنا السليب.
إن الدفاع عن الحق واجب لا ينبغي لأحد أن يتقاعس عنه، ولموت في سبيل الله وشهادة خير من حياة ذل نعيشها تحت الضغط الأمريكي والتهديد اليهودي، ولا ننسى أن لليهود أطماعاً تتعدى فلسطين، فهم يسعون إلى السيطرة الاقتصادية، والهيمنة السياسية، والتفوق العسكري ليحققوا حلمهم بدولة تسيطر على ما بين النيل والفرات، بل إن أعينهم تنظر إلى أبعد من ذلك.... إلى منابع البترول في البلاد العربية وإيران... فهل ننتظر إلى أن تضيع كل مقدسات المسلمين وأوطانهم؟!