العنوان من الحياة- قسوة الأب تورث الندم
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 06-فبراير-2010
مشاهدات 53
نشر في العدد 1888
نشر في الصفحة 57
السبت 06-فبراير-2010
بينما كان الأب ينظف سيارته الجديدة.. تناول طفله الصغير إحدى الحصوات، وبدأ يكتب على السيارة ويخدش صبغها!!
ثار الأب وانفعل، وغضب غضبًا شديدًا، وتحرّك دون أن يشعر صَوْبَ طفله، وكرر ضربه بشدةٍ عدة مرات على يده، وهو لا يدري أنه يضرب يد ابنه بمطرقة صُلْبة!!
بكى الطفل، وتألم ألمًا شديدًا، ولاحظت الأم عجز الطفل عن أن يحرك أصابعه، فنادت أباه وأخبرته، وسارع الأب بالذهاب إلى المستشفى، وهناك فقد الطفل أصابعه، بسبب الكسور والمضاعفات التي أصابته، نتيجة الضرب الشديد بالمطرقة!!
أفاق الطفل على وجه أبيه يشاهده فبادر الطفل بسؤال أبيه - الذي ظهرت عليه علامات الحزن وآثار البكاء: متى ستنبت أصابعي يا أبي؟
وقع سؤال الطفل وقع الصاعقة على أبيه، ولم يستطع أن يجيب ابنه ولو بكلمة واحدة، ولم يتمالك نفسه من البكاء، فخرج ليبكي بعيدًا عن طفله، وتوجه نحو سيارته، وضربها عدة ضربات ثم جلس بجوارها، وقد بدت على وجهه علامات الندم والحزن والألم لما فعله بابنه، ثم نظر إلى المكان الذي خدشه طفله في السيارة، فإذا به يقرأ ما كتبه طفله: «أحبك يا أبي»!!
إن عاطفة الأبوة لا تصفها الكلمات مهما كانت بليغة إنما تجسدها العاطفة والمشاعر.. إن هذا الموقف الذي قسا فيه الأب على ابنه سببه انفعال عابر فائر. وبتحليل هذا الموقف تربويًا يمكننا أن نخرج منه بدروس مستفادة، أهمها:
أولًا: قد ينفعل الأب فيؤدي به انفعاله إلى عواقب وخيمة، فتورته هذه القسوة الندم طوال حياته بل قد تكون سببًا في هلاكه، وخسرانه الدنيا والآخرة.
ثانيًا: بالحب لا بالغضب:
بإمكاننا أن نأسر قلوب أبنائنا بالحب، ونستطيع أن تربيهم بالحب وعلى الحب، وأن تكسبهم القيم والأخلاق بالحب لا بالغضب، نستطيع أن نعالج فيهم السلوكيات السلبية بالحب لا بالغضب.
ثالثًا: حب الآباء للأبناء قائم:
فقد يخطئ الأب في ممارساته غير التربوية، وقد يقسو ظنًا منه أن في القسوة الخير والفائدة لولده، ثم يرى العاقبة وخيمة فيندم، وهذا يؤكد أنه حريص على مصلحة أولاده، ولكنه أخطأ في الممارسة، فالخطأ في الممارسة -إذن- لا يعني فقدان الحب.
من هنا أقول لمثل هذا الأب - الذي يقسو على ولده برغم أنه يحبه: إن أولادنا هم أفلاذ أكبادنا، تتعب ليرتاحوا، وتسهر ليناموا، وتشقى ليسعدوا، ونحرم أنفسنا لينعموا، فلنحسن تربيتهم، لنقدمهم أفرادًا وأعضاء أسوياء للدين والوطن.
همسة في أذن الآباء
ليعلم الآباء أن لكل مرحلة سنيّة خصائصها التي تتميز بها، وكل مرحلة عمريّة تمر بأزمات وتغيّرات تحتاج من الوالدين إلى ثقافة تربوية وحُسن ممارسة وحكمة في التعامل.
أقسو عليك لأني أحبك
ما أكثر ما نسمع هذه الكلمة من الآباء لأولادهم، متجاهلين أن القسوة قد تولد داخل الأولاد عقدًا نفسية، وربما يتفاقم الأمر، فيتحوّل إلى أمراض نفسيّة، يصعب التخلص منها:
لم يكن الحب أبدًا دافعًا للقسوة، بل إن القسوة لا تنسجم أبدًا مع معاني الحب ومشاعره، فالحب يجب أن يكون رقيقًا ودودًا، حاليًا حنونًا، فمن أحب إنسانًا لا يمكن أبدًا أن يقسو عليه، والقسوة لا تنسجم مع عاطفة الأبوّة.
صور من القسوة: هناك أباء يضربون أولادهم وهم أطفال، ويمارسون ذلك معهم دون توقف، فيستمر في الضرب حتى بعد أن يصيروا فتيانًا وشبابًا!!
وهناك أباء أدمنوا توبيخ أولادهم، ناسين، أو متناسين أن في ذلك إهانة لهم، وقد يؤدي ذلك إلى إذلال الأولاد، وإضعاف شخصياتهم، وتذويب ذواتهم، وإهدار كرامتهم، واستمراء الأولاد للذل والمهانة، واضطراب مشاعرهم.
إن لسان حال أولادنا يقول: لا تقسوا علينا.. فالذي يقسُو علينا لا يحبنا، ولأننا بشر فإننا نحتاج إلى من يحبنا، نحتاج إلى من يقوّم سلوكنا ويربينا بالحب لا بالسوط المسلط على أبداننا.
توضيح وإبانة
قد يفهم بعض الناس أني بكلامي هذا ألغي مبدأ العقاب، وهو أسلوب أصيل في التربية الإسلامية، ولذلك أقول: هناك فرق بين العقاب والقسوة، فلعلها صور كثيرة، منها ما هو عقاب مادي، كحرمان من المصروف، أو من نزهة أو مكافأة.. إلخ، وهناك العقاب المعنوي، وقد يكون هذا الأخير بنظرة تعبر عن رفض الوالد لسلوك ابنه، وقد تكون بتنبيهه إلى خطئه، أو إهمال الابن في الحوار لإظهار اعتراض والده، أو حرمانه من ثناء أو إطراء.
قدوتنا
لنا في رسولنا الكريم ﷺ الأسوة الحسنة، فقد ربّى جيلًا بالحب والرفق والحنو، وهكذا كان منهجه في التعامل مع من حوله جميعًا، مع زوجاته وأولاده وأصحابه وأحفاده، وحتى مع الغلاظ القساة من الأعراب وغيرهم، حتى وصفه ربه سبحانه بقوله تعالي: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران: 159).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل