العنوان قصة العدد.. نور في الأفق المظلم
الكاتب المحرر الثقافي
تاريخ النشر الثلاثاء 06-فبراير-1979
مشاهدات 68
نشر في العدد 431
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 06-فبراير-1979
ملخص ما نشر:
عبد المجيد شاب صغير تحت العشرين طالب في المرحلة الثانوية رمته السيارة داخل أسوار السجن الحربي. ورموه في زنزانة.
وعاش في السجن بين جدران غليظة قاتمة قاتلة. ولكن لحظات العبادة والتأمل أنقذته من مخالب الهلاك.
وشهد المعتقلون ليلة لا يمحوها الزمن من الذاكرة. كانت بدايتها قبل غروب الشمس، وكانت نهايتها غير واضحة. حتى ظن البعض أن نهايتها هي نهايتهم أيضًا.
وخرج الجميع إلى الفناء الواسع ليشهدوا العراة والدم يسيل منهم. وحلقت غربان الرعب فوق الرؤوس وقد ظهر قائد السجن وهدد بالموت.
تابع الجزء الثالث
وبعد وقت غير قصير ظهر قائد السجن الحربي صاحب الرتبة الرفيعة، والجثة الضخمة.صعد فوق مرتقى من الحجر، وأشار بعصاه إلى العراة وهتف:
- هذا هو مصيرهم.. أنا هنا أملك الحياة والموت.
سمع عبد المجيد هذه الجملة واستعاذ بالله من الشيطان. وشرد بذهنه، فلم يسمع بقية كلامه، مع أنه كان يحدق في عصاه التي يلوح بها في الفضاء.
ودهش عبد المجيد كيف يتحمل هؤلاء العراة ذلك البرد الشديد.
تكاد أطرافه تتجمد من الثلج، ورأسه تطیر مع هواء الصحراء.
كان الله في عون هؤلاء. مجرد كلمة حق قيلت في وجه رئيس المحكمة، يحدث ما يرى. ويتحدث قائد السجن بلسان الجبروت، ويتعالى فوق البشر، ويظن نفسه يملك مصير المعتقلين.
أرسل عبد المجيد- وهو واقف بين الصفوف- بصره إلى السماء، رأى النجوم تضطرب. صعد إليها ببصره وفكره. سألها عن معنى الإنسان الذي ينسى نفسه، ويظلم غيره. إنه يناجي النجوم بما في قرارة صدره، وبما في شرارة ذهنه. جالت عيناه بعيدًا. كان القمر يقترب من تكوينه وينمو ويعلو، ويرنو إليه، لولا بعض السحب تزحف إليه، لكنه مع ذلك يراه بعينيه، ويود أن يتعلق به، ويغيب عن المعتقل.
أفاق على صوت يصرخ. سقط بصره من السماء إلى الأرض.
اصطدم بأصحاب الأجسام العارية، وجد أحدهم يصرخ تحت ضربات السوط وهو ينهض. عرف أنه وقع على الأرض.
فجاء جندي يمطره بتلك الضربات لينهض في الحال. أخذ ينظر إلى منظر التعذيب بألم العاجز عن رد الظلم. لا يملك إلا أن يحس بالألم نحو الشاب الذي يتعذب، ويحس بكثير من الازدراء نحو الجندي الذي يمثل الطغاة.
بعد ساعة من ذلك المشهد، عاد المعتقلون إلى حيث يقيمون داخل الزنازين. حاول عبد المجيد أن ينام، غير أن أفكاره ظلت تؤرقه. ومن المؤكد أن الأرق زار الجميع في تلك الليلة. صورة العراة لا تغيب عن العيون رغم الظلام المعتم. ولهذا كان من الصعب أن يغرق أحد في النوم.
علا صوت صادق شيئًا فشيئًا:
- قائد المعتقل خبيث.. جعلنا نرى العراة وما حدث لهم لنتعظ.. ولكن خبثه ذهب مع الهواء.. ألا يدري أننا لا نخشى أحدًا..
قال عبد المجيد:
- سامحه الله.. سامحه الله.
وغرقت الزنزانة في صمت عميق.
- ٤-
تبددت الغيوم وانجلت. وترددت الأحاديث عن الدستور وعن فكرة الإفراج عن المعتقلين. وكانت الأيام تجري نحو شهر مارس. ومن هنا كان تفكير عبد المجيد عن فائدة الإفراج وقد مضى العام الدراسي.
لن يستطيع أن يحقق شيئًا. ضاع عام دراسي من عمره.
وأشرقت الشمس. وصار النهار دافئًا، ثم تحول الدفء إلى شيء من الحرارة مع هلول أبريل. وقيل إن الصيف يحمل خبر الإفراج الأكيد. وقد كان. وخرج بعض المعتقلين إلى الشارع يتفرجون على مسرحية الحياة.
وانتقل عبد المجيد إلى سجن القلعة. وجلس في قاعة المحاضرات يستمع إلى رجال الأمن والنصح والإرشاد. ويعد نفسه الساعة الإفراج.
بات في سجن القلعة كضيف.
يعلم أنه سيخرج بعد أيام. لا يشعر بفرحة أو بحزن. لا أحد يصرخ هنا كما كان يحدث في السجن الحربي.
الكل يهمس بحديث لقاء الأهل.
أما عبد المجيد فقد آثر الصمت. ربما كان يتكلم مع نفسه كثيرًا، وربما كان الصمت. قد شمل النفس والناس جميعًا.
وحان يوم الخروج. وركب مع آخرين سيارة كبيرة. ذهب ذهنه يسبقه إلى رؤية الطرق والازدحام.
وما أن تحركت السيارة حتى اضطربت نفسه بمشهد الشوارع.
لم تكن السيارة مغلقة من كل جانب كالسيارة التي نقلته من قبل إلى سجن القلعة.
رأى الناس وحركة الحياة فأحس أنه لا يزال على قيد الحياة. ذاب بصره بين البشر. ابتسم لشخص في الطريق لا يعرفه. رمى همومه في فضاء واسع لا حدود له. لا وجود للجدران الضيقة. هي الحياة والحرية، وهو يستعى إليهما. وهذا هو الترام. وهذه هي الحوانيت على جانبي الطريق.
وأهم من هذا كله، هذا هو الهواء الذي ينبغي أن يتنفسه، ويملأ به رئتيه.
دخلت السيارة مبنى وزارة الداخلية. ونزل منها ليصعد الدرج، ويغيب داخل المبنى لمدة ساعة ثم يخرج إلى الساحة حرًا طليقًا، وهو يحمل الحقيبة التي كانت معه يوم اعتقاله. وفوجئ عبد المجيد بأبيه. رآه واقفًا في نفس المكان الذي ودعه فيه يوم اعتقاله. ما أن رآه حتى هبط الدرج كمن يتدحرج ويوشك أن يقع وينكب على وجهه. من هول المفاجأة أدمعت عيناه بقطرات سالت تجري وهي وتعبر عن الفرحة والألم في آن واحد. ومن هول المفاجأة أصابه شيء من الصمت يشبه الخرس كان لسانه ممسوكًا بالذهول.
قال الأب الذي كان يملأ عينيه بوجه ابنه :
- أحمد الله وأشكره على عودتك.. ظل ينظر إليه دون أن ينبس.
فاستطرد الأب:
- علمت بيوم الإفراج عنك.. فجئت إليك.
عند ذاك قال عبد المجيد:
- كيف علمت.. أخبرني؟
- عن طريق أحد المخبرين.. وقد عرفت أمك كذلك بهذا اليوم.. وكل أخوتك.. يوجد في البيت الآن مهرجان من الفرح والسرور.
وانحنى الأب وحمل الحقيبة عن ابنه، أصر على حملها، ورفض أن يتركها من يده. وقال لابنه وهما يسيران نحو محطة الترام:
- أنا لا أريد أن أحمل الحقيبة فقط.. أريد أن أحمل أيضًا صاحب الحقيبة وأطير به إلى حيث لا يراه أحد..
وركبا الترام المتجهة الى محطة باب الحديد. وفي اثناء الطريق دار حديث طويل بينهما عن الأهل وعن الحياة وعن المستقبل. وكان الجو يميل الى حرارة الصيف اكثر من ميله إلى اعتدال الربيع الذي ذهب.
- ٥-
في بلدة «عزبة النخل» كان لقاء رائع . من عجب أن أهل البلدة لم يخافوا من شخص خارج من المعتقل ومن المحتمل أن يكون واقعًا تحت عيون المخبرين منذ تلك اللحظة.
بل من المؤكد أنه مراقب بمجهر المخابرات.
لم يخف أحد من أهل البلدة، وأتى لزيارته في نفس اليوم. تحولت الدار إلى مكان استقبال للمهنئين. وجاء على رأس هؤلاء جميعًا مؤذن المسجد ذلك الرجل الطيب الذي ينادي خمس مرات كل يوم للصلاة. قال لعبد المجيد:
- كنت أدعو لك بعد كل أذان.
أي تحية أجمل من تلك التحية التي نطق بها مؤذن المسجد المعروف بورعه وحبه للإسلام. قال له عبد المجيد:
- جئت معي بهدية لك..
سال المؤذن بدهشة:
- أعائد أنت من مكان يباع فيه ما اشتريت؟
- لم أشتر.. خذ.. هذه الهدية صنعتها بنفسي.. وقد صنع مثلها المعتقلون.. إنها مسبحة من أنقاء الزيتون..
أعجب بها المؤذن أيما إعجاب، وقال:
- إنها أغلى هدية قدمت لي في حياتي..
- طعام الفطور في المعتقل من الفول والزيتون الأسود.. وقد صنعنا أشياء كثيرة هناك رغم الشدة والعنف ضد أدوات التصنيع.
ضحكا حتى فاض الضحك على الآخرين، فاشتركوا معهما في الضحك. وقام الأب بدوره الطبيعي في الحفاوة بضيوفه، كما قامت الأم من ناحية أخرى بدورها في الترحيب بضيوفها. ونهض المؤذن مستأذنًا للاستعداد لنداء الصلاة في وقت المغرب، فقال عبد المجيد:
- وأنا كذلك استأذن من ضيوفي.. أرغب في صلاة المغرب في المسجد.. إلا إذا ذهبنا جميعًا.
قال رجل من أصحاب أبيه بلهجة فيها مزح..
- ظننت أنك ستترك الصلاة بعد خروجك من المعتقل.
وقال آخر بلهجة فيها مزح ولسع:
- فلم تترك الصلاة.. وانتقلت إلى المسجد بين حشد من الناس وتحت عدسة الغروب.
- ثم التفت إلى الأب قائلًا:
- ألا تمنعه من الذهاب.. حتى لا يعود غدًا إلى المعتقل؟
قال الأب بطريقة تحسم الموقف، وتحول المزح إلى جد:
- إني ذاهب معه.. لا صلاة اليوم إلا في المسجد. مع أني أعلم بأن الطريق فيه لغم.
ورغم جدية الأب، ضحكوا على قوله «لغم» وعرفوا أنه يقصد المخبر. وضحك الأب بوجهه الجاد ثم قال:
- ولينفجر اللغم غيظًا قبل أن ينفجر بأي شيء آخر.
وتحرك موكب كبير نحو المسجد، يتقدمه عبد المجيد والمؤذن، وكأنه جيش يجر وراءه حب البلدة وقوتها.
- ٦-
بعد أسبوع واحد من تاريخ خروجه من المعتقل، جمع كتبه وكراساته، وجهز نفسه لمعركة جديدة بدأ يستعد لها ليخوض غمارها، وهي معركة حصوله على شهادة الثانوية العامة قد ضاع عام من عمره. ضاع بمعنى مروره بلا دراسة بمعنى الاستفادة، فالعام لم يذهب هباء. كانت الفائدة أعظم.
وكانت التجربة أعمق. ولذلك قرر أن يعوض ذلك العام من الناحية الدراسية. وبدأ معركة الحصول على الشهادة في صيف ١٩٥٦ م.
يقرأ وحده، ويعلم نفسه، ويعتمد على جهده، ليعبر الطريق إلى الجامعة. لن يقهره الظلم، ولم يؤثر فيه ظلام المعتقل وبرده. ولن يضعف أمام احتكار القوة، بل القوة في ذاته، ولا يحتكرها أحد.
وجاء الخريف، واشتعلت حرب بورسعيد. ورمت قوانين الحرب ظلامها على البلدة. ودوت القنابل والمدافع قريبًا منه، حيث يوجد المطار. وزحفت السيارات العسكرية تختفي تحت الأشجار.
وذلك كله لم يمنعه من التوقف عن الاستمرار في معركته. لم يكن له دور في معركة الحرب الدائرة بسبب العدوان الثلاثي. فجعل دوره الطبيعي يستمر لعله ينطلق ويحقق ما يريد في الغد. كان يضع أردية سوداء فوق النوافذ ليحجب الضوء، ويجلس في الحجرة يلتهم الكتب التهامًا متحديًا كل الصعاب. معركة المسلم مستمرة إلى الأبد.
وما أشد معركة النفس. هل تتسلل إليها جحافل الفكر المنحرف؟
إن الحرب بالطائرات والمدافع أرحم من الحرب بالكلمات المسمومة، والصفحات المغرية بحضارة العصر. ليست الحضارة كلها خير. وكيف يتم الاختيار؟ لا بد من عودة الإسلام إلى صورته الصافية وحقيقته النقية قبل كل شيء. ولا بد من المجتمع المسلم ليكون الاختيار في النهاية نتيجة منطقية لبداية سليمة من أجل حضارة جديدة لدولة عظيمة يرفرف عليها علم يحمل قوة الإسلام ووحدته.
كل تلك الأفكار كانت ترد إلى ذهنه وهو جالس في حجرته يخوض معركته، ويسمع دوي القنابل التي تهز الأرض أيام حرب ١٩٥٦م.
تمت
في العدد القادم قصة جديدة بعنوان:
«الطريد»
وهي قصة إسلامية وقعت أحداثها بعد غزوة بدر الكبرى، وتصور جانبًا من الحياة في ذلك العصر الذي أضاء بنور الرسول- عليه الصلاة والسلام-.
وإلى اللقاء..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل