الثلاثاء 27-أغسطس-1974
شاب لا يزيد عمره عن السادسة عشرة كنت ألعب معه في أحد الأندية الرياضية، وكان مثالاً للحيوية الجسمية يطيع مدربه ويخلص في لعبه حتى يحقق الفوز لفريقه، وكان حريصا ككل الشباب الرياضي على مشاهدة المباريات وحضورها وتشجيع فريقه فيها لا يدع لعبة واحدة إلا حضرها وحتى في فرص النشاط في المدرسة كان يشارك في اللعب بكرة صغيرة كنا نخفيها عن المدرسين في أدراجنا، وإذا حانت فرصة النشاط وجدته أول الخارجين من المطعم ليلعب أكبر قدر ممكن، كانت الكرة روحه وحياته وكانت تشكل هي وحب سباق السيارات أعظم تفكيره وأجهزة في عقله.
وانقطع الاتصال بيننا إذ تركت اللعب بالنادي ومنّ الله عليّ بالإسلام الصحيح فكرست وقتي له، ولم أكن أتصور لهذا الصاحب فرصة يمكن أن تتاح له للحاق بالركب لأن من حوله من الشباب والمسؤولين في النادي كانت حياتهم ممتزجة بالرياضة فلا هم يشغلهم ولا تفكير لهم سوى الفوز على ذلك النادي والانتصار على هذا النادي، وكانت حياة النادي مليئة بصراع نفسي شديد يحدثه الفوز أو الهزيمة على السواء، وكنت تسمع وأنت بالنادي حديث الشباب وما يدور حوله وتحس بالمرارة تعصر كبدك لضياع هذا الشباب وما كنت تحسب له الهداية على أكبر التقديرات المادية والحسابات، ولكن الله يمن على هذا الشاب فيسمع محاضرة وعظة من أحد الوعاظ الذين أثروا كثيرا على نفوس الشباب وعواطفهم فتهتز نفس هذا الشاب فيندفع بالبكاء العميق والدموع الغزيرة التي لفتت أنظار جميع من حوله من المستمعين الذين كانت ساحة المسجد وما حوله تمتلئ بهم فتغشى الحاضرين موجة من العطف وحب التوجه إلى الله حتى لكان أسقف وجدران المسجد تسقط على الحاضرين، وكنت من الذين شاهدوا هذا الصاحب فلم تصدق عيني لأن حساباتي كانت مادية وكنت مصيبًا في بعض ما كنت أتصوره عن اهتداء هذا الشاب؛ إذ كما قلت من قبل كانت حياته وحياة من حوله لا تسمح بأي تفكير جدي، وأسقط هذا الشاب كل تقدير مادي عندي كما سقط هو من حسابات الأندية ومشاكلها، وبدأت روحه الرياضية تتحول إلى إسلامية، وبدأ تفكيره في سباق السيارات يتحول إلى تفكير في سباق الحسنات فأطلق لروحه العنان في ميدانها الصحيح وسخّر جسمه في سبيل الله فما عاد يلعب الكرة من أجل الكرة، بل أصبح لعبه ليعطي جسمه المرونة الحركية التي تفيده في دعوته إلى الله وانضم لصفوف العاملين للدعوة إلى الله وتزوج هذا الشاب فتاة مسلمة كانت سعادته وهناءه تعصمه من الزلات وتقي نظره الآثام والمنكرات وتعينه على نوائب الدهر.
والتقينا ثانية فإذا هو لقاء يختلف عن تلك اللقاءات كان لقاء الروح بالروح فنظر إليّ ولم أستطع النظر إليه لحسن وجهه وجمال لحيته ولتلك العلامة الكبيرة التي كانت تغطي وجهه من أثر السجود وكانت حالتنا كافية لتشرح ما يدور في أنفسنا وتعانقنا عناق الأخوة وتحدثنا حديث الإيمان ولما حانت الصلاة تقدم بنا فإذا بالمؤمنين تزيدهم حلاوة صوته وعذوبة قراءته إیمانا علی إيمان حتى كأننا نسمع القرآن لأول مرة وإذا بالسكوت يتحول إلى بكاء منقطع النظير في أدب كبير من الرب -تبارك وتعالى- وبين يديه -عز وجل-.
وهكذا كانت حياة هذا الشاب الذي مَنّ الله عليه بالإسلام وتذكرني قصته ببيت من الشعر يقول قائله:
إن لله عبادا فطنا
طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا
نظروا فيها فلما علموا
أنها ليست لحي وطنا
جعلوها لجة واتخذوا
صالح الأعمال فيها سفنا
وعلى طريق هذا الشاب شباب كثير وشابات كثيرات عرفوا الإسلام فأدركوا ضياع الإنسان بدونه تركوا السينمات والملاهي واتجهوا إلى الله إلى عطفه وحنانه إلى حياة كريمة هادئة خالية المشاكل في ظل الله وتحت رايته، وعلى طريق هذا الشاب سينهج الكثيرون، والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، ويزيد الله الذين اهتدوا هدى، والحمد لله رب العالمين.
حمود حطاب
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل