العنوان قصة سقوط طاغية
الكاتب د.حمزة زوبع
تاريخ النشر الثلاثاء 17-أكتوبر-2000
مشاهدات 72
نشر في العدد 1422
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 17-أكتوبر-2000
حين يذكر هذا التعبير، يتراءى لبعض المغلوبين على أمرهم في العالم الثالث أن المقصود بالطاغية هو ذلك الجاسم فوق صدورهم، لست أتحدث عن طاغيتهم، ولكن عن طاغية صربيا الملقب بجزار البلقان وصدام أوروبا. سلوبودان ميلوسوفيتش.
هذا الرجل الذي استعرضنا قصته في مقال سابق، وذكرنا أنه لكي يزول عن السلطة فعلي الشعب أن يخرج في حشود كبيرة، وأن يرفع الجيش والشرطة دعمهما عنه. الآن سقط ميلوسوفيتش وقبل أن يسقط أعلن في كلمات تنم عن بجاحه فائقة أنه سيذهب وزوجته ليستريحا قليلًا، ثم يعود ليقود المعارضة من أجل نجاح يوغوسلافيا، هكذا ببساطة يعد الطاغية شعبه المنكوب بالعودة مرة أخرى، وكان الجماهير التي خرجت غاضبة مطالبة برحيله، كانت تهتف بحياته، وما أشبه الليلة بالبارحة، فقبل يومين من شنقه كان طاغية رومانيا «نيكولاي شاوشيسكو» يحيي الجماهير المزيفة من شرفة منزله.
قصة ميلوسوفيتش وماريانا ماركوفيتش:
في عام ١٩٤١م ابتليت البشرية وخصوصًا المسلمة منها بمولد الطاغية سلوبودان ميلوسوفيتش في بلدة بوزاريفاتش القريبة من بلجراد انتحر عمه أمام عينيه بعد أن أطلق النار على رأسه وتناثر منه أشلاء أمامه، أما أبوه فقد ترك الأسرة في أعقاب الحرب العالمية الثانية وانتحر في عام ١٩٦٢م في الجبل الأسود وكذلك فعلت أمه الشيوعية بعد عشر سنوات من رحيل زوجها الذي انفصل عنها. في هذه البيئة المفككة نشأ ميلوسوفيتش وهو يرى أمام عينيه نشأة الجمهورية الشيوعية أو ما عرف بالاتحاد اليوغوسلافي على يد جوزيف بروز تيتو الذي استمر في الحكم حتى عام ١٩٨٠م.
تعرف ميلوسوفيتش إلى رفيقة دربه المرأة الطموحة «ماريانا ماركوفيتش» وتزوجها قبل ٣٥عامًا بعد علاقة بدأت من أيام الدراسة الثانوية وهي التي قال عنها تقرير لـ «سي إن إن»: «إنها تمثل الطموح اللامحدود» ويقول دوشان ميتفيتش المدير السابق للإذاعة والتلفزة اليوغسلافية في العقد الأخير بدأ نجمه «ميلوسوفيتش» في الهبوط بينما ارتفعت أسهمها في صناعة القرار. عن كل شيء سواء كان شخصيًا أم سياسيًا كانت تقول أنا المسؤولة»
كانت تعتقد أنها وريثة تيتو وأن مجد يوغسلافيا أمانة في عنقها، وكانت دائمًا ما تقول لزوجها قبل وصوله للسلطة: «يومًا ما ستصبح صورك على الجدران مثل صور الزعيم تيتو».
ماريانا ماركوفيتش هي الأخرى تخرجت في بيت لم يعرف سوى التشرذم والتفكك، فقد قتلت أمها بعد الحرب العالمية الثانية لأن المقاومة أتهمتها بأنها سريت معلومات للنازي قتلها أبوها أي جد ماريانا الذي أراد أن يزيل العار بيده! وبقيت ماريانا دون أن يعترف بها أبوها لذي كان شيوعيًا كذلك وكان من أفراد المقاومة ضد النازي حتى تزوج مرة ثانية واعترف بابنته هي في السادسة عشرة من عمرها.
كانت ماريانا أشد من ميلوسوفيتش إيمانًا فكرة الشيوعية وكانت تراه براجماتيًا لا شيوعيًا بدت ماريانا أكثر تشددًا من ميلوسوفيتش، ولكنها كانت ترى فيه الزعيم المنقذ وهي التي وجهته صوب كوسوفا لأنها كانت تعتقد أن الطريق إلى المجد يبدأ من هناك. لذا نصحته بالتخلي الشيوعية، رغم أنها عادت تشكل حزبًا يساريًا ذا توجه شيوعي في عام1996م.
صدقها زوجها وتوجه صوب كوسوفا في عام ۱۹۸7م وخطب خطبته المشهورة في الأقلية صربية بالإقليم وأعلن مقولته الشهيرة «لن ضربكم أحد بعد اليوم». ثم عاد من كوسوفا قود مسيرة حاشدة أطلق عليها مسيرة «معركة وسوفا».
ترى هل تشابهت الأحداث وتناسخت الصور كل زعيم دكتاتور يأتي إلى العالم الثالث يخرج من رحم لا يعرف الاستقرار، ويتربى في بيت لس له قرار وتلتقطه اياد خبيثة تجيد اللعب بالنفوس الضعفاء ويمر عبر بوابة الجيوش الحروب، فكلهم بلا استثناء يدعون حب الوطن وكلهم بلا استثناء فرطوا في ترابه.
ميلوسو فيتش. ماذا فعلت بيوغسلافيا؟
رغم أنها دولة شيوعية منذ تأسيسها في سنة ١٩٤٥م إلا أنها حظيت بمكانة دولية لتزعمها ركة عدم الانحياز وللنهضة الاقتصادية الكبيرة تي عاشتها، ورغم أنه كان بإمكان تيتو أن ينضم إلى حلف الناتو إلا أنها أثر أن يكون محايدًا
لكن ميلوسوفيتش وفي أقل من عشر سنوات استطاع وبمهارة يحسد عليها أن يفكك الكيان اليوغسلافي ليحيله إلى ركام، ففي عام ١٩٩١م فصلت كل من سلوفينيا وكرواتيا ومقدونيا لكنه حارب في كرواتيا وخرج مهزومًا في لافونيا الشرقية، وفي عام ۱۹۹۲م أعلن الشعب البوسني استقلاله عبر استفتاء شعبي، لكنه دخل حرب في البوسنة، واضطر إلى توقيع اتفاقية يتون، ليتخلى عن جزء كبير من الحلم الصربي صربيا الكبرى، الذي روج له.
وفي ۱۹۹۸م أعمل الله العسكرية مرة أخرى كوسوفا، وتلقى ضربات الناتو لمدة ٧٨ يومًا تالية واضطر للاستسلام والتخلي عن كوسوفا في كانت طريقه إلى سلم الحكم والرئاسة في صربيا.
وعلى يد ميلوسوفيتش لم يعد من يوغسلافيا سوى صربيا والجبل الاسود المتمرد وكوسوفا التي تديرها الأمم المتحدة وشعب يعاني ويلات الحروب وفقر مدقع اضطره إلى التسول، ومصير مجهول ينتظر الرئيس الجديد، وحسب خبراء في البنك الأوروبي فإن على الرئيس كوشتونيتشا أن يقبل بحلول صندوق النقد الدولي واتباع أوامر أوروبا وأمريكا وإلا فسوف تستمر متاعب الشعب اليوغسلافي أو لنقل الصربي تحديدًا.
أدوات ميلوسوفيتش
«كيف يصنع الدكتاتور»؟
بخلاف زوجته التي دفعته إلى حافة الهاوية هنالك أدوات أخرى:
الفكرة:
كل طاغية يأتي إلى السلطة لابد أن يبيع لشعبه فكرة جديدة تكون منطلقًا لنجوميته، فبعد انهيار الكتلة الشرقية بات من المؤكد انهيار الاتحاد اليوغسلافي كما حدث مع الاتحاد السوفييتي ودول أوروبا الشرقية، لكن ميلوسوفيتش استطاع أن يقدم فكرة صربيا الكبرى إلى شعبه المتعصب أصلًا والطامح إلى مكانة في البلقان على حساب الأعراق الأخرى خصوصًا أن تيتو استطاع تحجيم العرق الصربي خلال حكمه لكونه كرواتيًا، من هنا انطلق ميلوسوفيتش وراح يروج المعركة كوسوفا كسبيل لصربيا الكبرى.
حاول ميلوسوفيتش أن يسوق فكرة تكون منطلقا لشعبيته فدق على الوتر الحساس عند الصرب وهو إقامة صربيا الكبرى.
2- التنظيم وحفنة من المنتفعين:
ليس خافيًا على أحد أنه لكي يكون هناك دكتاتور لابد أن يكون هناك سدنة يروجون لأفكاره ويبيعون لشعبهم أوهامًا وأساطير.
يأتي على رأس هذه الحفنة:
نيكولاي ساينوفيتش نائب رئيس الوزراء ميلان ميلاتينوفيتش رئيس صربيا الذي كان وزيرًا لخارجية يوغسلافيا وعرف بأنه دمية في يد ميلوسوفيتش وكلاهما قام بتحريضه ودعمه في الحروب التي خاضها وكانا وراء مذابح المسلمين في البوسنة وكوسوفا.
فيوسلاف سيسلي وهو متعصب صربي ترأس الحزب الراديكالي المتطرف والموغل في التعصب والقومية، ورغم أنه ليس من عصابة ميلوسوفيتش المقربين إلا أن تعصبه دفع به للتحالف معه وشجعه على الدخول إلى كوسوفا وقد كافأه ميلوسوفيتش ومنحه منصب نائب رئيس الوزراء.
أما التنظيم الذي احتوى هذه الحفنة فهو الحزب الاشتراكي الذي ورث مبادئ حزب الرابطة الشيوعية في عام ١٩٩٠م.
3- حفنة من رجال الأعمال ولصوص المال العام وعلى رأسهم بوجوليوب كاريتش وإخوانه:
وقد برز إلى ساحة الاقتصاد الصربي مع صعود نجم ميلوسوفيتش، واستطاع أن يقنع ميلوسوفيتش بأنه رجل الساعة، كما نفذ إلى الوزراء والمسؤولين عبر علاقاته مع ميلوسوفيتش وابنه «ماركو»، وقام بتعيين بعضهم في مجالس إدارات شركاته واستفاد كثيرًا من الحصار. كما أفاد ميلوسوفيتش وعصابته-كذلك بعد أن اقنع ميلوسوفيتش أنه يمكنه توفير سيولة نقدية للدولة من خلال عمليات مشبوهة.
4- رؤوس الجيش والسلطة:
ونقصد اثنين من كبار القادة في الجيش والشرطة وهما وزير الدفاع دراجليوب أودانيتش وفلايكو ستويليكوفيتش وزير الداخلية، والاثنان يتفاوضان حاليًا مع المعارضة بشأن عدم تقديمهما للمحاكمة بتهمة جرائم الحرب مع ميلوسوفيتش ووزير خارجيته، كما أنهما حين شعرا بالخطر تخليا عن صاحبهما وأعلنا تهنئتهما لقائد المعارضة الفائز.
5- جهاز الإذاعة والتلفزة الحكومية:
فقد وقع هذا الجهاز الرهيب رهينة في يد ميلوسوفيتش وحده، لدرجة أن أحدًا من رموز المعارضة لم يعرف طريقه إلى هذا المبنى طيلة وجود میلوسوفيتش في السلطة، والمرة الوحيدة التي دخل فيها الرئيس المنتخب إليه كانت يوم الخامس من أكتوبر بعد أن زحفت الجماهير إلى وسط بلجراد واحتلت مبنى البرلمان ومن بعده مبنى الإذاعة والتلفزة، ومن المفارقة أن المسؤولين الجدد عن الجهاز أطلقوا عليه «إذاعة وتلفاز صربيا الجديدة».
ترى بعد أن استعرضنا هذه الأدوات هل تختلف عما رأينا في العالم الثالث؟ أعتقد أن الأمر لا يختلف كثيرًا.