العنوان قصة قصيرة: طفل من سراييفو
الكاتب فوزيه علي محيا
تاريخ النشر الثلاثاء 06-أكتوبر-1992
مشاهدات 48
نشر في العدد 1019
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 06-أكتوبر-1992
قصة قصيرة: طفل من سراييفو
بقلم: فوزية على محيا - أبها
ليلك يا سراييفو طويل طويل، كل لحظة تمر مثقلة بالآهات والعبرات، دماء
المسلمين تدفقت أنهارًا في الشوارع، أنين الثاكلات الباكيات يمزق نياط القلوب،
سراييفو أيتها الوادعة ما الذي دمرك؟ إعصار الحقد المجنون يعصف بك، يسحقك ويدمرك،
يا قلب الإسلام النابض في أوروبا هل يقدر لقلبك أن يكف عن الخفقان والمسلمون عنك
غافلون؟!! يا أخت إشبيلية وغرناطة والقدس، ماذا يراد بك؟!!
كانت هذه الخواطر تدور في ذهن «مصطفى» وهو يعبر الشارع المظلم وقد
انتصبت البنايات المحترقة فيه كالأشباح العملاقة، كان عائدًا من زيارة عمه والقيام
على شؤونه بعد أسر أولاده الثلاثة، ولكن هذه الخواطر ما لبثت أن طارت إثر الانفجار
الذي أصم أذنيه، انبطح أرضًا، وكذلك فعل أخوه الصغير «عمر» الذي أصر على مرافقة
أخيه فهو يحب عمه الذي يعلمه القرآن والدين، وما زال الأخوان يذكران حديث عمهما
الأخير عن الجنة، هدأ الانفجار فنهض الإخوان لمتابعة مسيرهما.. مجنون من يسير في
شوارع سراييفو في هذه الأوقات هكذا تمتم مصطفى بينه وبين نفسه، ولكنه سرعان ما
تنبه على صوت «عمر» وهو يقول: مصطفى ها قد وصلنا.
وتعثرت الحروف في حلقه وتجمدت الكلمات على شفتيه، ونطقت عيناه
بالدهشة، وهو يرى باب بيتهم مفتوحًا على مصراعيه، بل لم يعد هناك باب أصلًا!!
كان عبارة عن شظايا خشبية متناثرة هنا وهناك.. نظر مصطفى إلى أخيه في
ذهول، ثم أمسك بيده ودخلا البيت، وكانت غرفة الاستقبال أشبه بميدان معركة، الجدران
مثقوبة بفعل الرصاص.. الأثاث متطاير، وعندما تقدما خطوات كان المنظر الرهيب،
والداهما العجوزان جثتان ممزقتان، حفر الصليب على صدريهما بالسكين، شقيقتهما
الصغرى اختفت معالم وجهها، وانتشر الرصاص على أنحاء جسدها الغض، أوراق المصحف
الشريف ممزقة ملقاة في كل مكان، تجمدت الدموع في عيني مصطفى فلم يعد يرى شيئًا،
لكنه ما لبث أن أفاق لنفسه وتلفت حواليه فرأى «عمر» يحمل سكينًا بيد ويحمل أوراق
المصحف الممزقة في اليد الأخرى.
حاول مصطفى أن يتبعه ولكن المسافة كانت بعيدة بينهما وعندما وصل عمر
إلى نهاية الشارع كان على موعد مع أجله، لقد حاول مصطفى أن يصل إلى عمر بسرعة ولكن
الشظية كانت أسرع، ولما وصل كانت الشظية قد استقرت في رأس الصغير، فتح عمر عينيه،
وقال بصوت واهن:
مصطفى خذ السكين والمصحف واقتل الذين مزقوه وقتلوا أهلي، إني أريد أن
أذهب للجنة.. ثم أغمض عينيه وصعدت روحه إلى بارئها.
أحس مصطفى أن المسجى أمامه ليس طفلًا بل هو رجل، رجل كبير جدًا انتصب قائمًا وهو يقول «نعم إنه طفل ولكن بعزيمة رجل».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل