العنوان لماذا رجعت الباكستان إلى الإسلام.. بعد ٣٠ عامًا من قيامها؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 19-ديسمبر-1978
مشاهدات 75
نشر في العدد 424
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 19-ديسمبر-1978
- لماذا لم تطبق الباكستان الإسلام بعد قيامها؟
- لماذا انفصلت بنغلاديش؟
- ما أسباب المشكلة الجيوبولتيكية في باكستان وما أبعادها؟
- الاستعمار البريطاني سبب أكثر مشاكل المسلمين وأكبرها.
- لماذا لم يستطع اليسار الأفغاني اجتذاب قبائل الباتان في الباكستان؟
- ما هي مشكلات الباكستان الداخلية والخارجية؟؟
- ما هو الحل الوحيد أمام الباكستان؟
قامت الباكستان على الإسلام:
انفصلت الباكستان بشطريها الشرقي والغربي من الهند عام ١٩٤٨، حرصًا منها على الإسلام دينًا ومنهاجًا، وحبًا منها في العيش تحت حكم إسلامي يحكم كل دقائق الحياة في صغيرها وكبيرها، ولن نناقش اليوم صحة هذا الانفصال أو خطأه، وهل حقق الغاية منه؟ وما أسبابه؟ ومن وراءه؟ فإن لهذا مكانًا آخر.
ولكن الواقع هو أن باكستان لم تطبق الإسلام الذي انفصلت لأجله، بل إن جميع الدراسات المتنوعة حول ذلك قد أهملت إهمالًا تامًا كما قال المفكر الإسلامي «محمد أسد» في مقدمة أحد كتبه حول القانون الإسلامي.
واستبدل بذلك كله محاولة لاختراع قومية باكستانية جديدة، تجمع بين باكستان الشرقية سابقًا والغربية أولًا، ثم تجمع بين فئات الشعب في كل من القسمين.
- انفصلت بنغلاديش بسبب بُعد الباكستان عن الإسلام:
ولم تستطع هذه القومية التي اخترعوها على الطراز الغربي أن تعيش، ولا أن تكون جامعًا قويًا يربط بين فئات الباكستانيين، الأمر الذي أدى إلى اضطرابات شديدة، كان نهايتها انفصال باكستان الشرقية عن الغربية، واتخاذها اسمًا جديدًا هو بنغلاديش، وغير خاف عن قرائنا الدور الذي لعبته الهند والدول الكبرى في هذا الانفصال.
- ولم تنته المشكلة الباكستانية:
ولم تنته المشكلة الباكستانية بذلك الانفصال، وإنما هناك مشكلة أخرى هي نتيجة حتمية بديهية للنظرية القومية التي كانت الباكستان سائرة عليها، وهذه المشكلة هي مشكلة جيوبولتيكية بحتة، نشأت من تنوع أجناس الباكستانيين، وذلك لأن باكستان تضم أربع مقاطعات هي البنجاب والسند وبلوخستان وبشتان، ولكل مقاطعة من هذه مطامع وغايات وتطلعات، تتناقض بشكل أو بآخر مع ما تراه غيرها، وذلك بسبب البعد عن الإسلام الذي صار إليه الأمر في الباكستان.
وتتكون الغالبية العظمى في الباكستان من البنجابيين، ولكن بقية الأقليات على أقليتها تحتل ٥٧٪ من مساحة أرض باكستان، فضلًا عن كون هذه الأقليات تمتد إلى الدول المجاورة مثل أفغانستان وإيران، عن طريق وجود بعض منها فيهما.
بريطانيا سبب الداء:
كانت بريطانيا مستعمرة هذه المنطقة أو لها نفوذ كبير فيها، فلم تخرج منها إلا بعد أن مزقتها إلى عدة دول، وجعلت كل دولة منها تحمل بذور تمزقها من أول يوم وجدت فيه، هذا بالإضافة إلى ما تركته بريطانيا من مصالح متصارع عليها، وهذا هو ديدن الاستعمار البريطاني الخبيث وسياسته في جميع البلاد التي كان يحتلها، حرصًا منه على إشغال هذه الأمم المستعمرة في صراعات بينها، تشغلها عن أن تتحد أو تقوى، الأمر الذي يديم سيادته ومصالحه عليها جميعًا دون خوف.
مشكلات الباكستان الداخلية:
تركت بريطانيا عدة مشكلات في باكستان، كل منها كفيل بتمزيق الباكستان شر تمزيق.
1- مشكلة كشمير المتنازع عليها بين باكستان والهند والتي لم تجد إلى الآن حلًا.
2- مشكلة قبائل الباتان أو البشتان الذين جزأهم التقسيم البريطاني الاستعماري بين الباكستان وأفغانستان، ويقدر عددهم ۱۳ مليون نسمة منهم سبعة ملايين في الشمال الغربي من باكستان، وهناك ستة ملايين في أفغانستان، الأمر الذي جعل أفغانستان ترفض هذا التقسيم وتطالب دائمًا بإيجاد حل عادل لمشكلتهم، وبخاصة بعد ما تسلم اليساريون الحكم في أفغانستان.
وقبائل الباتان قوية في كلا البلدين، فهي تتحكم في باكستان بممر خيبر ذي الأهمية في القديم والحديث، وهي نفسها أيضًا تشكل القوى الحاكمة في أفغانستان منذ القديم، إلى نور محمد تراقي الماركسي الأخير، الأمر الذي جعلها تتعاطف مع الدعوة الانفصالية التي تجد من يروج لها ويدعمها في أفغانستان وغيرها، ولكن الذي يثبط حماسة قبائل الباتان، هو شك زعامتهم المتمسكة بالإسلام في نوايا نظام الحكم الماركسي في كابول بالنسبة إلى دينهم الإسلام أولًا، وبالنسبة إلى سيطرتهم على ممر خيبر الذي يؤمن لهم موردًا تجاريًا ضخمًا، إذ يعمل أكثر أفراد الباتان في هذا الممر تجارًا أو مهربين.
٣- مشكلة قبائل بلوجستان:
الذين قسمهم الاستعمار البريطاني بخط غولد سميث بين إیران وباكستان وأفغانستان، بالإضافة إلى إمارة خاصة بهم تحت الوصاية البريطانية.
ويقدر عدد التابعين لباكستان بخمسة ملايين، وهم يتمتعون بمشاعر قومية بالتميز الجنسي والثقافي عن غيرهم، الأمر الذي جعل إمارتهم ترفض الانضمام إلى باكستان عام ١٩٤٨ فاجتاحتها الجيوش الباكستانية.
ولكن هذا لم يمت مشاعر الانفصال عندهم، فقبائلهم تسيطر على ٤٠٪ من باكستان وعندهم أكثر من خمسين ألف مقاتل، الأمر الذي كلف ذو الفقار علي بوتو الكثير، حتى استطاع أن يقمع شبه ثورتهم، ولم يتمكن من هذا إلا في نهاية حكمه.
ولقد استفادت أفغانستان من هذا الشعور الانفصالي عندهم، فدربت بعض من يميل إلى اليسار منهم عسكريًا، وذلك لتقويض الباكستان.
هذا ولا تخفى أطماع الهند في السند والبنجاب، وليست مساندتها لانفصال بنغلاديش بكل ما أوتيت من قوة، إلا مقدمة لذلك ودليل عليه.
4- مشاكل أخرى في الباكستان:
وبالإضافة إلى هذه المشكلة الجيوبوليتيكية، فهناك مشاكل عدة أيضًا تعترض طريق باكستان، إلا أنها أقل أهمية مما سبق مثل مشكلة تنفيذ إعدام بوتو، وذلك لأن هناك دول عدة ومنها دول عربية تعتمد باكستان على مساعداتها، تضع ثقلها لمنع تنفيذ هذا الإعدام، وهناك حزب بوتو الذي لا زالت تتعاطف معه بعض فئات الشعب الساذجة، يؤلف قوة لا بد إلا وأنه سيستخدمها في حال تنفيذ الإعدام برئيسه والمنتفعين.
هذا وأن عدم إعدام بوتو أيضًا مشكلة أخرى، وبخاصة بعد ما ثبتت جرائمه التي يستحق عليها الإعدام، الأمر الذي سيترك ردة فعل عنيفة عند أعدائه أولًا، كما أنه في حال الإبقاء على حياته لا بد من أنه سيحاول بشكل ما إثارة القلاقل.
وهناك أيضًا مشاكل داخلية اقتصادية واجتماعية، تتمثل في تدهور الاقتصاد الباكستاني، نتيجة الفساد السياسي والإداري والاجتماعي الذي كرسه حكم بوتو في السابق، ناهيك عن انتشار الأمية وشيوع الجهل والمرض في الغالبية العظمى من الشعب.
مشاكل الباكستان الخارجية:
لم تقتصر مشكلات باكستان على الداخل فقط، وإنما تعدت ذلك إلى مشكلات تأتيها من خارج حدودها وتتمثل في:
- الحكم الماركسي في أفغانستان:
ومن ورائه الاتحاد السوفياتي الذي يحلم منذ القديم بالوصول إلى المحيط الهندي، يسببان عامل قلق دائم لدى باكستان، لأنهما يشجعان قبائل الباتان والبلوشتان للسير قدمًا في حركاتهما الانفصالية.
- أحداث إیران:
وبخاصة بعد ما تصاعدت في الآونة الأخيرة تصاعدًا خطيرًا، وغدت تؤلف عامل تغيير قد يتخطى الحدود الإيرانية إلى ما حولها تأثيرًا.
- الدول الغربية:
والتي تشترك معها باكستان في حلف عسكري وبصداقات متنوعة، قد تخلت عنها بشكل أو بآخر، وتجلى هذا في مناسبات عدة كان أهمها في حربها الأخيرة مع الهند التي أدت إلى انفصال بنغلاديش عنها، ولم تكتف الدول الغربية بذلك، وإنما نرجح أن هنالك اتفاقات بينها وبين الاتحاد السوفياتي على اقتسام النفوذ في آسيا الوسطى.
لذلك نجد الباكستان تتجه نحو الصين لتجد فيها سندًا بديلًا عن الشرق والغرب، ولكن الصين أيضًا لا تختلف بكثير أو قليل عن القوى الكبرى، وذلك لأن مصالحها وعداءها العقائدي للإسلام يتحكمان في سياستها الخارجية تحكمًا واضحًا، ونرى هذا بجلاء في تخليها عن ثوار ظفار الذين كانت تدعمهم، وفي إقامتها علاقات طيبة مع سلطنة عمان المعروفة بصداقتها للغرب، وذلك ردًا على النفوذ السوفياتي المتزايد في جنوب الجزيرة العربية والقرن الإفريقي.
ماذا يعني هذا؟
لقد خلقت هذه الأوضاع الحرجة في الداخل والخارج عند الباكستانيين، قلقًا وخوفًا على مستقبل دولتهم بل على استمرارها بشكلها الحالي دون أن تتجزأ إلى أقسام عدة، تتوزعها دول المنطقة، وهي الهند وأفغانستان وإیران فتصبح أثرًا بعد عين.
فما هو الحل؟ إنه طريق وحيد:
في الواقع ليس هناك سوى طريق واحد لمنع كارثه محو باكستان من خارطة العالم السياسية محوًا تامًا.
إن هذا الطريق هو العودة إلى الغاية التي قامت باكستان من أجلها وهي الإسلام عقيدةً وحكومةً ودستورًا وقانونًا و... و... فهو وحده الكفيل ببقاء الباكستان أولًا ثم بقوتها وازدهارها ثانيًا، وذلك بعد أن تجتمع هذه الأجناس البشرية في الباكستان على أخوة الإسلام، وتنبذ الرابطة القومية التي أثبتت فشلها، الأمر الذي أدى إلى تجاوزها كما نرى في السوق الأوروبية المشتركة وفي غير ذلك، هذه الأخوة على حبل الله -تعالى- والاعتماد عليه فقط، والابتعاد عن القوى الكبرى من شرقية وغربية، والتي أثبتت الأيام والأحداث أنها لا تنظر إلا إلى مصالحها فقط، وأن عداوتها للإسلام والمسلمين لا يماثلها عداوة لشيء آخر أبدًا.
لقد أدرك الرئيس الباكستاني «ضياء الحق» ذلك فسعى إليه سعيًا حثيثًا، وصرح بأنه سيصدر قريبًا إعلانًا يحدد الطبيعة الأساسية للمجتمع الإسلامي في باكستان، على أساس تطبيق مبادئ الشريعة في البلاد بسرعة، وخول المحاكم العليا صلاحية الإعلان ببطلان أي قانون يخالف القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.
ولم يكتف بالتصريحات فقط، وإنما أتبع ذلك بالتنفيذ فشكل وزارة اشتركت فيها الجماعات الإسلامية، وتتخذ الخطوات اللازمة لتنفيذ مبادئ الحكومة على جميع المستويات: القضائي والاقتصادي والسياسي والتعليمي والإعلامي. ولقد أعلن السيد محمود أعظم الفاروقي «وزير الإعلام بباکستان وممثل الجماعة الإسلامية في الوزارة الجديدة» عن تغييرات جذرية لتطهير برامج الإذاعة والتلفزيون من مظاهر الخلاعة واللا أخلاقية، وقال إن الحكومة تحاول تحقيق أمور إيجابية تكون في صالح الشعب، وتبتغي توطيد دعائم مجتمع إسلامي في باكستان، كما أوجب على الصحف والمجلات عدم نشر الأخبار المثيرة، والإعلانات التي تخرب الأخلاق وتمس كرامة الإسلام.
هذا كما أن الحكومة الباكستانية فرضت حظرًا على الأحزاب السياسية التي تتعارض مبادئها مع المبادئ الإسلامية أو وحدة البلاد وسلامتها، أو التي يتم تشكيلها بمساعدات أجنبية، وبالإضافة إلى ذلك فقد مدت يد الأخوة الإسلامية إلى زعماء الباتان وبلوشتان الذين -كما قلنا- يفضلون دون شك الإسلام على اليسار الماركسي أو غيره.
الباكستانيون ينتظرون الانتخابات:
والشعب الباكستاني المسلم ينتظر الانتخابات العامة والتي ستأتي بحكومة مدنية تحكم البلاد، بدلًا من الحكومة العسكرية الحالية، كما وعد الجنرال «ضياء الحق» من قبل.
الجماعات الإسلامية سوف تكتسح الموقف:
إن فوز الجماعات الإسلامية في انتخابات الجامعة والنقابات العمالية والمهنية، ليس إلا إرهاصًا لفوزها الكاسح في الانتخابات العامة، ودليلًا على أصالة الشعب الباكستاني الإسلامية وقوة إيمانه، ورغبته في تصحيح مساره.
هذا وإننا لنرجو الله -تعالى- أن تكون الحكومة الباكستانية جادة كل الجد في هذا الطريق، وأن تسرع الخطى للوصول إلى حكم إسلامي كامل، وأن تتمتع بالوعي الكامل والحذر واليقظة، وذلك لصعوبة هذا الأمر، فإن الدول الكبرى غير مغمضة العينين ولن تترك هذا الأمر يتم إلا رغمًا عنها، ولكن ومع هذا كله فإن الإيمان القوي والتوكل الحقيقي على الله -تعالى-، والإعداد الكامل كما أمر الله -تعالى- أن يكون، كل هذا كفيل بالنصر ورد كيد الأعداء -على كثرتهم واختلافهم- إلى نحورهم وليس هذا على الله بعزيز.