العنوان قصص مآسي المسلمين في يوغسلافيا
الكاتب يحيى بشير حاج يحيى
تاريخ النشر الثلاثاء 09-مايو-1995
مشاهدات 69
نشر في العدد 1149
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 09-مايو-1995
هل استطاع الستار الحديدي الذي فرضته الشيوعية على يوغسلافيا إبان حكم تيتو أن يمنع تسرب أخبار المسلمين ومعاناتهم؟
وإذا كان بعض هذه الأخبار قد وصل بالفعل إلى العالم العربي والإسلامي، فهل وقفت صداقة بعض الأنظمة فيهما آنذاك دون وصولها إلى أبناء المسلمين، حرصًا من هذه الأنظمة على صداقة نظام تيتو يومئذ؟
لقد وقف «سيد قطب» -رحمه الله- في ظلال القرآن عند قوله تعالى في سورة التوبة: ﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (التوبة: 8) وقفات طويلة، واستعرض المآسي التي تنشأ عن ظهور الشرك بأنواعه على أهل الإيمان في التاريخ البعيد والقريب، وذكر ما يجرى في يوغسلافيا فقال كذلك فعلت يوغسلافيا الشيوعية بالمسلمين فيها، حتى أبادت منهم مليونًا منذ الفترة التي صارت فيها شيوعية بعد الحرب العالمية الثانية إلى اليوم، وما تزال عمليات الإبادة والتعذيب الوحشي التي من أمثلتها البشعة إلقاء المسلمين رجالًا ونساءً في (مفارم) اللحم التي تصنع لحوم (البولوبيف) ليخرجوا من الناحية الأخرى عجينة من اللحم والعظام والدماء ماضية إلى الآن؟!!
ويعرض «محمد المجذوب» في مجموعته القصصية «بطل من الصعيد» لهذه المعاناة في أقصوصة: «قصة من يوغسلافيا» على لسان الشيخ «فتحي زاده» المسلم البوشناقي الذي يروى ما أصاب المسلمين في يوغسلافيا تحت كابوس النكال الصليبي الذي لا تعرف مآسيه حدًا تنتهي إليه، لأن القاعدة الرئيسة في نظر قادته هي أن الإسلام كله إنما هو كيان دخيل على الجسم المسيحي يهدده بالتحول.
فلا ينبغي أن يفسح له أي مجال للبقاء أو التحرك في أي مكان من أوروبا على الأقل، ومع انحسار الجيوش الألمانية التي صدق المسلمون وعودها نتيجة للاضطهاد الذي يعيشونه، فرغ الجنود اليوغسلاف لعمليات الانتقام منهم، فشنوا عليهم بقيادة تيتو وميخائيل وفتش غارات جهنمية استأصلت شعوبًا، ودمرت قرى وجعلتها مقابر، ويروى «الشيخ فتحي» ما أصاب الذين ظلوا على قيد الحياة فيقول: «لقد استراح الموتى، أما نحن فقد قضي علينا أن نشهد نهاية الإسلام في هذه الديار، إننا نموت كل يوم دون أن يشعر بنا أحد خارج هذا السجن الكبير».
ويفتح أمام هؤلاء المحاصرين باب للأمل حين يزور يوغسلافيا حاكم عربي كان من أصدقاء «تيتو» الخلص!! فيعمل «الشيخ فتحي» مع من بقي من أهل العلم على لقائه بوساطة أحد الطلاب العرب، حين التقى الرئيس بهؤلاء الطلاب، فقال له بسرية بالغة: إن كبير شيوخ المسلمين يلتمس موعدًا لمقابلة خاصة مع فخامتكم، وأمسك الرئيس لحظة وهو مثبت بصره في وجه الفتى ثم قال: ليس لدينا فرصة لأي شيء خاص ومع ذلك فقل له: إني بانتظاره هنا في تمام الساعة الرابعة بعد عصر الغد لمدة ربع ساعة فقط.
وحضر الشيخ فتحي مع زميل له وبينا لفخامة الرئيس أن المسلمين سعداء برؤيته وزيارته، وكان بودهم لو يتمكنون من ترجمة مشاعرهم بهدية تليق بمقامه، ولا هدية تفي بذلك إلا أن تكون نسخة من القرآن الكريم، ولكن يؤسفهم أنهم لا يملكون أية نسخة من كتاب الله؛ لأن ذلك محظور عليهم، فلا سبيل للوصول إليه!!، وحين لم يجد أي علامة تشير إلى تأثر فخامته، اضطر إلى مواصلة حديثه بصراحة أكثر فقال: إن النظام الذي يعيش في ظله مسلمو هذه البلاد يعاقب من يثبت عليه اقتناء المصحف الشريف ويجازي بالسجن من يجرؤ على تلقين العقيدة الإسلامية ولده أو أي مسلم أخر!! انتهت ربع الساعة وأسرع فخامته بالجواب الحاسم بأن العلاقة القائمة بين النظامين محدودة ضمن نطاق التعاون الدولي ولا أحد يتدخل في الشئون الداخلية للبلد الآخر، ثم نهض إيذانًا بانتهاء المقابلة وقدم لهما نسخة من القرآن الكريم، وسجادة صلاة صغيرة عليها رسم الكعبة المشرفة، فاعتذر الشيخان بأن تسلمهما النسخة يعرضهما للسجن، واكتفيا بالسجادة لتوضع في محراب المسجد ليتذكروا بها البيت الحرام الذي يتشوقون لرؤيته، ولا يستطيعون إليه سبيلًا.
وما كاد الشيخان والطالب العربي ينسون ذلك اللقاء الخائب حتى جاءت الأخبار بأن فخامة الرئيس قد أمر باعتقال الخمسة والأربعين مسلمًا يوغسلافيًا، بقية الكتيبة التي نفرت للدفاع عن حرمة فلسطين عام ١٩٤٨م، فاستشهد أفرادها جميعًا إلا هؤلاء الذين لجأوا إلى مصر بعد الهدنة التي أطفأت شعلة الجهاد.. ثم أسلمهم هدية مفضلة إلى صديقه الحميم الذي لم يلبث أن رفعهم على أعواد المشانق ليكونوا عبرة لكل من تحدثه نفسه بالخروج عن طاعته، والتسبيح بعظمته؟!!
وفي مجموعة «إلى أين الرحيل» التي تضم نماذج من مآسي المسلمين في العالم، «لعلى إسحق شواخ»، يدخل الكاتب إلى داخل السور الحديدي في أقصوصته «حدث في سراييفو» لينقل على لسان شيخ عجوز لقيه في القطار المتجه إلى سراييفو، وقد نقلته الذكرى إلى عالم ملئ بالأشجان والآلام والأحزان، ومن خلال الدموع وصوته الذي ارتفع بالنصيب تحدث عن المذبحة التي تعرضت لها أسرته: «كان لنا كيان دائم بذاته، وكان للمسلمين في سراييفو مجلس علماء يشرف على شئون مسلمي البلاد..» وزفر زفرة أخرى ثم تابع حديثه قائلا: «لقد عانت البلاد من الويلات ما لا يعلمه إلا الله، وتوالت عليها المصائب والنكبات المؤلمة وحدث أن اتفق عليها الصرب والكروات فاقتسموها بعد وفاة زعيم المسلمين في ذلك الوقت وحين قامت الحرب الثانية، قام الصربي المجرم «ميخائيل وفتش» فبطش بالمسلمين، قبل أن يعد بندقيته على ألماني واحد.. فقتل من المسلمين خلال عدة أيام أكثر من مئة وخمسين ألفًا وجاء مندوبو الصليبية ينتهزون فرصة المجازر، وحالة الذعر التي تسيطر على الناس ويوعزون للبؤساء المساكين باعتناق المسيحية حرصًا على سلامة البقية الباقية؟»
ويمضي الشيخ وقد عصفت به الذكريات فيقول: ذبحوا أهل قريتي، وقتل أبي قبل أن يعبر إلى الضفة الأخرى من النهر. قطعوا يديه أولًا، ثم ضربوه بحرابهم على وجهه فاقتلعوا عينيه وجدعوا أنفه، وقطعوا شفتيه وأذنيه، وبتروا رسفيه، وأكملوا على قدميه، ثم ضحكوا مليًا من أمي التي وقعت مغشيًا عليها، سحبوها وألقوها فوقه، وأطلقوا عليها الرصاص، ومجموعة أخرى من المجرمين، أخرجت أختي من الغرفة المطلة على النهر، وهما تصرخان وتبكيان من الأعمال القذرة التي ارتكبها بحقها هؤلاء القتلة، وكانت الصغرى سريعة فانطلقت كسهم مشدود إلى وتر قوي، وانتزعت بندقية من يد أحد القتلة، ولكنها قبل أن تضع يدها على الزناد سقطت جثة هامدة قتلوها، وانطلقوا ككلاب مسعورة فضربوا أخي المشدود بوثاقه إلى شجرة حور طويلة عدة طلقات نارية فأردوه قتيلا!!
كان من المفروض أن يكون راوي القصة معهم في حينها، لولا أن أباه أرسله في أمر، فعاد لتوه، وتسمر مكانه قرب شجرة توت يرقب ما يفعلون لقد مضت سنوات طويلة، ولكنها لم تستطع أن تمحو من ذاكرة الشيخ العجوز تلك المشاهد المرعبة المحزنة، لقد ارتسمت من جديد على ماء عينيه اللتين اغرورقتا بالدموع وزفراته المحرقة المتوالية، كان الشيخ بحاجة إلى السكوت إلى الراحة فقد تغيرت سحنته، وكف عن الكلام، وراح قلبه المضطرب يسكن فجأة وكف عن الاضطراب وقليلًا قليلًا راحت الأنفاس اللاهثة تهدأ، بل كادت أن تنقطع، وأغمض عينيه، ورفع بيديه النحيلتين، وخيم سكون غريب، كل ما حولنا توقف عن الحركة، حتى أوراق الشجرة التي كنا نجلس تحتها توقفت عن السقوط.
ويستمر مسلسل الجرائم ويحصد المسلمون من المآسي اليوم في ظل التعصب والتطرف الصليبي الصربي مثل ما حصدوا بالأمس في ظل التسلط الشيوعي.
الهوامش
١- قصة من يوغسلافيا من مجموعة «بطل من الصعيد» لمحمد المجذوب صدرت عام ١٩٧٧م.
٢. حدث في سراييفو من مجموعة «إلى أين الرحيل» لعلي شواخ إسحق، صدرت عام ١٩٤٨م.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل