العنوان قصه قصيرة: بين طبيبين
الكاتب د. حمدي حسن
تاريخ النشر الثلاثاء 25-مايو-1993
مشاهدات 41
نشر في العدد 1051
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 25-مايو-1993
قصه
قصيرة: بين
طبيبين
بقلم د.حمدي حسن نجران السعودية
قال لي صاحبي وهو يعطس: معذرة لن أرافقك لصلاة الظهر هذا اليوم في
المسجد سأصلي في رحلي. قلت: وأي عذر لك أن تنقطع عن صلاة الجماعة وأنت قادر:
الزكام الذي أصابك لم ينهك جسمك إلى الحد الذي يمنعك من شهود الجماعة وإضاعة
ثوابها، وكان يؤتى بالرجل يتهادى بين الرجلين حرصًا على الجماعة وتمسكًا بفضيلتها.
ولا أراك إلا تعطس وتكح من آن لآخر، هل عرج الجمل من شفته؟ إن صلاة الجماعة تعدل
صلاة الفرد بسبع وعشرين مرة، وإن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأذن للأعمى الذي
يسمع الأذان و... قاطعني قائلاً مهلاً مهلاً.. جميع هذه الأحاديث أعرفها لا تسترسل
فيما لا أنكر. إنني سأمتنع عن صلاة الجماعة حرصًا على المصلين وليس حرصًا على
راحتي أنا. أنا قادر على الذهاب إلى المسجد ولكني لا أعرف من سيكون الضحية الجديد
الذي سيأخذ الفيروس مني ولا أعرف درجة مناعته. إن مناعة المريض هي التي تحدد الشكل
السريري للمرض والزكام يتقمص شكلاً مختلفًا من مريض لآخر حسب درجة مناعته فإذا كان
المريض شيخًا طاعنًا أو مريضًا بأحد الأمراض الخافضة للمناعة أو يتناول علاجات
مثبطة للمناعة أو يشكو التهابًا رئويًا مزمنًا أو مرضًا قلبيًا مزمنًا فقد يكون
الزكام آخر مرض يصاب به!! والأعمار بيد الله. إن دفع الضرر الجماعي (جائحة الزكام)
أولى من جلب المنفعة الفردية (مضاعفة الثواب) وإن مصلحة الجماعة نجاة ركاب السفينة
تقدم على المصلحة الفردية (ثقب السفينة لأخذ الماء) وإذا كان الرسول صلى الله عليه
وسلم قد منع آكلي البصل والثوم من اقتراب المسجد حتى لا يؤذي المصلين (الرائحة)
أليس من الأولى - قياسًا - منع حاملي الفيروسات ونافثيها بالملايين حتى لا يؤذوا
المصلين (بالزكام) الذي قد يكون قاتلاً، وأين الرائحة من الزكام؟ ثم أيهما أوجب
حضور صلاة الجماعة أم حضور البيعة؟ ألم يقل الرسول - صلى الله عليه وسلم -
للمجذوم: ابق في رحلك فقد قبلنا بيعتك - معنى الحديث - فلماذا لا يبقى المزكوم -
قياسًا على المجذوم – في رحله ولذات العلة - العدوى؟ ألم يقل الرسول صلى الله عليه
وسلم للمطعون - مصاب الطاعون - ألا يخرج ويختلط بالأصحاء واضعًا بذلك أسس الحجر
الصحي في التاريخ البشري كله؟ لماذا لا تنضبط المساجد بذات القوانين النبوية
الصحية. ولماذا تكون المساجد - بازدحامها - وسيلة انتشار هذه الأمراض بورود المرضى
فيها على الأصحاء.. والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده وأنفاسه أيضًا، بالقياس
- كيف يجيز أحدنا لنفسه أن يضع رذاذ العدوى من أنفه على سجادة الصلاة في المسجد ثم
يأتي مصل آخر ليجد حفنة الفيروسات جاهزة للعدوى حين يصلي قدرًا مكانه. قلت لصاحبي
وقد كان مكروبًا مألومًا يكح ويتكلم.. أتفر من قدر الله؟ قال: لا، إن كان الله قد
قدر أمرًا فإنه لابد واقعٌ، ولكننا نفر من قدر الله إلى قدر الله، نحن قوم
استعبدنا الله بالأسباب وجعل في اتباعها جزاءً وثوابًا. قلت له: هون عليك. أرى أني
أجهدتك أكثر من الزكام لا تنفعل وأنت ممرض. قال: ولكن ليس قبل هذه الهمسة
الأخيرة... إن المصلي المزكوم حين يمتنع عن المسجد مؤقتًا ريثما يبرأ كي لا يعدي
غيره - بهذه النية بالذات - فإن عالم النوايا والأسرار يثيبه ثوابين: ثواب صلاة
الجماعة التي كان معتادًا عليها وثواب منع الأذى عن الآخرين. هذا فضلاً عن ثواب
الاجتهاد فمن اجتهد فأخطأ فله أجر ومن أصاب له أجران فهو يتقلب في ثواب الله إن
شاء الله. هززت رأسي موافقًا وقلت: أرجو الله أن يكتب لك الشفاء العاجل والأجر
الكامل وودعته وقلت في نفسي وأنا في طريقي إلى المسجد: حقًا إنها نصيحة فاضلة ولكن
كيف توضع موضع التنفيذ العملي سيما وأن كثيرًا من المصلين لن يطلع على هذه المجلة.
لعل أفضل وسيلة هي استفتاء هيئة شرعية مختصة تصدر الفتوى المناسبة وتصوغها صياغة
مناسبة وتعلق على أبواب المساجد: من كان مزكومًا فلا يقرب مسجدنا. ألا، لا يأخذن
أحد الزكام بهذه البساطة.. إنه يقتل ملايين المرضى في العالم كل عام على ذمة
الإحصائيين.
مبادئ الحَجْر الصحي في السنة النبوية
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل