; قضايا أساسية في فكر الإمام البنا (3) نظرة الإخوان المسلمين للحكم | مجلة المجتمع

العنوان قضايا أساسية في فكر الإمام البنا (3) نظرة الإخوان المسلمين للحكم

الكاتب د. محيي حامد

تاريخ النشر الجمعة 13-يناير-2012

مشاهدات 59

نشر في العدد 1984

نشر في الصفحة 48

الجمعة 13-يناير-2012

الإسلام يجعل الحكم ركنًا من أركان الدين.. والإخوان المسلمون يزنون أمورهم كلها بميزان الشرع وضوابطه الحكيمة

"الإخوان لا يطلبون الحكم لأنفسهم، فإن وجدوا من يستعد لحمل العبء والحكم بمنهاج إسلامي فهم جنوده، وإن لم يجدوا فالحكم من مناهجهم.

حرصوا على مدار تاريخهم بالعمل على تربية الشعوب على قيم الإيجابية وتغليب المصلحة العامة وتهيئة نفوس الأمة إلى العمل بأحكام الإسلام وتعاليمه

نظرتهم لنظام الحكم تنطلق من الأصول الإسلامية وتستفيد من التجارب العملية التي خاضتها الأمم والشعوب

..ويرون أن المخاوف التي يثيرها البعض حول الحكومة الدينية بالشكل الذي عرفه العالم عن الكنيسة في العصور الوسطى ليس لها وجود في الإسلام

في المقالين السابقين تناولنا موقف الإمام البنا -يرحمه الله- من شمولية الإسلام والتطبيق العملي له في المجالات المتعددة للحياة، كما تم تناول منهج الإمام البنا في الإصلاح، ومفهومه للعمل السياسي، وطبيعة العلاقة بين العمل السياسي والعمل الدعوي، والمسارات والوسائل الأساسية لتحقيق الإصلاح المنشود، وسوف نتناول بإذن الله تعالى في هذا العدد نظرة الإخوان المسلمين للحكم.

إن نظرة الإخوان المسلمين للحكم تنطلق من الأصول الإسلامية الواردة في الكتاب والسنة، ولقد كان الإمام البنا -رحمه الله- حريصًا أشد الحرص على تبيان موقف الجماعة من الحكم بصورة دقيقة واضحة لا لبس فيها، ولا غموض، كما أنه أوضح ما قد يتبادر إلى أذهان الناس حول هذا الأمر، بقوله: «يتساءل فريق من الناس: هل في منهاج الإخوان المسلمين أن يكونوا حكومة، وأن يطالبوا بالحكم؟ وما وسيلتهم في ذلك؟»، فأجاب -رحمه الله- على ذلك بقوله (۱):

«وهذا الإسلام الذي يؤمن به الإخوان المسلمون يجعل الحكومة ركنًا من أركانه ويعتمد على التنفيذ، كما يعتمد على الإرشاد، وقديمًا قال الخليفة الثالث ﷺ: «إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن»، وقد جعل النبي ﷺ الحكم عروة من عرى الإسلام».

«الحكومة في فكر الإخوان المسلمين ركن من أركان هذا الدين، فالإسلام حكم وتنفيذ، كما هو تشريع وتعليم، وهو قانون وقضاء، وقد جعل المصطفى ﷺ الحكم عروة من عرى الإسلام، وعده الفقهاء من العقائد والأصول لا من الفروع والفقهيات».

ونستخلص من هذا أن الإسلام يجعل الحكم ركنًا من أركان هذا الدين، والإخوان المسلمون يزنون أمورهم كلها بميزان الشرع وضوابطه الحكيمة، وأن المنطلق الأساسي الذي يتحركون به هو عقيدتهم ودينهم وليس أهواءهم وآراءهم.

ثم يستكمل الإمام البنا قوله: «الإخوان المسلمون لا يطلبون الحكم لأنفسهم، فإن وجدوا من الأمة من يستعد لحمل العبء وأداء هذه الأمانة والحكم بمنهاج إسلامي قرآني؛ فهم جنوده وأنصاره وأعوانه، وإن لم يجدوا؛ فالحكم من منهاجهم، وسيعملون لاستخلاصه من أيدي كل حكومة لا تنفذ أوامر الله».

ونستخلص من تاريخ الإخوان المسلمين الممتد منذ النشأة حتى الآن أنهم كانوا ترجمة عملية لهذه المعاني والمفاهيم، فكانوا جنودًا وأنصارًا لكل من يحمل الإسلام، ويعمل على إنفاذه في واقع الأمة الإسلامية، ولم يجعلوا هدفهم الأسمى هو وصولهم إلى الحكم؛ لأنهم يعلمون ويعتقدون أن الهدف الأسمى هو الحكم بالإسلام، بغض النظر من يقوم على الحكم.

ثم يستكمل الإمام البنا قوله: «الإخوان أعقل وأحزم من أن يتقدموا لمهمة الحكم، ونفوس الأمة على هذه الحال، فلا بد من فترة تنتشر فيها مبادئ الإخوان وتسود، ويتعلم الشعب كيف يؤثر المصلحة العامة على الخاصة».

ولقد حرص الإخوان المسلمون على مدار تاريخهم بالعمل على توجيه جهودهم وطاقاتهم؛ من أجل تربية الأمم والشعوب على قيم الإيجابية، وتغليب المصلحة العامة على الخاصة، وتهيئة الشعوب ونفوس الأمة إلى العمل بأحكام الإسلام وتعاليمه.

ثم يحدد الإمام البنا المبادئ الأساسية التي يقوم عليها الحكم بقوله: «ويعتقد الإخوان أن مبادئ نظام الحكم الدستوري التي تتلخص في (٢):

1-  المحافظة على الحرية الشخصية بكل أنواعها.

2-  الشورى.

3-  استمداد السلطة من الأمة.

4-  مسؤولية الحاكم أمام شعبه، وضرورة محاسبته على ما يعمل من أعمال.

5-  ضرورة بيان حدود كل سلطة من السلطات.

هذه الأصول كلها يتجلى للباحث أنها تنطبق كل الانطباق على تعاليم الإسلام ونظمه وقواعده في شكل الحكم، ولهذا يعتقد الإخوان المسلمون أن نظام الحكم الدستوري هو أقرب نظم الحكم القائمة في العالم كله إلى الإسلام، وهم لا يعدلون به نظامًا آخر».

إن نظرة الإخوان المسلمين لنظام الحكم تنطلق من خلال الأصول الإسلامية، ومستفيدة من التجارب العملية التي خاضتها الأمم والشعوب؛ ولذا فإن الشورى واستمداد السلطة من الأمة، ومسؤولية الحاكم أمام شعبه، كل ذلك من أصول الحكم الإسلامي.

ويتضح بجلاء موقف الإخوان المسلمين من الحكم في هذه الكلمات المنشورة في إحدى وثائق الجماعة، التي تحدد أن غاية الإخوان هي تحكيم الشريعة لا الحكم ذاته:

«ويعتبر الإخوان المسلمون أنفسهم دعاة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، ويستهدفون من خلال دعوتهم تطبيق شرع الله كما أمر، وذلك من خلال الوسائل السلمية المتاحة وعبر المؤسسات الدستورية القائمة، ولا يسعى الإخوان إلى الحكم طلبًا له وأملًا فيه، كما يفعل الكثير من الناس هذه الأيام».

«.. وليس الحكم، ولن يكون هدفًا للإخوان المسلمين، غير أنه إذا جاءهم عن طريق صناديق الاقتراع الحر النزيه، فإنهم لا يرفضونه من منطلق أنهم أصحاب برنامج إصلاحي ذي مرجعية إسلامية، ويعتبرون ذلك مسؤولية كلفوا بها من قبل الشعب والمسؤولية في فهمهم أمانة وتكليف، وليست وجاهة وتشريفًا».

«ويرى الإخوان أن المخاوف والشكوك التي يثيرها البعض -بقصد أو بغير قصد- حول الحكومة الدينية بالشكل الذي عرفه العالم عن الكنيسة في العصور الوسطى، ليس لها وجود في الإسلام ولا في فكر الإخوان المسلمين، كما أوضحوا ذلك في كثير من كتبهم ورسائلهم، فالحكومة التي تلتزم تطبيق شرع الله تعالى بكماله وشموله هي حكومة مدنية ذات مرجعية إسلامية، بمعنى أن نظامها السياسي يعتمد الشورى الملزمة، ولا يتحكم فيها رجال دين، وتقيم العدل وتصون الحريات العامة، وتقر التعددية السياسية، وللشعب حق مساءلتها وتعيينها وعزلها» (3).

وفي عصرنا الآن كثر الكلام حول الدولة ومفهومها في الإسلام، وهل هي مدنية أم دينية أم غير ذلك مما اصطلح عليه الناس من مسميات؟

إن من أهم صفات الدولة الإسلامية أنها دولة مدنية، تقوم على التعاقدية، والمواطنة والبرلمانية، والتعددية، والتداولية ودولة مؤسسات وقانون، فهي دولة مدنية بالضرورة؛ لأنها ليست عسكرية، ولا فردية دكتاتورية، ولا ثيوقراطية، وإنما دولة لكل الناس.

ويمكن إجمال مفهوم الدولة الإسلامية في هذه الكلمات (4):

«الدولة الإسلامية دولة دستورية أو شرعية لها دستور تحتكم إليه، وقانون ترجع إليه، ودستورها يتمثل في المبادئ والأحكام الشرعية التي جاء بها القرآن الكريم وبينتها السنة النبوية، وهذا الالتزام من الدولة بقانون الشريعة هو الذي يعطيها الشرعية، ويجعل لها حق المعاونة والطاعة من الشعب، فأما إذا حادث عن هذا المنهج أو النظام، فهذا يسلبها حق الشرعية، ويسقط عن الناس واجب الالتزام بطاعتها».

«والدولة الإسلامية بطبيعتها مدنية؛ فالحاكم في الإسلام مقيد غير مطلق، هناك شريعة تحكمه، وقيم توجهه، وأحكام تقيده، وصفها له رب العباد، ولا يستطيع هو ولا غيره من الناس أن يلغوا هذه الأحكام، ولا أن يجمدوها».

ولذلك، فإن الإخوان المسلمين عندما يعلنون أنهم يريدون دولة إسلامية، إنما هم بذلك يعنون نظام الحكم الدستوري الذي يحافظ على الحرية الشخصية بكل أنواعها ويحافظ على الشورى واستمداد السلطة من الأمة، وعلى مسؤولية الحكام أمام الشعب ومحاسبتهم على ما يعملون من أعمال، وبيان حدود كل سلطة من السلطات.

الهوامش

(۱) رسالة «مشكلاتنا الداخلية في ضوء النظام الإسلامي».

(۲) بيان الإخوان بتاريخ ١٨ يونيو ١٩٩٤م.

(۲) د. يوسف القرضاوي: «فقه الدولة في الإسلام».

(٤) رسالة «نحو النور».

الرابط المختصر :