العنوان ركن تكوين الداعية: تفاؤل الداعية
الكاتب عبدالله ناصح علوان
تاريخ النشر الثلاثاء 27-مارس-1984
مشاهدات 68
نشر في العدد 664
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 27-مارس-1984
التفاؤل هو قوة نفسية إيجابية فعالة، ينظر صاحبها إلى الغد بابتسامة أمل، ويسير إلى الغاية المرجوة بروح القائد الشجاع، وبنفسية العزيز المنتصر، دون أن يعتريه يأس، أو يستحوذ عليه قنوط.
صحيح أن الدول الغربية عامة، وأمريكا خاصة هي التي صنعت إسرائيل، وصحيح أن الاستعمار له وسائله وأساليبه في إخراج المسلم عن الإسلام، وإدخاله في تيار اللادينية والإباحية، وصحيح أن الشيوعية العالمية لها مخططها الأكبر في تلحيد الجيل المسلم، وإفساد خلقه وعقيدته، وصحيح أن اليهودية العالمية لها مخططاتها وأساليبها في القضاء على الأديان غير اليهودية، والسيطرة على العالم العربي والإسلامي، وصحيح أن الدول الكبيرة في العالم سواء أكانت شرقية، أو غربية تعمل جاهدة لتقوية إسرائيل، وتحرص على وجودها لغايات سياسية، وأهداف اقتصادية ومصالح ذاتية، وصحيح أن التآمر على الإسلام وأهله بلغ هذا الحد الكبير والمدى الواسع، ولكن ينبغي على المسلم -ولا سيما الداعية- أن لا يتملكه القنوط في بناء العزة، وأن لا يستحوذ عليه اليأس في تحقيق النصر، والداعية إلى الله هو أولى بأن يتحلى بالأمل في انتصار دعوته، وهو أحق بأن يتصف بالتفاؤل في أعزاز دينه، لماذا؟
- لأن القرآن الكريم حرم اليأس، وندد باليائسين.
- لأن التاريخ برهن له على انتفاضات الأمم مما أصابها من ذلة وهوان.
- لأن الرسول --عليه الصلاة والسلام بشر أمة الإسلام بالعز والسيادة.
- أما أن القرآن الكريم حرم الياس وندد باليائسين فللآيات الصريحة الواضحة:
- من هذه الآيات ما تعتبر اليأس قرين الكفر، قال -تعالى- في سورة يوسف: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (يوسف:87).
- ومن هذه الآيات ما تعتبر اليأس قرين الضلال قال -تعالى- في سورة الحجر: ﴿قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ (الحجر:56).
- ومن هذه الآيات تنديد بالإنسان اليائس، وتقبيح لنفسه الخائرة، وقلبه الهالع، قال -تعالى- في سورة الروم: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ (الروم:36)
فمن هذه النصوص القرآنية يتبين أنه لا يجوز اليأس في دين الله، وكتابه الخالد؛ لأن اليأس قاتل للرجال، وهازم للأبطال، ومزلزل للشعوب، ومحطم لأسباب العزة والكرامة، فعلى الداعية أن يحذر من وجهات النظر اليائسة المتهالكة التي تقول: «انتهى كل شيء وعجزنا»، «الزم حلس بيتك، فليس في الدعوة ولا الجهاد أي فائدة»، «عليك بخويصة نفسك ودع عنك أمر العامة».
لقد سمى القرآن الكريم هذه الزمرة اليائسة الميئسة بالمعوقين المثبطين، قال -تعالى- في سورة الأحزاب : ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا ۖ وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ۖ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ۖ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ ۚ أُولَٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ (الأحزاب: 19:18).
إن هذه الطائفة اليائسة الميئسة عندما تتبنى هذه الوجهة من اليأس والقنوط، إنما تدلل على هلاكها قبل كل شيء، وليس على هلاك المسلمين، يقول -عليه الصلاة والسلام-: «من قال هلك المسلمون فهو أهلكهم».
والعجيب الغريب أن نجد من بعض الضعفاء الذين ينتمون إلى العلم والعلماء من ينادي بالعزلة والانطوائية، والتزام أحلاس البيوت، اعتقادًا منهم أن لا سبيل إلى إصلاح هذه الأمة، وأن لا أمل إلى استعادة مجدها، واسترجاع عزتها وكيانها، وآن الأوان أن يخرج المسلم بنفسه ببضع غنيمات يتبع بها شعف الجبال، يفر بدينه من الفتن حتى يدركه الموت، صحيح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال فيما رواه البخاري: «يوشك أن يكون خير مال الرجل غنم يتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن».
لكن الحديث هذا محمول -كما قال شراح الحديث- على من يفتن بدينه، ويجبر على الردة، أما أنه مادام يوجد في أرض الإسلام مسلمون، يؤدون الشعائر، ويطبقون على أنفسهم أحكام الإسلام، ومادام أنه ثمة مجال للتعاون، وإقامة العز للإسلام، فإنه يحرم على المسلمين العزلة والانزواء؛ لأنه ما لا يتحقق الواجب إلا به فهو واجب، لذا وجب على المسلمين جميعًا أن يقيموا حكم الله في الأرض، وأن يحرروا الأرض المقدسة من براثن اليهود، وأن يشيدوا في ربوع المعمورة دولة الإسلام، لكونهم مستطيعين قادرين إن أخلصوا النية، وعقدوا العزم، ولزموا الجماعة، ومضوا في طريق الجهاد والتحرير، واثقين متفائلين:
- أما أن التاريخ برهن على انتقاضات الأمم مما أصابها من ذلة وهوان، فللشواهد التاريخية التالية:
- من كان يظن أن تقوم للإسلام قائمة بعد أن استلم أبو بكر -رضي الله عنه- مقاليد الخلافة، ففي هذا الوقت من خلافة أبي بكر عظم الخطب واشتد الحال، ونجم النفاق، وارتد من ارتد من أحياء العرب، وظهر مدعو النبوة، وامتنع قوم عن أداء الزكاة، ولم يبق للجمعة مقام في بلد سوى مكة والمدينة، وأصبح المسلمون كما يقول: «عروة بن الزبير -رضي الله عنه-: (كالغنم في الليلة المطيرة الشاتية لفقد نبيهم، وقلتهم، وكثرة عدوهم).
حتى وجد من المسلمين من قال لأبي بكر -رضي الله عنه-: (يا خليفة رسول الله: أغلق بابك، إلزم بيتك، اعبد ربك حتى يأتيك اليقين) أي الموت، ولكن أبا بكر -رضي الله عنه- لم يعتره اليأس، يستحوذ عليه القنوط، إنما واجه هذه الأحداث الجسام كلها بإيمان راسخ، وعزيمة ثابتة، وتفاؤل عظيم.
- هو الذي قال للدنيا قولته الخالدة: (أينقص الدين وأنا حي).
- وهو الذي قال لعمر -رضي الله عنه- حين جاء يعاتبه في قتال ما نعي الزكاة: (مه يا عمر رجوت نصرتك، وجئتني بخذلانك، أجبار في الجاهلية، وخوار في الإسلام فوالله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو الذي أنقذ جيش أسامة -رضي الله عنه- وقال لقاتلتهم عليه).
- وهو الذي أنقذ جيش أسامة -رضي الله عنه-، وقال للمعارضين: (والذي نفس أبي بكر بيده لو ظننت أن السباع تخطفني لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما كنت أحل عقدًا عقده رسول الله بيديه).
ولم يزل أبو بكر -رضي الله عنه- يخطط ويجاهد، ويرسل البعوث، ويسهر على مصالح الرعية حتى استطاع أن يتغلب على الصعاب، وأن يقضي على الثورات والفتن، وأن ينتصر على المرتدين، ومدعي النبوة، ومانعي الزكاة، ومبطلي الصلاة، وأن يعيد للمسلمين عزتهم، ولليائسين تفاؤلهم، وللإسلام دولته، وللخلافة هيبتها، وهكذا يصنع عظماء الرجال، وأقوياء الإيمان.
ب- من كان يظن أن تقوم للمسلمين قائمة لما استولى الصليبيون على كثير من البلاد الإسلامية والمسجد الأقصى ما يقارب قرنًا من الزمان؟ حتى ظن الكثير من مسلمين وغير مسلمين أن لا أمل في انتصار المسلمين على الصليبيين، وأن لا رجاء في رد أرض فلسطين مع المسجد الأقصى إلى حوزة المسلمين.
من كان يظن أن هذه البلاد ستتحرر في يوم ما على يد البطل المغوار «صلاح الدين» في معركة حطين الحاسمة، ويصبح للمسلمين من الكيان والقوة والعزة والسيادة، حقًا ما شرف التاريخ؟ وهكذا يصنع عظماء الرجال، وأقوياء الإيمان.
ج - من كان يظن أن تقوم للمسلمين قائمة لما خرب المغول والتتار العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه، ونهبوا الأموال، وداسوا القيم، وفتكوا في الأنفس والأعراض فتكًا ذريعًا، حتى قيل: إن جبالًا شامخة وأهرامات عالية، أقامها «هولاكو» من جماجم المسلمين؟ من كان يظن أن بلاد الإسلام -بعد هذا الذي حدث- ستتحرر في يوم ما على يد البطل المقدام «قطز» في معركة «عين جالوت» الحاسمة، ويصبح للمسلمين من المجد والعظمة والرفعة، ما فخرت به الأجيال؟ وهكذا يصنع عظماء الرجال، وأقوياء الإيمان، إن التفاؤل بانتصار دين الله هو مقدمة الفوز والنصر وأن القوة المعنوية في كل أمة هي التي تدفع شبابها ورجالها إلى تحقيق المزيد من الانتصارات الخالدة في كل زمان ومكان، والله سبحانه مع والمتقين المخلصين المجاهدين، الأمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، والحافظين لحدود الله.
﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (القصص آية :٥)
- أما لأن الرسول -عليه الصلاة والسلام- بشر أمة الإسلام بالعزة والسيادة، فللأحاديث التي حدث بها من لا ينطق عن الهوى:
- روى البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي أمامة قال: قال -رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، ولعدوهم قاهرين، لا يضرهم من جابههم ولا ما أصابهم من البلاء حتى يأتي أمر الله وهم كذلك، قالوا: يا رسول الله وأين هم؟ قال: بيت المقدس). وفي رواية البزار: عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (بينما أنا نائم رأيت عمود الكتاب احتمل من تحت رأسي، فظننت أنه مذهوب به، فأتبعته بصري، فعمد به إلى الشام، ألا وأن الإيمان حين تقع الفتن بالشام).
- وروى أحمد والترمذي عنه -عليه الصلاة والسلام-: (طوبى للشام فإن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها).
من خلال هذه الأحاديث الصحيحة يتبين أن ساحة الجهاد لإقامة دولة الإسلام هي بلاد الشام، وأكناف بيت المقدس، وهذه بشارة أخرى من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تدل على أن هذا الدين لا بد أن يحكم، وأن فلسطين لا بد أن تتحرر، وأن عز السيادة للمسلمين لا بد أن يعود، وها هي ذي الظواهر تلوح بالأفق تبشر بنصر قريب بإذن الله تعالى.
- وروى الدارمي، وأحمد، وابن أبي شيبة، عن أبي قبيل قال: كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاص، وسئل أي المدينتين تفتح أولًا القسطنطينية، أم رومية؟ فدعى عبد الله بصندوق له حلق، قال: فأخرج كتابًا، فقال عبد الله: بينما نحن حول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نكتب، إذ سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أي المدينتين تفتح أولًا؟ فقال: مدينة هرقل (يعني القسطنطينية)، وقد تحقق الفتح الأول على يد الخليفة العثماني السلطان (محمد الفاتح) -رحمه الله- عام ١٤٥٣م؛ أي بعد (٨٠٠) سنة من إخبار النبي -صلى الله عليه وسلم-، وسيتحقق الفتح الثاني لا محالة بإذنه تعالى، ويسألونك متى هو؟ فقل: عسى أن يكون قريباً.
- والذي أخلص إليه بعد ما تقدم:
إذا كان اليأس -أخي الداعية- في دين الله حرامًا، وإذا كان التاريخ أثبت في صفحاته أن للأمم المغلوبة التي تتوق إلى المجد انتفاضات وانتصارات، وإذا كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- بشر في إخباراته أن أمة الإسلام مهما أصابها من ضعف وتفكك، ستبلغ قمة المجد، وغاية القوة والسيادة، وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا يتملك الناس اليأس، ويستحوذ عليهم القنوط؟
ولماذا يعتري كثير من المسلمين الخوف، وينتابهم الجبن؟ فعليك -أخي الداعية- أن تصحح للناس المسار، وأن تبث فيهم روح الوعي والعزيمة والتفاؤل، عسى أن ينهض المسلمون لبناء العزة، وإقامة الوحدة، وتحقيق الكيان من جديد؛ وعندئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، ينصر من يشاء، وهو العزيز الرحيم، فما أحوج المسلمين اليوم إلى دعاة يتحلون بالإيمان الراسخ الذي لا يتزعزع ولا يلين، و بالإخلاص الصادق الذي لا يعرف المصانعة ولا المراءاة، وبالجرأة الصادقة الصادعة بالحق التي لا تعرف الخوف ولا الوجل، وبالصبر المستمر الدائب الذي لا يعرف الخور ولا الكلل، وبالتفاؤل البسام الذي لا يعرف اليأس ولا التراجع.
فعلى الدعاة أن يدركوا اليوم مسؤوليتهم، ويحملوا هذه المواصفات النفسية التي ينبغي أن يحلوا بها أنفسهم إن أرادوا أن تكون أمة الإسلام عزيزة الوجود، ومهابة الجانب، موفورة الكرامة، قوية الكيان، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
أما عن روحانية الداعية فسنتولى الحديث عنها في حلقاتنا القادمة، فإلى العدد القادم، والسلام عليكم ورحمة الله.