العنوان أزمة.. داخل جامعات مصر
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 05-مارس-1985
مشاهدات 88
نشر في العدد 707
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 05-مارس-1985
* إلغاء ندوة للأستاذ التلمساني يزيد الأزمة اشتعالًا
* الطلاب ينددون باللائحة والحرس والأمن
* إعلان تشكيل الاتحاد العام لطلاب الجمهورية
طلاب الجامعات في مصر في حالة غليان، كل يوم يمر يزيد الأمور اشتعالًا، وكان لا بد من حدوث الأزمة، فاللائحة الطلابية التي أصدرها الرئيس الراحل أنور السادات في صيف 1979 قيدت ألسن الطلاب وشلت نشاطهم ووضعتهم في سجن كبير اسمه الجامعة، وأوقفت الحرس الجامعي على الأبواب، ودست أجهزة مباحث أمن الدولة أنوفها في كل شيء، يوافق على كذا ويمنع كذا.. ألغت اللائحة الطلابية المذكورة منصب الأمين العام لاتحاد طلاب الجمهورية؛ لأنها ألغت الاتحاد ذاته، وكان صدور اللائحة يهدف إلى إسكات الصوت الإسلامي المتمثل في شباب الجماعات الإسلامية بالجامعات، وطال انتظار الطلاب لرفع الغبن عنهم واحترام عقلياتهم ومحاولة إصلاح ما فات، ولكن الاستجابة كانت نقطة في بحر وشيء لا يذكر بجانب ما سلبته لائحة 79 من الكرامة الجامعية.. فرئيس الجامعة لا يستطيع أن يتخذ قرارًا إلا بموافقة الحرس الجامعي، وإذا حدث خلاف بين طالب وبين أحد أفراد الحرس، لا يستطيع المسئول الجامعي أن يقف في صف الطالب..
كانت اللائحة تعتبر الطلاب أشبه بالصبية، لا إدراك لهم ولا وعي.. هم أشبه بالقصر الذين يحتاجون من يفكر لهم وينصحهم.. ولكن الموقف لم يهدأ، والطلاب ليسوا كالأيتام، ولكنهم هم شباب مصر الناضج وأملها في مستقبل أفضل يمحو عارًا صنعته السلطة على مدى نصف قرن من التراجعات.. وقف الطلاب ليعلنوها مدوية أنهم لن يكفوا عن المطالبة بحقوقهم وحرياتهم، ولن يستكوا أبدًا عن الظلم والاضطهاد، ولن يسمحوا بأن تظل الجامعة مقيدة الأيدي والأرجل والألسنة، ولن يطيقوا الهوان في حرم الجامعة، فالجامعات في مصر يجب أن تكون هي القائدة وهي الرائدة، وهي دليل صحوة هذا الشعب.. وبالفعل اجتمع رؤساء اتحادات طلاب جامعات مصر بمقر اتحاد طلاب جامعة الإسكندرية منذ أكثر من شهر، لبحث مشاكل الطلاب والتصدي لأي معوقات في سبيل انطلاق المسيرة الطلابية، وأصدروا عدة قرارات:
1- عودة اتحاد طلاب الجمهورية -أكبر هيئة ممثلة للطلاب- والذي ألغته لائحة 1979 وذلك لقطع الصلة بين طلاب الجامعات المصرية ليسهل الانفراد بهم كل على حدة.
2- العودة المؤقتة للائحة 1976 لحين وضع لائحة جديدة عن طريق اتحاد طلاب الجمهورية المنتخب.
3- حق كل طالب في التعبير عن رأيه بحرية، وفي الترشيح لانتخابات الاتحادات الطلابية وإلغاء مهزلة شطب المرشحين.
4- إلغاء الحرس الجامعي بعد أن بلغت تجاوزاته حدًّا لا يطاق، وما أحداث الأزهر منا ببعيد.
5- عودة اتحاد طلاب المدن الجامعية، وإلغاء لائحتها الجائرة التي جعلت سيفًا مسلطًا على كل ذي رأي حر.
وبالفعل أرسل المجتمعون من رؤساء اتحادات طلاب الجامعات برقيات بهذه القرارات إلى السيد رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء ورئيس مجلس الشعب ووزير التعليم العالي، وشكلوا وفدًا منهم لمقابلة هؤلاء المسؤولين، لعرض الأمر عليهم ومتابعة النتائج. ولكن النتائج لم تكن مشجعة، وأخفقت كل المحاولات التي بذلت في سبيل إصلاح الحال، وأصدر الطلاب بيانًا ذكروا فيه كل التفصيلات المتعلقة بمقابلات الوفد مع المسئولين، وطالبوا بقية زملائهم بالوقوف صفًّا واحدًا لتحقيق مطالبهم ومطالب الحركة الطلابية في مصر.
وبالفعل أعلن الطلاب في اجتماعهم في ساحة جامعة القاهرة أنه تم تشكيل مجلس اتحاد طلاب الجمهورية برئاسة عمرو أبو خليل رئيس اتحاد طلاب جامعة الإسكندرية يعاونه أربعة نواب هم: حسام حسن جودة «ابن حسن جودة نائب الإخون في مجلس الشعب»، وهاني زغلول رئيس اتحاد طلاب جامعة عين شمس، وعصام عبد الحميد رئيس اتحاد طلاب جامعة المنيا، وياسر الجعيدي.. وجاء ذلك كخطوة عملية لإصلاح الموقف وتنفيذ المطالب، وأقامت جامعة القاهرة أسبوعًا للنشاط الطلابي يهدف إلى مناصرة قضيتي أفغانستان وفلسطين، وتحت الضغط الطلابي تمت الموافقة على تنفيذ هذا العمل، ووجه الطلاب دعوة للأستاذ عمر التلمساني المرشد العام للإخوان المسلمين، ووجه نائب رئيس الجامعة د. حلمي نمر دعوة رسمية للأستاذ عمر لحضور ندوة تقام داخل الحرم الجامعي بجامعة القاهرة حول قضيتي أفغانستان وفلسطين، وقبل الأستاذ عمر الدعوة والتي كان محددًا لها اليوم الثالث في أسبوع المناصرة الذي وافق الثلاثاء 26 فبراير الماضي، ولكن الدكتور حلمي نمر الذي وجه الدعوة، عاد وطلب من الأستاذ عمر إلغاء الندوة؛ لأن الطلاب يصدرون بيانات ومنشورات مما يدعو للتوتر بين الطلاب والإدارة الجامعية، ووافق الأستاذ عمر على طلب الإلغاء.. ولكن هل تم حل الموقف بإلغاء الندوة أم ازداد اشتعالًا؟!
في يوم الثلاثاء الماضي «26/ 2» خرجت جموع الطلاب بعد أن علمت بإلغاء ندوة الأستاذ عمر التلمساني تندد بإدارة الجامعة، وقام أكثر من عشرة آلاف طالب بمظاهرة طافت أرجاء الحرم الجامعي، تهتف: إسلامية.. إسلامية.. لا شرقية ولا غربية، الله غايتنا.. والرسول زعيمنًا.. والقرآن دستورنا.. وتحدث الدكتور عصام العريان فيهم، وهو أحد العناصر البارزة من شباب الجماعات الإسلامية بجامعات مصر قبل سبتمبر 1981، وكان منظرًا مؤثرًا أن ترى الأخوات المسلمات يسرن في مظاهرة خلف الطلاب تنتصر لزملائها، تتقدمهن أخت أصيبت بعجز ومحمولة على كرسي متحرك وتهتف وهم يرددون: إن الأقصى قد نادانا.. من سيعيد القدس سوانا.. واستمرت المظاهرة قرابة الساعتين، وقرر الطلاب استمرار مؤتمرهم لحين الموافقة على توجيه الدعوة مرة أخرى للأستاذ عمر التلمساني لحضور ندوة داخل الحرم الجامعي..
الجدير بالذكر أن جامعات أخرى كانت قد وجهت الدعوة قبل ذلك للأستاذ التلمساني لإلقاء محاضرات إسلامية، ولكنها كانت تعود وتعتذر لعدم موافقة مسئول مباحث أمن الدولة المكلف بمتابعتها وإصدار الموافقات من عدمها لها!
ولكن إلى متى يستمر الموقف هكذا؟! وهل يمكن إقناع السلطة في مصر أن هؤلاء الطلاب يريدون حقوقهم التي كفلها لهم الدستور، وأنهم لن يكفوا عن المطالبة بها والحديث عنها حتى تنفذ إن عاجلًا أو آجلًا.. أم سيظل عدم التفهم وأسلوب الأمن المركزي هو المسيطر على عقلية المسئولين بمصر؟
الجدير بالملاحظة أن الصحف الحزبية في مصر وعلى رأسها جريدة الأهالي التي تتحدث باسم الشيوعيين، لم تكتب عن هذه الوقائع شيئًا؛ رغم أنها دافعت عنها في العام الماضي وأفردت لها الصفحات، لسبب واحد فقط وهو أن القائمين بها ليسوا من الشيوعيين أو الناصريين أو اليساريين، ولكنهم الإسلاميون الذين يرأسون الاتحادات الطلابية الجامعية في مصر كلها تقريبًا، وخلفهم شباب الحركة الإسلامية في الجامعات..
وما زالت الجامعات في مصر في حالة غليان لن تهدأ حتى تعود حقوق الطلاب المسلوبة لهم، وترد للجامعة هيبتها وكرامتها واستقلاليتها.. وإنا لمنتظرون.