العنوان حتى لا يصبح التضامن الإسلامي قيمة أسطورية
الكاتب الدكتور محمد رواس قلعجي
تاريخ النشر الثلاثاء 15-مايو-1984
مشاهدات 95
نشر في العدد 671
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 15-مايو-1984
بعد أن بيَن الدكتور قلعة جي في الحلقتين السابقتين الأسس العقدية للتضامن الإسلامي... وبعد أن عدَّدَ أنواع التضامن وأطرافه.. وشرح ماهيَّة التضامن مع النفس «أ- تزكيتها بالمثل الإسلامية ب- تهذيبها سلوكيًّا» وفي هذه الحلقة يتابع فضيلته هذا الموضوع القيم.
ج- وعلى الإنسان أن يتضامن مع نفسه فكريًّا فينمي عقله بالتفكير السليم وأنواع الرياضيات الفكرية، ويُغذيه بالعلم النافع.
ونحن لا نشكو في العالم الإسلامي من قلة العقول المفكرة، ولكننا نشكو من هجرة العقول المفكرة، ومن تشريدها، فنكبات الهزات السياسية- والعالم الإسلامي اليوم موضع تركيز القوي الاستعمارية في الهزات السياسية- تنصب دائمًا على المفكرين، لأن المستعمرين المتوجسين خيفة من انطلاق المارد الإسلامي يدركون تمامًا أن أزمة العالم الإسلامي اليوم ليس أزمة طاقات، فالطاقات فيه كثيرة والحمد لله، ولكنها أزمة قيادة، وفي اليوم الذي يجد فيه العالم الإسلامي القيادة المفكرة الواعية المخلصة سينطلق ماردًا جبارًا محطِّمًا الأغلال والحواجز، ليقف حيث يريد تحت الشمس.
ولذلك فإن مهمة القوى الاستعمارية تفريغ المنطقة الإسلامية من العناصر المفكرة التي يمكن أن تكون قيادة، باجتذاب هذه العناصر إلى خارج المنطقة الإسلامية، وإلهائها بالبحوث والدراسات لتوضع دراستها بعد ذلك على الرفوف في المستودعات، أو غمرها بالمادة وإلهائها بها، أو تصفيتها جسديًّا بوسيلة من وسائل التصفيات الجسدية إن أبت إلا التحرك.
د- وعليه أن يتضامن مع جسده فيقويه بأنواع الرياضة والنظافة وكل ما يعود عليه بالنفع، ليكون قادرًا على أداء مهماته بكل جدارة، ويمنع عنه كل ما يضره من المسكرات والمخدرات، والإرهاق، والإنهاك في الملذات وغير ذلك، والرياضة وسيلة إلى تقوية البدن، وتقوية البدن وسيلة إلى تحقيق الخير؛ لأنه كام يقول عليه الصلاة والسلام «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف» (أخرجه مسلم) ولكن الذي نراه اليوم أن الرياضة أصبحت هدفًا يتحرك الشباب نحوه، ويحشدون له كل طاقاتهم، حتى ألهاهم ذلك عن التضامن مع إخوانهم في أعتى أزمة يمرون بها، وقد شاهدنا الناس ألوفًا مؤلفة ينتقلون من بلد إلى بلد آخر فينزلون الفنادق، ويأكلون في المطاعم ويتحملون المشاق ليجلسوا أمام التلفزيون ليشاهدوا مباريات كأس العالم لكرة القدم، بينما لم نشاهد واحدًا من هؤلاء فكَّر بالانتقال إلى المستوصف المجاور له ليتبرع بشيء من الدم، أو يتبرع ببطانية أو ثوب أو شيء من المال للجرحى أو المشردين الذين كانوا ضحية التآمر الدنيء على بلادهم.
لقد كانت أخبار الرياضة على كل لسان حتى طغت على أخبار اجتياح لبنان وتشريد أهله.
2- التضامن مع الغير:
إن المتضامن إما أن يكون فردًا أو جماعة، وكذلك المتضامن معه إما أن يكون فردًا أو جماعة، وعلى هذا فإن الأطراف المتضامنة لا تخرج عما يلي:
تضامن فرد مع فرد، تضامن فرد مع جماعة، تضامن جماعة مع فرد، تضامن جماعة مع جماعة.
وسنبين ذلك فيما يلي:
أ- تضامن فرد مع فرد: إن تضامن الفرد مع الفرد بقطع النظر عن لونه أو جنسيته، أو قوميته، أو دينه أمر إنساني محض، ولم يمنع منه الإسلام، بل أمر به ما دام في دائرة الحلال، فمن حق الجائع أن يُطعَم، ومن حق العاري أن يُكسي، ومن حق المشرد أن يُؤوَي سواء أكان أبيض أو أسود، عربيًّا أو أعجميًّا، مسلمًا أو كافرًا، وحق الجار ثابت على الجار بقطع النظر عن دينه أو لونه أو قوميته، أو جنسيته، فرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» ( أخرجه أبو داود، والترمذي، وأحمد) وقال: «ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم» (أخرجه أبو يعلى، والبيهقي) دون تفريق.
وليس من بأس أن يشتري المسلم من النصراني، وأن يشاركه في تجارة أو صناعة أو نحو ذلك ما دام ذلك في دائرة الحلال، أما إذا تجاوز ذلك الحرام فلا، كتضامنه معه في مساعدته في عصر خمره، أو بناء كنيسته أو نحو ذلك.
ولكن الذي يمنع هو أن يحسن المسلم الظن بالكافرين حتى ليفضل التعامل معهم والتضامن معهم على التعامل والتضامن مع المسلمين، وهذا ما نشاهد بوادره اليوم بين المسلمين، فإذا ما أراد المسلم مربية لأولاده أو خادمة لبيته اختارها كافرة نصرانية أو بوذية، وإذا ما سألته عن السبب لقال لك إنها أحسن أخلاقًا وأسهل قيادة، وإذا ما أراد محاسبًا أو مديرًا لأعماله اختاره كافرًا نصرانيًّا أو نحوه، وإذا ما سئل عن سبب ذلك لقال لك: إنه أكثر أمانة وأشد إخلاصًا، بل وصل الأمر إلى أنه إذا ما طلب منه نصراني ومسلم قرضًا، أقرض النصراني وأمسك عن المسلم بحجة أن النصراني أحسن وفاء من المسلم.
والحقيقة أن هذا من جملة الأوهام التي أصابت المسلمين اليوم، فما كان الكافرون في يوم من الأيام أحسن حالًا من المسلمين، ولكننا يُخيَّل لنا نحن كذلك، وسبب هذا التخيل ذلك التفوق المادي الذي أحرزه النصارى والكافرون، الذي جعلهم هم الأقوى ونحن الأضعف، فرسخ في أعماقنا أنهم هم الأحسن دائمًا، حتى ليُخيَّل إلينا أن أخلاقهم- على ما هي عليه من التفسخ- أحسن من أخلاقنا، وعاداتهم أحسن من عاداتنا، وكل شيء فيهم هو أحسن من أي شيء فينا، وذلك وَهْمٌ، كان ابن خلدون قد نبَّه إليه وحذر المسلمين منه عندما عقد فصلًا في مقدمته بعنوان: المغلوب مولع دائمًا بتقليد الغالب، حتى صرنا كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو دخلوا جحر ضب لدخلناه» (أخرجه مسلم (2669) باختلاف يسير) ونحن لا نُنكر أن بعض الكافرين أحسن معاملة مع بعض المسلمين، ولكن علينا أن نعلم أن إحسان معاملتهم هذه ما هو إلا طعم يحوزن به ثقة المسلمين، حتى إذا ما وثقوا بهم. وأسلموهم القيادة تصرّفوا بما تمليه عليهم عقائدهم من وجوب أضعاف المسلمين، وكسر شوكتهم.
ب- تضامن فرد مع جماعة: وتتمثل هذه الجماعة بالدولة وبالمؤسسة وبالهيئات التي يتعامل معها الأفراد، وتضامن الفرد معها يتمثل بالتقيد بأنظمتها، والعمل على ازدهارها، وقد عمل الإسلام على تحقيق هذا التضامن، فجعله فرضًا على الفرد ليقوم النظام.
ولكن نقطة الضعف في ذلك تكمن في أن هذه الدولة أو المؤسسة التي يجب على الفرد طاعتها هي الطرف الأقوى، وبيدها وضع النظام الذي تريده، وبيدها القوة والسلطان اللذان يكرهان الفرد على القبول، ولذلك فإنه لا يؤمن عدم الطغيان من جانبها.
وقد عالج الإسلام نقطة الضعف هذه بالتحاكم إلى الإسلام ومبادئه كلما أدعى أحد عليها التجاوز والطغيان فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (النساء:59).
* والمشكلة القائمة اليوم بين المسلمين وحكوماتهم هي مشكلة أزمة الثقة فجمهور الشعوب الإسلامية لا يثقون بجمهور الحاكمين، لاعتقادهم أنهم عملاء نصبهم الاستعمار لتنفيذ مآربه في البلاد الإسلامية، وأكبر دليل على ذلك أن هؤلاء الحكَّام إذا ما دعوا إلى التحاكم إلى الله ورسوله لم يكن لهم من جواب إلا البطش بالدعاة والداعين، ونتيجة لذلك، فإن جماهير المسلمين يعتقدون بأن ما يصدره هؤلاء من أنظمة إنما هو لتثبيت حكمهم الظالم الجائر، وليس فيها أية مصلحة لجمهور المسلمين، ولذلك فإنهم يبيحون لأنفسهم التحلل من طاعة هذه الأنظمة أو الاحتيال عليها، لأن طاعتها إمداد في أمد الظالم، وإعانة له على ظلمه، ولقد أعجبتني كلمة قرأتها لبعض المفكرين الغربيين حيث قال: «إن المسلم لن يكون مواطنًا صالحًا إلا في دولة إسلامية حيث يقدم لها جميع إمكاناته على طبق من ذهب».
* أما المؤسسات: فإن الذين يتعاملون معها من الأفراد على نوعين: موظفين فيها، وعملاء، أما الموظفون فيها فإنهم في الغالب لا يتضامنون معها، والسبب في ذلك أن هذه المؤسسات التي هي تُجاريَّة في الغالب تعمل بوحي من مصلحتها الذاتية، وترجح هذه المصلحة على مصلحة موظفيها عندما تتعارض المصلحتان، ولذلك نرى عمليًّا أن موظفيها يقفون موقفًا غير تضامني منها عند حدوث هذا التعارض.
أما العملاء: فإن التجار المسلمين- مثلًا- عليهم أن يتضامنوا مع المؤسسات الإسلامية- كالبنوك الإسلامية مثلًا- فلا يتعاملون إلا معها، وليس هذا فحسب بل عليهم أن يكونوا أجهزة إعلام لهذه المؤسسة الإسلامية يلهجون بالثناء عليها في كل مناسبة، هذا ما يجب أن يكون، ولكن الواقع أننا نجد كثيرًا من التُّجار المسلمين يشككون في كفاءة المؤسسات الإسلامية من أول يوم أنشئت فيه، ويفضلون التعامل مع المؤسسات الأخرى التي لا تقوم على أساس إسلامي، إما لصداقة شخصية مع مديرها، أو لمعرفة بمداخل موظفيها، أو لاعتياد التعامل معها ومعرفتهم بأسلوب العمل فيها.
* وأما الهيئات: فهي متعددة الهويَّات، فهيئة تتبنى الماسونية- وهي يهودية تسعى إلى تحطيم جميع الروابط وإزالة كل الحكومات الشرعي، وإلغاء جميع الأديان ليعود الناس كالبهائم يحكمها شعب الله المختار «اليهود».
وهيئة تتبنى الشيوعية، وهي حركة إباحية متفرعة من الماسونية تسعى لتحقيق الأهداف البعيدة الماسونية.
وهيئات تتبنى القومية العربية، وهي حركة صليبية استعمارية غايتها تفريق كلمة المسلمين، وإيقاع الخصومات بين العرب أنفسهم، وهيئات تتبنَّى الإسلام وسيلة وهدفًا.
جميع هذه الهيئات موجودة في الساحة الاجتماعية، وكل واحدة تدعو الأفراد إلى التضامن معها، وبديهي أن خير هذه الهيئات تلك التي تتبنى من المبادئ ما يجمع ولا يفرق، يقوي ولا يضعف، يحقق الخبر للمسلمين ولأبناء الإنسانية جمعاء، ولن تجد هذا في غير الإسلام.
والجدير بالذكر أن كل ما هو موجود اليوم في ساحة الشعوب الإسلامية- ما عدا الإسلام- يغذي الصراع، ويوري نار الحقد، بين الفرد والجماعة، أو بين الفرد وبعض الجماعات، وليس هذا في مصلحة الأمة في شيء، ولذلك فإن الرباط الذي يربط هؤلاء الأفراد بالهيئات التي ينتسبون إليها هو رباط عاطفي، وانتصارهم لها في صراعها مع الهيئات الأخرى انتصار جاهلي، وليس انتصارًا للحق، فهو ينتصر لها دائمًا ظالمة أو مظلومة وليس هذا من الإسلام في شيء.
ج- تضامن الجماعة مع الفرد: الجماعة- سواء أكانت دولة أم مؤسسة أم هيئة- أقوى من الفرد.
* فمن المفروض أن تقف هذه الجماعة بجانب الفرد تشد أزره، وتأخذ بيده لأن القاعدة الإسلامية تقضي بأن يقف القوي بجانب الضعيف حتى يقوى وهذا وإن كان صحيحًا في بعض الهيئات النقابية والأحزاب السياسية.
* إلا أنه يتأرجح بين أقصى اليمين وأقصى اليسار بالنسبة لموقف الحكومات من شعوبها.
فبينما نرى كثيرًا من حكومات الخليج تعتبر نفسها مظلَّة لشعوبها تحميها وتقف بجانبها ولا تدخر وسعًا في إيصال الخير إليها، نجد حكومات أخرى لا تثق بشعبها، ولا يمكن تفسير تصرفاتها معه إلا تفسير العداء لهذا الشعب، حتى معونات الأدوية والأغذية التي تتبرع بها هيئات عالمية أو حكومات غنيَّة لهذا الشعب، تصادرها الحكومة وتبيعه إياها بأغلى الأثمان، قتل جماعي لأدني شبهة، طوابير طويلة يستغرق الوقوف فيها الساعات للحصول على مادة من المواد الضرورية أرز، شاي، سكر، خبز... إلخ.
* وهو ليس بصحيح قطعًا بالنسبة للمؤسسات ذات الغايات التجارية، فهي لا يهمها إن عاش موظفوها في بحبوحة من العيش بقدر ما يهمها ما تجنيه من أرباح في نهاية العام.
ومع ذلك فإن على هذه المؤسسات أن تعطي الأولوية للعمل فيها إلى المسلمين، تضامنا معهم على إيجاد لقمة العيش، وما تفعله بعض المؤسسات من الاعتماد على الأيدي العاملة غير المسلمة مع توفُّر الأيدي العاملة المسلمة أمر لا يُقِرُّهُ شرع؛ لأن ذلك يعني: العمل على تقوية غير المسلمين وهم سيستعملون هذه القوة ضد المسلمين حتمًا، وبذلك يحاربون المسلمين بأموالهم، ولا أدل على ذلك من جمع العمالة الفلبينية المال من الخليج ليسخر هذا المال في تقتيل المسلمين في مانيلا وغيرها من بلادهم.
د- تضامن الجماعات فيما بينها:
إن من الواجب أن تتضامن الجماعات الإسلامية فيما بينها، الشركة الإسلامية تتضامن مع الشركة الإسلامية فلا تشتري احتياجاتها إلا منها، والهيئة الإسلامية تتعاون وتتضامن مع الهيئة الإسلامية الأخرى، إن في مجال البر والإحسان، أو في مجال الدعوة إلى الله، أو في مجال مقارعة الظلم والعدوان في بلاد المسلمين، أو غيرها من المجالات.
وإذا كانت الدولة تمثل جماعة المسلمين من مواطنيها فلا بد من أن يكون هناك تضامن وثيق بين الدول الإسلامية فيما بينها في مجال الإعلام، فلا يصدر عن أجهزة إعلام دولة إسلامية ما يضعف موقف دولة إسلامية أخرى، ولا بد من وجود تضامن وثيق بين الدول الإسلامية في المحافل الدولية بالتناصر فيما بينها ودعم قضاياها الخاصة والعامة، وتكوين كتلة عالمية ثالثة يكون لها وزنها في العالم.
ولا بد من التضامن فيما بينها في المجالات الاقتصادية، وهنا لا يجوز لنا أن نهمل الإلماحة إلى ضرورة قيام سوق إسلامية مشتركة تصب اقتصاديات الدول الإسلامية في مجراها العريض، وتكون مظهرًا للتضامن الإسلامي وإرهاصًا بقيام وحدة سياسية إسلامية في المستقبل.
وقيام السوق الإسلامية المشتركة يعود بفوائد جليلة على الدول الإسلامية وعلى الشعوب الإسلامية نذكر من ذلك:
1) المحافظة على ثروات المسلمين، وإبقاء أموال المسلمين في بلادهم، خاصة وإن هذه البلاد فيها ثروات جوفية ضخمة، وفيها صناعات وإنتاج زراعي، وما هو موجود ومتوفر في بلد غير موجود أو غير متوفر في بلد آخر، وأكثر إنتاج البلاد الإسلامية يعاني من الكساد، لعدم وجود أسواق الدول الإسلامية غير أسواقها المحلية الداخلية، إلا ما ندر، وإن التجار في بلاد المسلمين يستوردون احتياجات بلادهم من بلاد غير إسلامية ورغم توفر هذه الاحتياجات في بلاد إسلامية، وإنما يفعلون ذلك لاعتبارات عندهم منها: الانبهار بالغرب ومنتجاته، وفرط الثقة التي لا مبرر لها- في كثير من الأحيان- به ومنها الإعلام القوي والدعاية الرائجة ومنها.... ومنها...
2) مضاعفة الإنتاج: لأنه عندما يكثر الطلب على سلعة من السلع يزيد إنتاجها تلبية لطلب المستهلكين المُنهالة على المنتجين لهذه السلعة.
3) وهذا يؤدي إلى تنشيط الصناعات الوطنية القائمة، وإلى إقامة صناعات جديدة، لضمان رواجها.
4) وتلبية لطلب التجار السلع بمواصفات معينة يزداد التفنن في الإنتاج، ويتحسن الإنتاج تبعًا لذلك، بل إن الإنتاج يصطبغ بالصبغة الإسلامية، لأن المستهلكين من المسلمين، ولأن المنتجين من المسلمين، فالأدوية التي تحل بالكحول لو كانت تتجمع في بلد إسلامي لحلت بغير الكحول المحرم.
5) إن هذا التفنن في الإنتاج، والحرص على تحسينه تلبية لرغبات المستوردين يزيد خبرة العاملين وكفاءتهم في العمل والإنتاج.
6) وإذا كانت بعض الدول الإسلامية تعاني من الفقر المتسبب عن البطالة المتفشية لانعدام أو لضيق مجالات العمل، فإن السوق الإسلامية المشتركة كفيلة بزيادة الطلب على اليد العاملة، وإيجاد فرص جديدة للعمل نظرًا لكثرة الطلب على المنتجات.
7) وبذلك تحل كثير من المشكلات الاجتماعية كالفقر، والجهل، والمرض الناشئ عن سوء التغذية لقلَّة الدخل الفردي.
8) إن السوق الإسلامية المشتركة تعني تحقيق الاكتفاء الذاتي في أعلى نسبة بين الدول الإسلامية، وذلك بعد إيجاد نوع من التنسيق الاقتصادي بين الدول الإسلامية لإيجاد التكامل فيما بينها.
9) والسوق الإسلامية المشتركة تنمي اهتمام المسلمين بعضهم بالبعض، وتشد من أزر التناصر فيما بينهم لتشابك المصالح بين البلدان والشعوب الإسلامية، وإذا تشابكت المصالح فإن انهيار بلد يعني ضرب مصالح البلدان الأخرى، وبذلك يسود الاستقرار في جو من التناصر.
10) إن السوق الإسلامية المشتركة تجعل للدول الإسلامية وزنًا بين الكتل الدولية وبذلك تزحف من الهامش إلى البؤرة.
11) والسوق الإسلامية المشتركة متى قامت تحل عقدة التبعية المتحكمة في نفوس المسلمين اليوم بأنهم ليسوا قادرين على شيء، وعندئذ ينطلق العملاق من أغلاله ويحقق الكثير.
12) إن عطاءات الدول غير الإسلامية المصدرة للسلع ترتبط دائمًا بشروط تمليها مصالح هذه الدول، ولما كانت جل هذه الدول المصدرة من الدول الاستعمارية فإن الأغلال تزداد على الدول المستوردة طردًا بازدياد احتياجها إلى السلع التي تنتجها هذه الدول.
والسوق الإسلامية المشتركة عندما تقوم ستحرر الدول الإسلامية المستوردة من هذه الأغلال- الشروط المتحكمة- لأن شروط التصدير والاستيراد في هذه السوق لن تفرضها دولة معينة انطلاقًا من مصالحها الذاتية، دون النظر إلى مصالح غيرها، بل يفرضها منطق العدالة الذي يشترك في صياغته جميع دول السوق.
13) وهذا يقطع أو يحد من التدخل الأجنبي في شؤون الدول الإسلامية من خلال الاقتصاد.
14) إن قيام السوق الإسلامية المشتركة يعني الحد من الاستيراد من الدول غير الإسلامية وهذا يعني تقليص أرباحها، وإذا علمنا أن جزءًا كبيرًا من هذه الأرباح التي تجنيها أكثر الدول غير الإسلامية يرصد بشكل أو بآخر لحرب الإسلام والمسلمين، علمنا أن قيام السوق الإسلامية المشتركة هو مساهمة عمليَّة جادة لتجريد الدول الاستعمارية من أسلحتها التي تستخدمها ضد المسلمين.
وبذلك يبدو لنا أن قيام السوق الإسلامية المشتركة واجب تضامني إسلامي لا يجوز التخلِّي عنه، هذا من الناحية النظرية:
أما في التطبيق: فإنه لا بد من إجراء تصنيف جديد- غير التصنيف التقليدي- تحدد به الدول الإسلامية وتميز عن الدول غير الإسلامية، لوضع قائمة بالدول التي تدخل في نطاق التضامن الإسلامي، والدول التي تخرج عنه، ولا بد من القول بادئ ذي بدء أنه ليست كل حكومة تحكم شعبًا مسلمًا هي دولة إسلامية، فقد يكون الشعب على غاية من الإسلام وتكون الحكومة على غاية من الكفر، إِذْ ليست جميع الحكومات اليوم تمثل شعوبها الإسلامية، لأن كثيرًا من هذه الحكومات لم تأتِ بإرادة شعوبها واختيارهم، بل هي حكومات انقلابية فرضتها قوة السلاح.
إذ لا يجوز شرعًا التضامن مع حكومة تقف موقف العداء للإسلام وأهله حتى وإن كانت تحكم شعبًا مسلمًا، وإن كانت تحمل الهويَّة العربية أو غيرها من الهويات الأخرى قال تعالى في سورة المجادلة ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ (المجادلة: 22).
ولكي لا تحرم الشعوب الإسلامية التي تحكمها حكومات كافرة من خير إخوانهم المسلمين والحكومات الإسلامية، فإن التضامن يكون مع هذه الشعوب ذاتها مباشرة، فترسل المعونات لفقرائها وتوزع عليها مباشرة، ولا تسَلّم إلى حكوماتها، ويتضامن معها لإقامة حكومات إسلامية، إذ لا يجوز تركها تحت سلطة كافرة قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (النساء: 141).
وقال صلى الله عليه وسلم «لا ولاية لكافر على مسلم» (صحيح مسلم) فإن قيل: إن القانون الدولي لا يسمح بذلك كله، قلنا: لماذا يباح تجاوز القانون الدولي عندما يكون في الأمر تقتيل للمسلمين وتشريد، ولا يباح تجاوزه عندما يكون لهم في هذا التجاوز خير. ثم.... ثم أن قانونًا يحمي الظالمين ويسحق المظلومين ليس جديرًا بالأخذ به.
نتائج هذا البحث:
نلخص مما تقدم من هذا البحث:
إن التضامن الإسلامي فريضة إسلامية لا يجوز إهمالها، لأنها مظهر من مظاهر الوحدة الإسلامية وإن وقعت الحدود واختلفت الممالك، وإذا كان تطبيق النظرية الإسلامية في التضامن بشكلها الكامل تقوم دونه عقبات يجب أن تعمل الدول الإسلامية والشعوب الإسلامية على إزالتها، فإن ذلك لا يعفي المسلمين من الأخذ بما استطاعوا من هذه النظرية لأن ما لا يدرك كله لا يترك كله.
وبعد:
فإني لا أدَّعي أني قد قلت كل ما أريد قوله في التضامن الإسلامي، ولكن حسبي من ذلك أني حددت الإطار العام للموضوع، وأثرت نقاطًا جديرة بالبحث والتأمل، لتكون مادة للمناقشة، أسأل الله تعالى السداد والتوفيق..