العنوان قضية الإسكان بين الهيكل التاريخي للأزمة والحلول المطروحة
الكاتب عبدالله الخطيب
تاريخ النشر الثلاثاء 22-مارس-1983
مشاهدات 50
نشر في العدد 613
نشر في الصفحة 10
الثلاثاء 22-مارس-1983
في
الكويت تبدو مشكلة الإسكان عميقة الجذور وكان من الأسباب الرئيسية لتفاقم أزمة
الإسكان عدم وجود الإحصاء الدقيق لعدد السكان في الكويت والتنبؤ الخاطئ في ظل هذا
الإحصاء، وابتداء المؤسسات القائمة على العمران في عملية البناء دون استخدام أسلوب
التجربة مما أدى إلى الفشل في البناء رغم الجهود التنظيمية التي تبذلها الحكومة في
هذا الشأن.. فظلت جذور المشكلة كما هي.
وقد
جعلت الزيادة المطردة في عدد الكويتيين- التي فاقت الأرقام المتوقعة لعدد
البيوت الحكومية- الهيئة العامة للإسكان في سباق مع الزمن من أجل المسارعة في
تغطية بعض هذه الطلبات، كما أن عدم استقرار وزارة الإسكان على تشكيل معين
واستمرارها في الانتقال ما بين وزارة الشؤون أو الانفصال عنها أفقدها الغرض الذي
أنشئت من أجله وأصبح عملها ينصب على تسجيل الطلبات وتسليمها.. وانعدم التخطيط
والبحوث والدراسات والتي إن تمت نتائجها فقد لا يستفاد منها لبروز عقبات كبرى في
مسألة التنفيذ!
- عودة تاريخية:
وكعودة
تاريخية للمخططات الهيكلية الإسكانية نجد الأمور التالية:
- المخطط الهيكلي لعام (1951م) وكان
الغرض منه بالدرجة الأولى امتداد العمران خارج حدود السور التقليدية، لإثبات
السيادة على جميع الأراضي الكويتية واستغلالها ضد كل الأطماع.
- تم تعديل هذا المخطط وذلك في
سنة (1965)، وهذا التعديل كان البداية السليمة للتخطيط حيث ركز على عدد
السكان في المستقبل واحتياجاتهم من المساكن وسعة الأراضي الخالية ومع ذلك لم
يحقق المخطط النجاح المطلوب.
- وضع المخطط الهيكلي الثالث
عام (1970) وفي هذا المخطط قدر عدد سكان الكويت أنه سيصل في
عام (1990) إلى (2) مليون نسمة، ولكن كان التحرك في
البناء السريع العقبة الكبيرة أمام نجاح هذا المخطط.
- محاولات الحكومة لحل الأزمة:
وبالنسبة
للمحاولات الحكومية على مستوى إنشاء الدوائر لحل مشكلة الإسكان قديمًا كانت تفتقد
التخطيط السليم، ففي سنة (156) تم تأسيس دائرة أملاك الدولة. وكانت مهمتها توزيع
البيوت للمواطنين، وفي سنة (1958) تم تشكيل لجنة أطلق عليها (لجنة الإسكان)
واشتركت مع دائرة أملاك الدولة في أداء مهمتها ومع ذلك لم ينجح هذا الأمر.
وفي
سنة (1959) تم إنشاء لجنة (توزيع المساكن) من بعض الأهالي، وكان لاقتراح إدارة
أملاك الدولة الأثر في التقدم نحو إيجاد الحل السليم، وينص الاقتراح على أن توفر
الحكومة قسائم سكنية مساحة كل منها (500)م² للمواطنين مع إعطاء القروض لهم ليقوموا
بعملية البناء.
وفي
عام (1960) تم تأسيس بنك الائتمان الذي غير اسمه عام (1965) إلى بنك التسليف
والادخار، وتم التأسيس برأسمال قدره (7) ملايين دينار ليساهم في
عملية إعطاء القروض مساهمة منها في حل المشكلة السكانية.
وفي
عام (1961) ضمت دائرة أملاك الدولة وإدارة الإسكان إلى وزارة المالية للقيام
بالمساعدة في عملية الإسكان إلا أن كثرة أعداد المراجعين لم يمكن الوزارة من
الاستمرار في هذه العملية وفشلت. مما حدا بالحكومة إلى إصدار المرسوم الأميري رقم (2)
/ 1962 في يناير بجعل وزارة الشؤون هي الجهة المختصة بتلقي الطلبات وتوزيع البيوت
على مستحقيها، ومع ذلك ظلت المشكلة الإسكانية تسير ببطء مع محاولات الحل
الجذري لها.
- ولادة الهيئة العامة للإسكان:
وفي
سنة (1974) صدر القانون 15/ 74 بإنشاء الهيئة العامة للإسكان كحل إضافي مساعد
للتصدي لحل مشكلة بدايتها كانت في الستينيات- وكان عملها السعي لبناء المساكن
وتسليمها لوزارة الإسكان لتقوم بدورها بالتوزيع، أي أن تتولى الهيئة الجانب
الفني من الإسكان وهو حل مشكلة الإسكان حيث إن التأخير لن يكون مشكلة الوزارة بقدر
ما ستكون الفرصة لتوجيه الانتقاد للهيئة.
ولقد
استطاعت الهيئة أن تخطو خطوات كبيرة نحو حل المشكلة ولكن المشكلة الإسكانية كانت
أكبر من كل الخطوات بسبب ازدياد الطلبات بشكل كبير.
وعلى
الرغم من إصدار المرسوم الأميري بإنشاء وزارة خاصة للإسكان وفصلها عن وزارة الشؤون
وذلك في سنة (1975) لتقوم بالتعاون مع الهيئة العامة للإسكان إلا أن الوزارة
اقتصرت مهمتها على توزيع المساكن وأصبح توفير المساكن عن طريق الهيئة فقط، أما
التخطيط وإجراء البحوث والتعاون مع إدارة الإحصاء لمعرفة الأرقام الحقيقية لعدد
الكويتيين فلم يتم بالطريقة الصحيحة مما أدى إلى تفاقم المشكلة في وقتنا الحالي، وقد
ضمت وزارة الإسكان من جديد إلى وزارة الشؤون في التشكيل الحكومي الجديد.
- تطور جديد:
وفي (23) يوليو
عام (1975) عقد مجلس الوزراء جلسة خاصة للبحث عن حل جذري للمشكلة
الإسكانية حيث قرر اختيار المنطقة الواقعة على امتداد الشريط الساحلي جنوب الدائري
السادس وشمال منطقة الرقة لتكون مناطق سكنية نموذجية إلى جانب توفير القسائم
ليتولى بنك التسليف والادخار تقديم القروض للمواطنين وتقرر أن تكون مساحة القسيمة
السكنية (750) م² واستمرت الجهود باشتراك أكثر من جهة وإدارة إلا
أن الزيادة المطردة في عدد السكان كانت تحول دون الوصول إلى الحل الأمثل
للمشكلة. ولقد قامت الهيئة العامة للإسكان بمهمة التخطيط ليكون التوزيع فقط
من جانب الوزارة حيث وضعت خطة سداسية بدأت في يناير (1976) لإنجاز (34) ألف وحدة
سكنية من بينها (28) ألف بيت حكومي (6) آلاف شقة!! وهنا بدأت مرحلة
جديدة ومشكلة جديدة أيضًا تمثلت في رفض الكويتيين لفكرة السكن في الشقق وذلك لأنها
لا تحقق الراحة والاستقرار النفسي للمواطن الكويتي الذي تعود على السكن في منزل
خاص به يجمع يبن الديوانية والملحق وساحة داخلية للزراعة (حوش). كما رفض
فكرة الشقق أيضًا الطلبة الجامعيون، وحتى الآن لم تتبلور فكرة بناء وتوزيع
الشقق على المواطنين خشية من رفضهم استلامها الأمر الذي سيشكل أزمة أخرى في
الإسكان.
- مشكلة البحوث الميدانية:
كما
أن من المشكلات الإسكانية عدم قيام وزارة الإسكان والهيئة العامة للإسكان بإجراء
بحوث دورية متخصصة واستحداث إدارة خاصة بالبحوث الإسكانية حتى لا تتكرر الأخطاء
كما حدث في بناء الزيادات والملاحق واضطرار بنك التسليف لتقديم قروض إضافية بهذا
الشأن. وهنا يحق لنا أن نتساءل عن البحث الذي أجرى في عام (1970) بواسطة وزارة
الشؤون حيث تم اختيار عينة من السكان الجدد لاستطلاع آرائهم حول المساكن الجديدة.
فقد أثبت البحث أن (76%) منهم أجرى تعديلات على منازلهم وأن (91%) من العينة غير
راضية عن مساكنهم! والملاحظ أن مثل هذه البحوث قد توقفت ولم يكتب لها الاستمرارية!
كما
أجرت الهيئة العامة للإسكان بحثًا ميدانيًا بعدما تم البناء، وهذا خطأ لأن التجربة
يجب أن تكون قبل البناء حتى لا يكون المواطنون موضعًا لإجراء التجارب عليهم، وحتى
نستفيد من ذلك البحث عند المباشرة في بناء المساكن الجديدة لنضمن لها النجاح.
- اقتراحات وحلول:
ومن
باب الاهتمام بمشاكل الإسكان تقدم العضو المحترم عيسى الشاهين مع بعض أعضاء مجلس
الأمة بمشروع لإنشاء مجلس أعلى للإسكان يرأسه ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء لإيجاد
الحل الجذري لمشكلة الإسكان المتفاقمة في البلد، ونحن هنا نطرح بعض الأمور راجين
أن تساهم في إيجاد الحل الحقيقي والمناسب لأزمة الإسكان في الكويت. وتتلخص
فيما يلي:
1-
التوسع في الصناعات البنائية في الكويت لتشمل صناعة الأدوات الصحية والديكور حيث
إن الصناعات البنائية الموجودة حاليًا تشمل الطابوق الجيري والرملي
والأسيست. أما توفير الحديد فيمكن عن طريق اختيار أجود الأنواع، والحصول
بأسعار مناسبة عن طريق مناقصات طويلة الأجل.
2-
التنسيق بين إدارات الدولة ومنع الازدواجية نظرًا لتداخل أعمال كثير من الجهات في
المساهمة ضمن جهود مشتتة لحل مشكلة الإسكان مثل وزارة الإسكان وبنك التسليف وإدارة
أملاك الدولة بحيث يتم التنسيق بينها للمساهمة في جهود منظمة تضمن تقاسم المشكلة
لحلها بالتساوي. ويمكن أن تتولى إدارة أملاك الدولة دفع بدل الإيجار للحالات
الاضطرارية في السكن.
3-
إنشاء صندوق خاص تسهم فيه شركات القطاع الخاص والبنوك بتقديم معونة سنوية للصندوق
مساهمة منها في حل مشكلة الإسكان. كما يسمح لهذه الشركات بالدخول في عملية
البناء وتسليمها للحكومة لتوزيعها على المواطنين.
4-
إنشاء جمعية تعاونية للإسكان تحت إشراف حكومي بواسطة المجلس الأعلى للإسكان
وبواسطة جهود المواطنين وبإسهامات رمزية لتقوم الجمعية بدورها في عملية البناء.
ونشير
هنا في بند (3) وبند (4) إلى ضرورة إشراف مهندسي الهيئة
العامة للإسكان على الناحية الفنية لبناء هذه الوحدات السكنية وإشراف البلدية
بتخصيص المواقع.
5-
يجب أن يسير بناء الوحدات السكنية في خط متواز مع بناء وحدات الخدمات الضرورية مثل
المستوصفات والمدارس والحدائق وأماكن التسلية.
6-
الاتفاق مع الشركات المختصة في البناء ضمن شروط معاقبة التأخير في التسليم أو وجود
أية عيوب في البناء.
7-
ضرورة أخذ التوصيات المناسبة من المواطنين أصحاب الطلبات قبل المباشرة بعملية
البناء بواسطة استمارات استبيان توزعها إدارة متخصصة بالبحوث على المواطنين وتقوم
هذه الإدارة برفع التوصيات إلى الهيئة العامة ليتم ترجمتها في البناء لتلبي الحد
الأقصى أو الأدنى من طلبات المواطنين لكيلا يتشوه البناء بعد استلامه والقيام
بالبناء الإضافي.
8-
الاهتمام الجاد والجذري السريع بمنطقة (بوبيان) ومنطقة (الصبية) من
حيث تقسيمها على مراحل بوضع أجزاء منها كقسائم سكنية تتولى الحكومة توزيعها على من
يرغب من المواطنين، كما تقوم الجهات الأخرى كالهيئة العامة للإسكان بالتعاقد مع
الشركات للإسراع في بناء الوحدات السكنية إلى جانب الخدمات التي تشمل كل متطلبات
المواطنين مع مراعاة مواقع أعمالهم بالاتفاق مع وزاراتهم المختصة إما بإنشاء فروع
للوزارات في هذه المناطق أو مراعاتهم بشأن الدوام.
ولا
شك أن عوامل الجذب التي توفرها الحكومة في هاتين المنطقتين سيكون العامل الرئيسي
في نجاح عملية الإسكان في مثل هذه المناطق البعيدة.
9-
ونؤكد هنا على ضرورة إحصاء كل الطلبات الموجودة حاليًا لدى الوزارة والقيام
بالبناء السريع على ضوء الأرقام الحقيقية على أن يضمن ذلك شركات مختلفة تحت إشراف
فني دقيق حكومي مع توفير ميزانية كبيرة.
10-
ويمكن الاستفادة من التجارب الإسكانية من دول العالم الكثيرة. ويمكن إعطاء
المواطن قرضًا ليقوم باستكمال البناء.
وهذه
الخطة على الرغم من أنها ناجحة وسريعة فإن انعدام الذوق في عملية البناء لدى بعض
المقاولين قد يؤدي إلى تشوهات في منظر المدن مما يفقدها الواجهة الجمالية المطلوبة.
وعمومًا
مع تضافر الجهود سيصبح بالإمكان الوصول إلى ذلك الحل المثالي لمشكلة الإسكان في
الكويت. كما أن التعاون المشترك المتكامل بين الأهالي والحكومة يضمن الوصول
إلى تغطية كل الطلبات والتوسع في البناء.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل