; قضية الإسكان إلى أين؟ | مجلة المجتمع

العنوان قضية الإسكان إلى أين؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 30-يونيو-1981

مشاهدات 90

نشر في العدد 534

نشر في الصفحة 8

الثلاثاء 30-يونيو-1981

  • الحكومة ليس لديها سياسة إسكانية واضحة أو مبنية على دراسة وتخطيط.

  • تعدد الأجهزة المسؤولة عن الإسكان والروتين فيها يذيق المواطن رحلة عذاب

  • يد الإصلاح يجب أن تمتد إلى أصل المشكلة وجذورها والمواطنون ينتظرون دور المجلس.

بالرغم من الجهود المشكورة التي قامت بها الحكومة لتلبية رغبات المواطنين في الحصول على السكن سواء بمنح القسائم السكنية أو القروض أو وحدات ذوي الدخول المحدودة والمتوسطة أو الشقق وهي بلا شك جهود كبيرة، إلا أن الحكومة كما قال بعض النواب بحق ليس لديها سياسة إسكانية ثابتة مبنية على دراسة وتمحيص.

 فالوقتية وعدم الدراسة تكاد تكون سمة عامة لجميع المشاريع الحكومية وخاصة في مجال الإنشاءات والإسكان. فما من مشروع تم إنجازه إلا وتحسر المواطنون عليه، ليته استكمل كذا وكذا وليته كان في مكان كذا.. ولو استثنينا مشاريع الطرق لوجدنا أن مرافق حيوية انطبقت عليها سمة الوقتية وعدم التخطيط الدقيق والدراسة كمطار الكويت وكوزارة الإعلام مثلًا.. لا علينا بذلك، فنحن بصدد مشكلة الإسكان بالذات..

تعدد الجهات المسؤولة

وأول مظاهر الارتجال في السياسة السكانية هو تعدد الأجهزة المناط بها التخطيط أو التنفيذ فهناك وزارة الإسكان والهيئة العامة للإسكان ووزارة الأشغال العامة وبنك التسليف والادخار وإلى حد ما بلدية الكويت

وكانت المسؤولية محصورة أولًا في وزارة الأشغال العامة، ثم أنشئت الهيئة العامة للإسكان كهيئة تنفيذية عام ١٩٧٤ أما وزارة الإسكان والمسؤولة عن وضع الخطط الإسكانية فتم إنشاؤها عام ١٩٧٥ أي بعد سنة من تأسيس الهيئة العامة للإسكان المسؤولة عن التنفيذ، وهذا يعني بصورة أخرى أن الهيئة المنفذة وجدت قبل الهيئة المخططة، قد يقال بأن الحكومة كانت مسؤولة عن التخطيط السكاني وهذا صحيح ولكن دونما وجود هيئة متخصصة وتتعاون مع الجهات المعنية يعني دائمًا الارتجال والوقتية في المشاريع سواء في حيث التخطيط والسياسة العامة أو التنفيذ.

إن المواطن الذي يريد أن يحصل على سكن عليه أولًا أن ينتظر سنوات طويلة، وعليه ثانيًا أن يراجع أكثر من جهة حكومية بصفة مستمرة إلى أن يستطيع أن يسكن في وحدة سكنية من وحدات ذوي الدخل المحدود أو المتوسط أو المسكن الذي بناه على قسيمة بقرض من بنك التسليف والادخار.. وما لم يكن المواطن محظوظًا فإنه كما يعلم الجميع وبسبب الروتين في الدوائر الحكومية يمر في رحلة عذاب قبل أن يحصل على السكن الذي غالبًا ما يكون ناقصًا أو غير مناسب أو صغير الحجم، وعندما يستلم بيتا صغير المساحة سيمر في رحلة عذاب أخرى عندما يريد أن يضيف إليه توسعة جديدة.

بطء في التنفيذ

وفي الوقت الذي «يتمرمر» فيه المواطن للحصول على سكن، هنالك آلاف من المواطنين ينتظرون على القائمة لسنوات! إذ إن تنفيذ المشاريع السكنية يتم ببطء شديد يحرم المواطن من السكن لسنوات طويلة

وبالرغم من الجهود المشكورة التي تبذلها الحكومة للإسراع في تلبية طلبات المواطنين إلا أن التأخر والبطء في التنفيذ لا يزال سمة أساسية لأجهزة الإسكان، ومن المشكوك فيه أن تتمكن الحكومة من الوفاء موعدها الذي قطعته على نفسها أمام مجلس الأمة وهو أن يحصل كل مواطن كويتي على سكن مع نهاية عام ١٩٨٥ لكن خطة الهيئة العامة للإسكان لا توفر إلا ٧٥فقط من الطلبات، ومن واقع التجربة نقول إنها لن تتمكن من إنجاز الخطة عام ١٩٨٥، مع أنها وجدت أصلًا للإسراع في تنفيذ المشاريع السكنية.

التفرقة في السكن

وفوق التخبط  والارتجال فإن السياسة السكانية تعاني من مرض التفرقة بين المواطنين وليس المقصود هنا تقديم أولوية مواطن على آخر، أو الإسراع في تنفيذ طلبات بعض المواطنين من ذوي الحظوة والواسطة فذلك أصبح سمة عامة في جميع الخدمات الحكومية، ولكن المقصود هنا التفريق بين المواطنين من حيث نوعية السكن ومساحته، فقد كان النظام المعمول به أولًا هو نظام القسائم السكنية والتي مع الزمن أخذت تتقلص من حيث العدد والمساحة، ثم أخذ بنظام القروض وبيوت ذوي الدخل المحدود وذوي الدخل المتوسط ثم إن بيوت ذوي الدخل المحدود بعضها دور واحد (عربي) وبعضها دوران وبعضها شقق.

 وكما ورد في برنامج الحكومة المقدم إلى مجلس الأمة هنالك نظام جديد هو

نظام الشقق والمجمعات السكنية، وهذا ما ستناقشه بعد قليل، فهذا التنقل من  نظام لآخر دليل على الارتجال وعدم التخطيط في السياسة السكانية من  جهة، ودليل كذلك على التفرقة بين المواطنين من حيث المسكن، وهذه قضية خطيرة فمعيار التفرقة بين ذوي الدخل المحدود وذوي الدخل المتوسط غير مقبول عمليًا وإنسانيًا، ونحن في الكويت نعيش في بحبوحة من فضل الله، فلماذا لا يساوى بين المواطنين في السكن؟ نعم هناك مواطنون أغناهم الله من فضله لكن هؤلاء يستطيعون أن يشتروا الأرض التي يريدون ويبنون عليها المساكن التي يحبون.. أما المستحقون للسكن فيجب أن يساوى بينهم طبقًا لروح الدستور ونصوصه

الشقق والمجمعات السكنية

والآن نعود لموضوع الشقق الفاخرة والمجمعات السكنية حيث تتجه السياسة السكانية إلى بناء الوحدات السكنية الكبيرة التي تحتوي على الشقق، والمشروع قيد التنفيذ الآن هو مشروع الصوابر الذي سينفذ على مرحلتين كما ورد في برنامج الحكومة.

العجيب أن الحكومة تصر على هذا المشروع بالرغم من محاذير كثيرة، فنظام الشقق لا يتلاءم مع طبيعة الحياة الكويتيين ولا يناسبها، وليس هناك إقبال عليها، بل أن الحكومة تعلم أن معظم الكويتيين يرفضون هذا النوع من السكن.

وتكلفة الشقة كما في مشروع الصوابر هي نفس تكلفة الوحدات السكنية المنفصلة إن لم تكن أكثر بسبب غلاء الأرض التي سيقام عليها المشروع

المشروع يقع في مدينة الكويت وفي المراكز التجارية المزدحمة معًا يعني أن المشروع عندما يكتمل سيسهم مع مجمع الوزارات في خلق ازدحام مروري رهيب في الوقت الذي لا تزال فيه أجهزة المرور حيرى في كيفية التغلب على مشكلة ازدحام المرور، وقد طالب مدير الإدارة العامة للمرور فؤاد مساعد الصالح بحق ضرورة أخذ رأي الإدارة في المشاريع العمرانية لضمان عدم تسببها في تفاقم أزمة المرور

ولكون المشروع في وسط المدينة سيكون غير مربح صحيًا كما أن ازدحام المرور وضوضاء المراكز التجارية ستكون مصدر إزعاج لراحة الساكنين، وهذا ما يدعو إلى عدم الإقبال على هذا النوع من السكن

إن حجة تناقص المساحة الصالحة للبناء من أراضي الكويت مبالغ بها كثيرًا، وبما أن أرض الكويت غير زراعية فيمكن اعتبار الكويت جميعها صالحة للبناء، والأرض المبنية لا تزال نسبتها إلى مساحة الكويت صغيرة

ومن حيث الخدمات العامة معروف أنه كلما قلت الكثافة السكانية كلما كانت أيسر وأقل كلفة.

وإذن فإن مشروع المجمعات السكنية ونظام الشقق أو ما يسمونه الانتشار الرأسي أو العمودي لا تقف وراء حجة معقولة

ومن هنا يذهب بعض المواطنين إلى حد الظن بأن مشروع الصوابر بالذات لابد وأن وراءه بعض المتنفذين ممن يمتلكون الأرض التي سيقام عليها! ومن يدري فقد يكون هذا الاحتمال صحيحًا فالكويت مع الأسف أصبح كل شيء غريب قابلًا للتحقيق فيها! على أية حال فالمشروع فيه دلالة على تخبط السياسة السكانية وارتجالها في أحسن الأحوال

والسؤال الذي يفرض نفسه بعد هذا العرض هو: ما الحل؟ وكيف يتم وضع سياسة إسكانية حكيمة؟ 

في جلسة الثلاثاء الماضي تطرق بعض النواب لمشاكل الإسكان وتساءل بعضهم عن جدوى وجود الهيئة العامة للإسكان وطالب بضمها إلى وزارة الأشغال، كما طالب آخرون الحكومة بالتعجيل في تسليم البيوت لطالبيها واستكمال ما فيها من نقص، وانتقد بعض النواب التفرقة في السكن بين المواطنين، والحقيقة أن ما أثاره النواب من نقاش حول الإسكان يكاد يكون صحيحًا تمامًا

ولكن كيف الحل؟ 

لعل مجلس الأمة يقدم حلولًا في جلسات قادمة ولكن الذي ينبغي الالتفات إليه أن يد الإصلاح يجب أن تمتد إلى أصل المشكلة وجذورها.. ومشروع القانون الذي تقدم به النواب عيسى الشاهين وصالح الفضالة وخالد الجميعان وجاسم العون ومرضي الأذينة الخاص بإنشاء مجلس أعلى للإسكان يمكن اعتباره خطوة أولى على طريق إصلاح السياسة السكانية في البلاد.

فالمشروع إذ أشرك جميع الأجهزة التي لها علاقة بالإسكان في التخطيط وحصر المسؤولية في جهاز واحد يكون قد قدم حلًا لمشكلة تعدد الأجهزة التي أشرنا إليها إذ إن القرار الواحد البات سيكون له أثر حاسم في السرعة في التنفيذ وعدم التعقيد.

كما أن تفرغ الجهاز الأعلى المقترح سيجعله قادرًا على التخطيط للسياسة السكانية بشكل عام.

وقد ضمن المشروع كذلك «المادة الثالثة» حسن العمل من الناحية الفنية حيث أجازت له المادة الاستعانة بالمستشارين.

الحل الذي يقدمه مشروع القانون سليم إلى حد ما من الناحية الشكلية ويؤخذ عليه قلة عدد الأعضاء المعينين من الخبراء (٥:٣مما يجعل الصفة الحكومية هي الغالبة عليه.. والمشكلة تبقى عندنا دائمًا في التنفيذ.. فمادام الأمر بيد الحكومة ومادام الإصلاح الإداري لم يمتد إلى جميع أجهزة الحكومة، ومادام الوعي لدى الموظف كما هو فإن الإسكان سيظل يعاني من مشاكل ومثالب لا يعلمها إلا الله.

ولأن مشكلة السكن هي مشكلة كل مواطن فينبغي أن تتضافر جميع الجهود لحلها وخاصة جهود السلطتين التنفيذية والتشريعية.

ونحن بانتظار دور المجلس في هذا الشأن باعتبارهم الناطقين باسم الشعب والمدافعين عن حقوقه وحرياته العامة فماذا سيفعلون؟

الرابط المختصر :