العنوان قضية تحرير المرأة
الكاتب د. خليفه حسين العسال
تاريخ النشر الثلاثاء 20-أبريل-1993
مشاهدات 73
نشر في العدد 1046
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 20-أبريل-1993
ما أحرانا أن نستبدل هذا العنوان
بتغرير المرأة أو تغريبها، وهي قضية واردة إلينا من الغرب، فتن بها بعض الشرقيين
تقليدًا للغربيين، فزعموا أن الإسلام عدو للمرأة، ينتقص كرامتها، ويحطم شعورها
بذاتيتها، ويجعلها في مرتبة أقرب للحيوانية، ومتاعًا حسيًا للرجل، وأداة للنسل ليس
غير، وهي في هذا موضع التابع من الرجل، يسيطر عليها في كل شيء، ويفضلها في كل أمر.
وهؤلاء لا يعرفون حقيقة الإسلام، أو
يعرفونها، ولكنهم يلبسون الحق بالباطل ابتغاء الفتنة، ونشرًا للفساد في المجتمع؛
ليسهل الصيد لمن يريد الصيد، ويرتكب المحرمات. وقد تسبب في ظهور هذه القضية ما حل
بالمرأة من ظلم اجتماعي وإهمال نفسي، فقد كانت المرأة في أوروبا وفي العالم كله
هملًا لا يحسب له حساب، وكان العلماء والفلاسفة يتجادلون في أمرها: هل لها روح أم
ليس لها روح؟ وإذا كان لها روح فهل هي روح إنسانية أم حيوانية؟ وعلى فرض أنها ذات
روح إنسانية، فهل وضعها الاجتماعي والإنساني -بالنسبة للرجل- هو وضع الرقيق أم هو
شيء أرفع قليلًا من الرقيق؟
واستمرت المرأة على هذا الحال تدفع
أفدح الثمن من جهدها وكرامتها، وفرض عليها أن تعمل لتعول نفسها، حتى ولو كانت زوجًا،
أو أمًا، واستغلت أسوأ استغلال، فعملت وقتًا أطول من الرجل، وحصلت على أجر أقل
منه. وكان من آثار الحرب العالمية ندرة الأيدي العاملة من الرجال التي تكفي لإعادة
تشغيل المصانع، وتعمير ما خربته الحرب، فكان لزامًا على المرأة أن تعمل، وإلا
تعرضت للجوع هي ومن تعول من العجائز والأطفال. كما كان حتمًا عليها أن تتنازل عن
أخلاقها؛ فقد كانت أخلاقها قيدًا حقيقيًا يمنع عنها الطعام؛ لأن صاحب المصنع
وموظفيه لا يريدون مجرد الأيدي العاملة، بل يريدون إشباع غرائزهم الجنسية، ومادامت
قد وجدت بدافع الضرورة امرأة تبذل نفسها لتعمل، فلن يتاح العمل إلا للتي تبذل
نفسها للراغبين. وقد ساعد على ذلك النقص في عدد الرجال بعد الحرب، ولم يكن هناك
تشريع يبيح تعدد الزوجات كما في الإسلام، لذلك لم يكن بد للمرأة إلا أن تسقط راضية
أو كارهة؛ لتحصل على حاجتها من الطعام والجنس، وترضي شهوتها إلى الملابس الفاخرة
وأدوات الزينة، وسائر ما تشتهيه المرأة من أشياء.
وسارت المرأة في هذا الطريق، واستغلت
المصانع حاجتها إلى العمل، واستمرت في معاملتها الظالمة، فظلت تمنحها أجرًا أقل من
أجر الرجل الذي يؤدي نفس العمل في نفس المكان. ولم يكن بد من ثورة جامحة تعيد
للمرأة حقوقها المغتصبة، وكرامتها المهدرة، وأنوثتها المسلوبة، وكبرياءها المهان،
وترد لها حقها الطبيعي في وجود أسرة وأولاد، تحس بكيانها فيهم، وتشعر بالسعادة في
وجودهم، فطالبت بالمساواة في الأجر مع الرجل، واستخدمت كل الوسائل في التعبير عن
رأيها، وطالبت بحق الانتخاب والتمثيل في البرلمان، والدخول إلى وظائف الدولة
مساواة بالرجل في كافة الحقوق، ماداما قد أعدا بطريقة واحدة، ونالا دراسة واحدة.
وبالرغم من ذلك ما زالت المرأة في
إنجلترا -حتى اليوم- تحصل على أجر أقل من أجر الرجل في وظائف الدولة، رغم أن في
مجلس العموم نائبات محترمات(1)، وقد كفل الإسلام للمرأة كافة الحقوق، ونالت في
كنفه ما لم تحصل عليه المرأة الأوروبية حتى وقتنا الحالي؛ فلم يكن هناك حاجة
لتفجير هذه الضجة في المجتمعات الإسلامية، ولكنها عدوى التقليد للغرب.
هذا وقد حمل لواء الدعوة إلى تحرير
المرأة قاسم أمين في كتابيه «تحرير المرأة» و«المرأة الجديدة»(2)، وفي الكتاب
الأول ذهب إلى أن الدعوة إلى السفور ليس فيها خروج عن تعاليم الإسلام، كما تناول
قضية الحجاب، واشتغال المرأة بالشؤون العامة، وتعدد الزوجات، والطلاق، وذهب في كل
مسألة منها إلى ما يطابق مذهب الغرب، زاعمًا أن ذلك هو مذهب الإسلام. ودعا في آخر
كتابه الثاني دعوة صريحة إلى الأخذ بأساليب الحياة في المجتمعات الغربية في نظم
الحكم والإدارة والتربية والعادات البسيطة من المأكل والمشرب والملبس والتحية...إلخ،
زاعمًا أن ذلك هو الحضارة(3)، كما غره ما رآه من المرأة الغربية من مشاركتها للرجل
في الأعمال الخارجية، واهمًا أن نشاطها إنما كان لاندماجها في سلك الرجال، وتمزيق
الحجاب الذي كان العقبة الكؤود في تقدمها. وفاته أن ربع المواليد في فرنسا وغيرها
غير شرعيين، وأن المرأة الأجنبية تعيش لغرائزها، ويرجع هذا كله إلى الاختلاط
الشديد بين الرجل والمرأة، الذي يهيئ لها كل ظروف الرذيلة، من الحفلات الصاخبة،
والولائم المليئة بكؤوس الخمر، والحفلات الراقصة التي تؤدي إلى الانحلال الخلقي؛
وهذه هي نتائج تحرير المرأة التي يتشدق بها الغربيون ومن على شاكلتهم من أسراء
التقليد.
وقد تبع صدور هذين الكتابين، وما قام
به الدعاة إلى تحرير المرأة من نشاط حركة حثيثة من الحرية في النساء والسفور
والاختلاط والرحلات إلى أوروبا وأمريكا للدراسات المتنوعة في شؤون المرأة(4).
وأخذت الدعوة إلى تحرير المرأة أو تغريبها أولوية وأهمية؛ لأن المرأة بلا شك نصف
المجتمع، وإفسادها إسراع بالمجتمع كله نحو الفساد، فمن المعروف أن المرأة ذات أثر
لا ينكر في تربية الأبناء وتنشئتهم منذ صغرهم، كما أنها الجامعة التي يتخرج منها
كل مسلم، بل كل إنسان. ومن هنا يكون تشويهها تشويهًا لأفراد الأسرة من الرجال
والنساء الذين يحملون على عاتقهم آمال المستقبل.
وتحرير المرأة من بيتها معناه إغلاق
هذه الجامعة الأولى التي خرجت إلينا من قبل تلك الأجيال العظيمة التي دافعت عن
الإسلام وحملته للدنيا كلها. وإذا تم إغلاق هذه الجامعة، وتحررت المرأة كما يريدون
لها، فمعنى ذلك انعدام الخريجين من ذلك الطراز، وغلبة الخريجين من طراز آخر متحلل
من كل القيم والأخلاق؛ وهذا ما حدث.
ثم تبع تحرير المرأة من بيتها
تحريرها من زيها، بمعنى كشف ما أمر الله أن يستر، وهتك ما أمر الله أن يصان،
فنادوا بأن تخلع المرأة حجابها ففعلت، وشجعها على ذلك الغافلون والمستهترون من
أبناء دينها، ثم نادوا بأن تتجرد من ملابسها شيئًا فشيئًا، ولم يمض على ذلك وقت
طويل حتى أصبح اختلاط البنات والبنين شيئًا مسلمًا به في معاهد التعليم، وفي
الحياة الاجتماعية، ثم زجوا بالمرأة في ميادين العمل، ومصارعة الحياة، ومزاحمة
الرجال، تقوم بما لا يتفق مع طبيعتها وأنوثتها، فعملت صاغرة ذليلة في المزارع
والمصانع، وخدمت الرجال في الفنادق، وقامت بالأدوار التمثيلية لتمتعهم بصوتها وجسمها،
وما حرم الله عليها فعله؛ حتى غدت سلعة تباع وتشترى، مما كان له دور كبير في
الإغراء بالفاحشة والدعوة إليها(5).
وكانت نتيجة استجابة المرأة إلى هذه
الدعوة أن جرت على المجتمع وعلى نفسها مصائب عدة؛ أن تيسر للشاب أن يلهو بالمرأة
هذا اللهو الممقوت، واكتفى عن الزواج وقيوده وأثقاله ومسؤولياته، وماله وهذا العبء
الثقيل والحبس الطويل؟ وأمامه الجو الفسيح يعج بكل حسناء، وغادة هيفاء. بهذا كسدت
بضاعة المرأة في سوق الزواج، وزاد العرض، وقل الطلب، ووقعت نكبة هذه الأزمة على
رأس المرأة وحدها عقوبة لها على إسرافها وإفراطها، وأصبحت أزمة المرأة من أعقد
المعضلات الاجتماعية، كما أصابت الذين سلكوا هذا الدرب وساروا عليه قبلنا. وكلما
استمرت المرأة في هذا الطريق ازدادت الأزمة إشكالًا وإعضالًا.
ولم تقف حملات دعاة التغريب للمرأة
عند هذا، وإنما تجاوزوا ذلك إلى العبث بحقوقها وواجباتها التي فرضتها الشريعة
الإسلامية، والتي هي أكرم الأساليب لحفظ كرامة المرأة، وصيانة حاضرها ومستقبلها،
فعبثوا بنظام الزواج والطلاق، والحضانة والميراث. وأعجب العجب أن بعض البلاد
الإسلامية سلكت هذا الطريق وهي سعيدة بأن المرأة بهذا سوف تكون مثل المرأة
الأوروبية تمامًا، وليتهم يعلمون مدى ما وصلت إليه المرأة الأوروبية من مهانة،
وليتهم يعلمون إلى كم تضيق المرأة الأوروبية بما هي عليه من حال.
والحل الأمثل لهذه القضية الذي يصون
المجتمع من الانحلال، ويحفظ للمرأة عرضها وشرفها من الابتذال، هو عودة المرأة إلى
البيت إلا في حالات الضرورة القصوى التي تتطلب ضرورة خروجها، ولا تخرج إلا في
الهيئة التي رسمها الإسلام لها، بعيدًا عن السفور والتبرج والاختلاط.
وقد طالب الكثير من الكتاب والباحثين
والعلماء بعودة المرأة إلى البيت، وقد نشرت صحيفة الأخبار القاهرية في فبراير 1964
مقالًا بعنوان «العقاد يهاجم المرأة العاملة، والمرأة تصفق له».
ومما جاء فيه: طالب العقاد في التلفزيون
أمس بعودة المرأة إلى البيت، قال: إن هذا هو الوضع الصحيح للمرأة، ويجب أن تقبله
بلا مناقشة، ثم اعترض على مساواتها بالرجل في فرص العمل، وقال: إن أولوية العمل من
حق الرجل مهما كانت كفاءة المرأة. استمعت آلاف السيدات والبنات لرأي العقاد، ولم
تعترض مقدمة البرنامج أو غيرها من مذيعات التلفزيون، بل صرحن بأنهن يتركن ذلك
للرأي العام. وقررت الأخبار أن تعطي المرأة فرصة للرد على آراء العقاد، وكانت
النتيجة مفاجأة مذهلة؛ ظهر أن المرأة تؤيد العقاد على طول الخط، فإذا كانت المرأة
أبدت رغبتها في الرجوع إلى بيتها منذ عام 1964، فهي الآن أكثر رغبة وإلحاحًا في
العودة إلى رحاب بيتها، ترعى أولادها وزوجها بعد أن أدركت إفلاسها في تربية
أبنائها، إضافة إلى تعرضها للمهانة والإذلال ومزاحمة الرجل في العمل، ناهيك عن
وسائل المواصلات؛ وهذا يؤدي إلى إرهاق المرأة ماديًا وأدبيًا كما أنه قلب للأوضاع
وشلل في الأعمال، وتيسير لسبل الفساد.
والحل ليس في دعوة هؤلاء وأمثالهم
إلى التحرر من الدين، وإنما عودة إلى الدين، والتزام بضوابطه وأخلاقه؛ لأنه لو
نجحت هذه الدعوة لاندثر الإسلام، وزالت تعاليمه خصوصًا بعد أن استجاب لها الراغبون
في السقوط من السذج والجهلاء الذين حسبوها علاجًا لهذا الشرق الإسلامي من تخلفه
وعدم نهوضه. وقد أدركت المرأة المسلمة ما يراد بها، فعادت الكثيرات إلى النقاب
والحجاب، وأخذن يترددن على بيوت الله؛ حتى أصبح رجوعهن إلى دين الله يشكل قلقًا
وتنغيصًا لأعداء الإسلام الذين يدعون أن الإسلام سلب المرأة حقها، مع أنه لم يوجد
دين كرم المرأة ورفع قدرها وأعلى منزلتها كما قرر الإسلام.
الهوامش:
(1) انظر محمد قطب، شبهات حول
الإسلام ص 110-116 بتصرف.
(2) صدر الأول منها في عام 1899
والثاني في عام 1900م.
(3) قاسم أمين، المرأة الجديدة، ص
185-186.
(4) انظر: أبو الحسن الندوي، الصراع
بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية ص 109-110.
(5) انظر د. علي جريشة، أساليب الغزو
الفكري ص 89-91.
اقرأ أيضًا: