العنوان أعطوا الطريق حقه
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 24-مارس-1987
مشاهدات 63
نشر في العدد 810
نشر في الصفحة 12
الثلاثاء 24-مارس-1987
قالوا: إن قيادة السيارة فن وذوق وأخلاق، والطريق العام ملك للناس جميعًا يمارس
السائق فيه حريته من خلال مراعاة حرية الآخرين والالتزام بقوانين المرور التي ما وضعت
إلا لتنظيم عملية السير بما يضمن التوفيق بين مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع، وبحيث تنحصر
في أضيق الحدود إن لم تنعدم حوادث السير التي تؤدي إلى خسارة في الأرواح أو الأموال
أو أذى في الأجسام.
ولا شك أننا نكون في غنى عن هذه الخسائر- إلا ما قدر الله- لو أننا التزمنا بهذه
القوانين وأعطينا الطريق حقها دون تأفف أو تبرم.
ولقد أوصانا رسولنا الكريم -صلى الله عليه وسلم- أن نعطي الطريق حقها، وإن من
حق الطريق علينا أن نكف الأذى ونغض البصر- إلا فيما يتعلق بالانتباه- ونأمر بالمعروف،
وننهى عن المنكر.
ولقد أعطى الإسلام الحرية للفرد، ولكنها الحرية المسؤولة الملتزمة بقواعد الأدب
والأخلاق، وليس الاستهتار والتفلت والرعونة التي نلحظها عند بعض السائقين وخاصة الشباب
منهم الذين ينطلقون في الطرقات كالصواريخ العابرة للقارات وهم يمرون في طرقات محدودة
المسافة والحيز، مليئة بالسيارات الأخرى، ولو تمكنوا من القفز فوق السيارات التي أمامهم
أو الطيران فوقها لفعلوا، وبدلًا من أن يهدئوا من السرعة ويلتزموا نهر الطريق المخصص
لهم، نجدهم يتعرجون كالأفعى ويحدثون أصواتًا مزعجة، وربما متعمدة بخرق عادم السيارة
«الأجزوست» وإلقاء نظرات غاضبة على من لا يفسح لهم الطريق، وربما شتائم أو كلمات نابية،
أو يطلقون العنان لمنبه السيارة «الزامور» يفعل فعله في إزعاج الناس من غير راع وكأنهم
يعلنون بهذا المنبه احتجاجهم المتواصل طول الطريق.
وحين يكون الوقت ليلًا تزعجك أضواء سياراتهم العالية المبهرة، وقد يحركونها فترتفع
وتنخفض بطريقة متكررة ومزعجة تتلف الأعصاب وتربك السائقين الآخرين مما قد يؤدي إلى
حدوث ما لا تحمد عقباه.
ومن المشاهد المألوفة وقوف سيارتين على قارعة الطريق، وتجاذب السائقين فيهما
أطراف الحديث، دون اعتبار لحق الآخرين في المرور، وكأن الشارع خال إلا منهما، وكأن
الطريق ملك خاص بهما.
ولو اضطرت إحدى الفتيات أو النساء للمرور في الشارع أو انتظار «الباص» يتهافت
عليها «أصحاب النخوة»! يعرضون الخدمات بإلحاح!
والأعجب من ذلك أن تتجمع «شلة الأصدقاء» ليقودوا سياراتهم بشكل جماعي فيسدون
الطريق ويتباطؤون في السير ويطلقون منبهات السيارات مختلطة بصراخهم وغنائهم، وربما
أضواء سياراتهم المتذبذبة بين الارتفاع والانخفاض وهم «مستانسون» بينما الآخرون في
جحيم! وربما كانت حجتهم أنهم يحتفلون بطريقتهم الخاصة بفوز هذا الفريق الرياضي أو ذاك.
تُرى، لماذا يغض النظر بعض رجال المرور ورجال الأمن عن مثل هذه المخالفات الصارخة
المخلة بالأمن والمهددة لحياة البشر وأموالهم والمزعجة للناس؟ والتي أقل ما يقال عنها
أنها مظهرٌ غير حضاري، بينما يهتمون بمخالفات أقل أذى وإزعاجًا مثل الوقوف في مكان
ممنوع الوقوف فيه، أو تحميل راكب زيادة عن المقرر، أو الركوب في «الوانيت» المخصص لنقل
البضاعة؟ نحن لا ندعو إلى التغاضي عن المخالفات، بل ندعو إلى الحزم في الأخذ على يد
المخالف، ولكن هناك أولويات، ويتدرج الحزم بتدرج الأولوية، ومعيار الأولوية هنا هو
مدى الضرر العام الذي يلحق السائق بالناس وبسمعة البلد.
وحين يخطئ أحد السائقين فلابد أن يتحمل نتيجة خطئه المنصوص عليه في القانون،
وإذا كانت هناك تصرفات رعناء أو مستهترة من بعض السائقين لا تشملها نصوص القانون، فمعنى
ذلك أن هناك ثغرات في القانون يجب سدها. والشرطي كرجل أمن يلبس الزي الرسمي، لابد أن
يتعامل مع المخالفين بالقانون أيضًا الذي ينص على احترام الإنسان كإنسان ولو كان مخطئًا،
وعدم التعرض له بالإساءة اللفظية أو الحركية على قارعة الطريق، مادام في الإمكان تطبيق
القانون دون استخدام العنف أو الإهانة.
ثم لماذا يكون الشرطي دائمًا على حق؟ أليس الشرطي إنسانًا يمكن أن يخطئ أو يسجل
مخالفة كيدية مزاجية؛ لأن المخالَف «بفتح اللام» لم يعجبه أو بينهما حزازة أو بينه
وبين صديق له خلاف؟
كثير منا ذهب إلى دول راقية بمفهوم التقدم، ومعيار رقيها في الدرجة الأولى احترام
الإنسان كإنسان سواء كان هذا الإنسان سائقًا أم شرطيًا. ونحن أولى منهم باحترام الإنسان
الذي كرمه الله واحترام النظام الذي هو من صميم ديننا الحنيف، فكل عباداتنا تقوم على
النظام، للصوم نظامه، وللصلاة نظامها، وللحج نظامه، وللزكاة نظامها، ولكل شؤون حياتنا
كمسلمين. فلماذا يلتزم بعضنا بالنظام في ديار الغرب ويتفلت منه في دياره هو؟
لا شك أن طريقة قيادة السائق لسيارته تعكس شخصيته، هذه الشخصية التي قامت على
أصول وراثية وأخرى اجتماعية بيئية، تبدأ من البيت وتمر بالمدرسة وتنتهي بالشارع.. وما
لم نتعود على احترام الآخرين وحقوقهم تظل المشكلة قائمة، فرفقًا بأنفسكم وبغيركم أيها
السائقون، وأعطوا الطريق حقها.
ج . ر
صيد الأسبوع
تكریم
لا نريد أن نعترض على تكريم الأم، ولا نملك أصلًا أن ننكر حق الأم في التكريم
والتقدير.
ولا نستطيع أن نحتج على تقديم الهدايا للأم اليوم وكل يوم. ولكن!
ولكن علينا كمسلمين أن نزن الأمور بميزان الإسلام فنقبل بصدر رحب ما وافق تعاليم
الإسلام وأحكامه أو كان من عادات المسلمين وتقاليدهم أو تسبب في تحقيق مصلحة واضحة
للإسلام والمسلمين دون إخلال بالأمور القطعية.
وفي نفس الوقت ننكر- وبقناعة- كل ما خالف تعاليم هذا الدين وأحكامه أو كان من
عادات غير المسلمين وأعرافهم.
وما يسميه الناس اليوم- بعيد الأم- أو عيد الأسرة- مخالف لقول الرسول صلى الله
عليه وسلم. «لا عيد إلا عيدان.. الفطر والأضحى» (أبو داود:1134). فهذا من حيث تسميته
مخالف لهديه صلى الله عليه وسلم. كما أن تحديد يوم واحد لتكريم الأم أو الأسرة فيه
شيء من الإجحاف بحق هذه الأم التي رفع الله من قدرها وأكرم شأنها وأنزلها منزلة حقيقية
بها، فقد أوصى الله تعالى بتوحيده في العبادة والإحسان للوالدين (سورة الإسراء)، كما
أنه تعالى نهى عن أن يقال لهما كلمة «أف» من التأفف وهو الضيق والتذمر.
أما الرسول -صلى الله عليه وسلم- فلم يأمر بتخصيص يوم أو أكثر لتكريم الأم، بل
أمر بحسن المعاملة طيلة الصحبة والحياة وفي الحديث «جَاءَ رَجُلٌ إلى رَسُولِ اللهِ
صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَقالَ: مَن أَحَقُّ النَّاسِ بحُسْنِ صَحَابَتِي؟
قالَ: أُمُّكَ قالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قالَ: ثُمَّ أُمُّكَ قالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قالَ: ثُمَّ
أُمُّكَ قالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قالَ: ثُمَّ أَبُوكَ. قال: أمك (ثلاثًا)» (مسلم:2548).
لذلك إذا أردنا أن نكرم الأم فإن إكرامها لا يكون بتخصيص يوم واحد من كل عام
نذكرها فيه وتقدم لها فيه هدية رمزية، لا.. وألف لا. فإن الأم حرية بالتقدير كل يوم..
بل كل ساعة. وكل لحظة. والمسلم مأمور بحسن الصحبة والعشرة والمعاملة مادامت أمه تتنفس
الهواء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «رَغِمَ أنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أنْفُهُ،
ثُمَّ رَغِمَ أنْفُهُ قيلَ: مَنْ؟ يا رَسولَ اللهِ، قالَ: مَن أدْرَكَ والِدَيْهِ عِنْدَ
الكِبَرِ، أحَدَهُما، أوْ كِلَيْهِما، ثُمَّ لَمْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ» (مسلم:2551)
يبين أن حسن المعاملة تؤدي إلى الجنة.
هكذا علمنا الإسلام.. وهكذا فلنعلم الآخرين.. أما ما يجري في مثل هذا الوقت من
كل عام فهو مع كونه مخالف لهدي الإسلام وأهدافه إلا أنه مجحف في حق الأم ومقل من قدرها،
ومذهب لكرامتها. وإذا علمنا أن يوم 21 مارس بالتحديد هو يوم عيد عند طائفة البهائيين، فيكون ترك هذه العادة
أولى والاعتزاز بتقاليد المسلمين وعاداتهم مقدم على تقاليد غيرهم وأفعالهم.
صياد