العنوان قطعان الضالين في سوق الثقافة والتنوير.
الكاتب محمد السيد
تاريخ النشر الثلاثاء 30-يناير-2001
مشاهدات 56
نشر في العدد 1436
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 30-يناير-2001
ذلك الضجيج الذي تثيره قطعان من مدعي التنوير في كل مرة يكتشف الغيورون من أبناء هذه الأمة مدى ما ذهب إليه هؤلاء التائهون في محاولاتهم لا لتخريب الأخلاق والآداب فحسب، بل وتدمير الذوق العام والنزول بالجماليات إلى وحول الجنس وظلمة الجسد، وطين الشوارع، واستعمال اللغة الدنيا، التي تهبط بالعلم الجمعي إلى مستوى الاندثار في متاهة العري، إذ تنتزع كلماتهم جلد إنساننا، لتكسوه بجلد حيوان مسلوب الروح والنطق العالي السمات، وكل ذلك بحجة أن هذا هو واقع الحياة وواقعاتها المعاصرة المتنورة.
كم من الافتئات على الحقيقة يقترفه هؤلاء عندما يدعي كثير منهم أنهم قادة التنوير، وأن أي إبعاد لواحد منهم عن مركزه الذي تسلمه في غفلة من الناس، وليس عن جدارة كما يدعون، إن هو إلا انقضاض على الثقافة وأنوارها.
العملية الإبداعية إن هي إلا فن وظيفته تشريح الواقع الإنساني من أجل تسديده أو تصحيحه وتغييره للأفضل؛ إذ إن المجتمعات الجادة تحتاج إلى قيادات إبداعية تمسك بتلابيب الواقع، لا من أجل إسقاطه على الأرض أو الربت على كتف أخطائه ومغالطات وخوضه في الوحل.. بل من أجل إيقافه على رجليه، وبث الحياة الكريمة في مجمل أجزاء جسده، وإنارة الطريق السديد له كي يسلكه بأمان ورؤية واضحة سامقة الأهداف، نظيفة الوسائل، وإلا كان الفن عبثًا من العبث ولهوًا غير برئ، وخيانة لحق الحياة الكريمة، وللثقة التي أسلمها المجتمع للكاتب فجعله في موقع التوجيه، والقيادة الثقافية والفكرية.
إذ ليست الخيانة قاصرة في الأمم على مفهومها الحاضر في الأذهان الذي مؤاده التعامل والتخابر مع الأعداء مباشرة، بل، إن الخيانة بمعناها الواسع تشمل كل من يسيء استخدام الثقة التي منحت له من قبل مجتمعه فيقوم بتوظيف تلك الثقة في اتجاه الاعتداء على التفكير الجمعي، وعلى مكونات وعناصر القوة في ذلك التفكير، وهو يعطي صفة التنوير لما يقدمه للناس، وهو في الحقيقة ظلام دامس يحاول أن ينقله نقلًا أعمى من مجتمعات نکبت به، واهتزت جنباتها وكياناتها من وقعه، وسوء مآلاته.
لقد قامت قيامة قطعان مدعى التنوير من اليساريين والعلمانيين ولم تقعد حين أقدم وزير الثقافة المصري على مصادرة ثلاث روايات ساقطة، وعلى إقالة على أبو شادي رئيس إدارة قصور الثقافة، المؤسسة المسؤولة عن نشر مثل هذا الغسيل الفقر، الذي يطلق مصطلح التنوير المستورد على وصف الأعمال الجنسية وتفاصيها بصورة مقززة ليست بريئة النوايا والغايات بل هي واضحة في خيانتها للمكان والمقام والمال الذي وضعه المجتمع المصري المسلم بين يدي ذلك المسؤول، كما أنها خيانة للدستور المصري الذي نَص على إسلامية المجتمع واستلهامه قوانينه من الإسلام وشريعته، وهي في الوقت نفسه خيانة من المجتمع من قبل كتاب يحاولون بفكرهم وكلماتهم المارقة فرض رؤاهم عليه بطريقة فرعون: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ﴾ (سورة غافر: ٢٩).
ولو أن على أبو شادي كان متورطا لأول مرة في مثل هذا النشر المعتدي على حقوق ومبادئ وأخلاق وأمن المجتمع المصري الثقافي والفكري والأخلاقي لهان الأمر، ولقلنا: إنه خطأ أول قد لا يكون مقصودًا، أما وإن الأمر تكرر مرات وثارت في وجهه الاحتجاجات الدامية، فلا يمكن في مثل هذا الحال إلا القول: إن الإصرار على الصغيرة يحولها إلى كبيرة، وإن في الاستمرار دليلًا قاطعًا على نهج طريق الضلال تحت تسميات منها: «حرية الإبداع» «حرية الثقافة» وهي في الحقيقة الفوضى بعينها مصرة على تعليم بني الإنسان المصري والعربي والانقضاض على خصوصياته، ووضع الأجيال عند بوابات الانفلات من إنسانيتها وأخلاقها، وجعلها تشاهد وتقرأ وتسمع ليل نهار كل ما يجعلها مشغولة بغرائزها الدنيا وحاجات الجسد، لا تغادرها إلا لتعود متخلية عن كل تسام يدعوها إلى المشاركة الجمعية أو التفكير بالحلم العام لحظة لحظة، في حين أننا ومجتمعاتنا تجتاحنا تحديات عظيمة خارجية وداخلية.
لقد زعم أحد هؤلاء المدعين للتنوير أن النظام في مصر أطلق شعار التنوير في الثقافة إطلاقًا مؤقتًا، وحشد وراءه حشدًا من كتاب اليسار والعلمانيين في مواجهة الإسلاميين وهو اعتراف يظهر بشكل جلي أن ادعاء الحرية والليبرالية والديمقراطية إن هو إلا شعار زائف يريدون به إعطائهم حرية العبث بمقدرات المجتمع العربي المسلم وثوابته وعناصر قوته، حتى إذا تعلق الأمر بالإسلاميين أطلقوا أبواقهم وأصواتهم معرضين السلطة وأجهزتها القمعية كي توقف الحق الذي ينطق به الإسلاميون على أنه ظلامية وعيش في الماضي، وتخلف عن العصر، مع أن الإسلاميين أكبر درجات في العلم والمعرفة من غالبية منتحلي اسم التنوير.
لست من المتشفين، ولا الداعين إلى اعتداء السلطات على مكانة ومكان أحد، لأنني أعلم -وأنا المجرب- أن حراك معظم سلطات أمتنا في واقعها الأليم هذه الأيام لا ينطلق من إستراتيجيات أو مبادئ أو صحوة ضمير، بل إن معظم ذلك الحراك تؤزه غياهب المصلحة ويغرف في المحاولات الدائبة المحمومة لاستمرار الاستئثار بالامتيازات والكراسي التي تحقق تلك الامتيازات مهما أطلت من ذلك الحراك عيون (المكيافلية) السواء وهذا هو الذي يجعلني بعيدًا عن التشفي بما جرى لهذا أو ذاك من مسؤولي وزارة الثقافة في مصر، ولكن تجربة مسؤولي وزارة الثقافة في مصر مع نشر رواية «وليمة الأعشاب البحر» كانت كافية في العبرة والاعتبار لأي إنسان سليم النوايا، حريص على أمن مجتمعه وأمن جماهير الأمة وفكرها ومقولها وثقافاتها، منسجم مع إرادة التغيير الماضية إلى النور المتقدمة على مدارج الارتفاع المصممة على نبذ التقليد الأعمى العشوائي، فأين موقع تلك العبرة وذلك الاعتبار من أناس تضرروا مباشرة من قرار وزير الثقافة في مصر، وهم مازالوا مصرين على ضلالتهم، بل وأين من هذا کله موقف أناس وقفوا وعاضدوا واستقالوا من مناصبهم دعمًا للموبقات المقترفة.
والأدهى والأمر أن تجد كتابًا يدبجون المقالات تأييدًا للضلال، ورمي الإسلاميين بما فيهم -هم- من ظلامية والقمعية ومحدودية في التفكير، وتخلف، وعيش في دواخل نفوسهم المريضة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل