; قطوف تربوية حول قصة الثلاثة والصخرة «6 من 6» | مجلة المجتمع

العنوان قطوف تربوية حول قصة الثلاثة والصخرة «6 من 6»

الكاتب د. حمدي شعيب

تاريخ النشر الثلاثاء 08-مارس-1994

مشاهدات 97

نشر في العدد 1091

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 08-مارس-1994

نحو.. تجديد لفقه العبادة

حصاد: لعل أخطر ما تعرضت له أمتنا في عصور الذهول الفكري والوهن الحضاري، أن أفرز هذا الدخل، والخبث المركب نتاجًا من النكد المركب والمتسلسل أيضًا مصداقًا لقوله سبحانه: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ (الأعراف: 58).

وهذا النتاج النكد كان من الشمول والتركيب أن تمثل في تآمر عالمي منظم وفي تآكل داخلي ونقض لعرى الدين بدأ بزوال الحكم ثم انساح إلى بقية جوانب المنهج وغاب المفهوم الشامل للدين: «لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، فأولهن نقضًا الحكم وآخرهن الصلاة» (1).

وكان طبيعيًا أن ينشأ في هذا الجو الذي كثر فيه السحرة وغاب عنه دور الراهب، غلام وإن شئت قلت جيل متميع في دينه حاملًا صفات الطاعم الكاسي، الذي ترفع عن صفاته الزبرقان بن بدر عندما هجاه الحطيئة بأبيات جعلته يشكو للفاروق - رضوان الله عليه - فحكم على الحطيئة بحبسه في سجن مظلم وكان مما قاله: دع المكارم لا ترحل لبغيتها **** واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي.

«ولم يقل الحطيئة للزبرقان، إلا أن يقعد عن طلب معالي الأمور، ولا يجشم نفسه تحصيل المكارم التي تشرف بها النفوس، فإن همته لا تتعلق بشيء من ذلك، وإنه إذا كلف نفسه مشقة في هذا السبيل، فقد أعنتها، إذ لا يليق به إلا أن يركن إلى الطعام واللباس» (2).

انحسار

وكان من ذهول هذا الجيل الحائر بين جلد الفاجر وعجز الثقة، أن انحسر عنده - فيما انحسر - مفهوم العمل الصالح عمومًا ومفهوم العبادة خصوصًا، ولم تعد له عنده أهميته كأحد أركان الإسلام والتي هي ثلاثة: «الأول: شهادة أن لا إله إلا الله، والثاني: شهادة أن محمدًا رسول الله، والثالث: العمل الصالح وفي ذروته الصلاة والزكاة والحج، وإنما ذكرت هذه الثلاثة لأهميتها، والعمل الصالح هو العمل المرضي عند الله تعالى، وهو الجامع لشيئين: الأول: أن يكون وفق الشرع الإسلامي، والثاني: أن يكون المقصود به مرضاة الله تعالى، وهو ثمرة الإيمان بالله تعالى وباليوم الآخر وبرسوله - صلى الله عليه وسلم - وبه يظهر معنى الشهادتين بالعمل والسلوك، والأعمال الصالحة كثيرة فهي جميع ما أمر الله به على وجه الوجوب والاستحباب من العبادات والمعاملات» (3).

وفي غياب الفقه خاصة أولويات الخيرات، أصبح المتدين من هذا الجيل يقنع ببعض الفرائض في زاوية منعزلة عن تيار الحياة، أقرب ما تكون إلى حياة الكهوف، وانزوى بأوراده الثقيلة بعيدًا عن منكرات القوم، وهو الانزواء وإن شئت قلت الهروب يأسًا أو جبنًا أو إيثارًا لعافية أقوى منها المرض.

مهمة المسلم

وكان من سننه سبحانه أن يظهر في هذا الجو من يجدد للأمة دينها، منبهًا ومرشدًا، أن على المسلم أن يقتحم واقعه الذي لن يتغير إلا بفاعليته وجهده: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11)، فإن مهمة المسلم الحق لخصها الله تعالى في آية واحدة من كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ (الحج: 77- 78)، يأمر الله المسلمين أن يركعوا ويسجدوا وأن يقيموا الصلاة التي هي لب العبادة، وأن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئًا، وأن يفعلوا الخير ما استطاعوا، وهو حين يأمرهم بفعل الخير ينهاهم بذلك عن الشر، وأن يجاهدوا في الله بنشر هذه الدعوة (4).

فليست مهمة المسلم إذن الرهبنة والانقطاع عن الحياة لأنه لا رهبانية في الإسلام، وليس دوره أن يعتزل الناس وليس الإسلام دين تشدد يدعو إلى تحريم الطيبات ولكنه عقيدة تكمن في قلبه فتوجه أعماله كلها إلى الله، وهو نظام يقوده فيملك عليه حياته، فإذا هو إنسان متوازن عاقل حكيم لا يتمرغ في طين المادة وأوحالها فينسى حق روحه ولا يسبح في آفاق الروحانية فيضيع حق بدنه (5).

مفهوم العبادة

ولقد حدد سبحانه وظيفة الإنسان على الأرض، إنها لعبادته ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56)، إن مدلول العبادة لا بد أن يكون أوسع وأشمل من مجرد إقامة الشعائر، فالجن والإنس لا يقضون حياتهم في إقامة الشعائر، والله لا يكلفهم هذا، والله يكلفهم ألوانًا أخرى من النشاط تستغرق معظم حياتهم وأن حقيقة العبادة تتمثل إذن في أمرين رئيسيين: الأول: هو استقرار معنى العبودية في النفس، أي أن هناك عبدًا يعبد وربًا يعبد، فليس في الوجود إلا عابد ومعبود. الثاني: هو التوجه إلى الله بكل حركة في الضمير، وكل حركة في الجوارح، وكل حركة في الحياة التوجه بها خالصة إلى الله، بهذا وذلك يتحقق معنى العبادة (6)، حيث عرف ابن تيمية - رحمه الله - في «رسالة العبودية» العبادة بمعناها الشامل: «هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة».

وانطلاقًا من هذا التعريف الطيب، فإن المسلم لا يعجب حينما يرى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يجعل كل الأعمال الدنيوية التي يقوم بها الإنسان لمعيشته، والسعي على نفسه وأهله من أبواب العبادة والقربات إلى الله، وإن لم يتعد نفعها دائرته الشخصية والأسرية، فالزارع في حقله، والعامل في مصنعه، والتاجر في متجره، والموظف في مكتبه، وكل ذي حرفة في حرفته، يستطيع أن يجعل من عمله المعاشي صلاة وجهادًا في سبيل الله إن التزم فيه الشروط الآتية: 1- أن يكون مشروعًا. 2- أن تصحبه النية الصالحة. 3- أن يؤدي بإتقان وإحسان. 4- أن يلتزم فيه حدود الله، فلا يظلم، ولا يخون، ولا يغش، ولا يجور. 5- ألا يشغله عمله الدنيوي عن واجباته الدينية. مر على النبي - صلى الله عليه وسلم - رجل فرأى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من جلده ونشاطه فقالوا: يا رسول الله لو كان هذا في سبيل الله؟ فقال: «إن كان خرج يسعى على ولده صغارًا فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياءً ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان» (7).

محقرات الخيرات

ولأن من خصائص هذا المنهج الفذ، هو الشمول والعموم فإن أبواب الخير من الكثرة بحيث لا يعدم المسلم بابًا أو طريقًا للخير، سواء قول أو عمل في أي سكنة من سكناته: «الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة: فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان» (8).

ولكن الموفق من راعى سلم الأولويات بحيث يقدم العمل الأفضل في وقته الأفضل «والقاعدة في أفضل الأعمال الصالحة بالنسبة لشخص ما هو العمل المطلوب منه شرعًا في وقت معين وظرف معين، وعلى المسلم أن يتحرى ما هو الأحب لله تعالى في هذا الوقت أو في هذا الظرف القائم فيسارع إليه ويفضله على ما سواه، وبهذا تتحقق فيه العبودية الخالصة لله بإيثاره دائمًا ما يحبه الله على ما تحبه نفسه وتهواه وإن كان من الأعمال الصالحة» (9).

لهذا كانت وصاياه - صلى الله عليه وسلم - كما طالبت بالذروة من الأعمال الصالحة فإنها لم تهمل المحقرات من الخيرات: «لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق» (10).

وهي كثيرة ويسيرة ولكن عظم جزائها عنده سبحانه، يدعو للمراجعة والتأمل: «لقد رأيت رجلًا يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي المسلمين» (11).

محقرات الذنوب

وفي المقابل كان الحبيب المحبوب - صلى الله عليه وسلم - كما نهى عن كبار الذنوب فإنه حذر من محقرات الذنوب «إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه، وإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضرب لهن مثلًا، كمثل قوم نزلوا أرض فلاة، فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالبعرة، حتى جمعوا سوادًا وأججوا النار، وأنضجوا ما قذفوه فيها» (12).

وكان صحابته - رضوان الله عليهم - يحذرون من سلاسل الذنوب وينبهون: «يا صاحب الذنب لا تأمن فتنة الذنب وسوء عاقبة الذنب، ولتتبعك الذنب أعظم من الذنب إذا عملته، وقلة حيائك ممن على اليمين وعلى الشمال، وأنت على الذنب أعظم من الذنب، وضحكك وأنت لم تدر ما الله صانع بك أعظم من الذنب، وفرحك بالذنب إذا ظفرت به أعظم من الذنب، وحزنك على الذنب إذا فاتك أعظم من الذنب، وخوفك من الريح إذا حركت ستر بابك وأنت على الذنب، ولا يضطرب فؤادك من نظر الله إليك أعظم من الذنب، ويحك هل تدري ما كان أيوب عليه السلام، فابتلاه الله بالبلاء في جسده وذهاب ماله؟ استغاث به مسكين على ظالم يدرأه عنه، فلم يغثه ولم ينه الظالم عن ظلمه فابتلاه الله» (13).

وفي قصة «الثلاثة والصخرة» كان من الملامح التربوية، أن هذه الصحبة الطيبة قد جمعت نوعية شعبية عادية من المجتمع وأن أعمالهم الخفية المخلصة التي ارتكزت عليها الدعوات التي حركت الصخرة، لم تكن كثرة صيام أو قيام بل أمور حياتية عادية ميزها الصدق والإخلاص ومرضاة الله تعالى، فأولهم مثال طيب للبار بوالديه، وثانيهم مثال لشاب عادي تنازعته شهوات وغرائز كشيء فطري، وثالثهم مثال لرجل الأعمال الذي يخاف الله في عرق الأجير.

والداعية عندما ينظر إلى واقع أمته، فإن عليه أولًا أن يثق في الخير النقي والفهم الناضج الذي ورثه عن رواده، ويواصل سيره المبارك حاملًا شعاره الناصع: ﴿مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ (الكهف: 95)، وعليه ثانيًا أن ينتشر بفكرته أفقيًا تلبية لنداء القيادة الخالد: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ (الكهف: 95)، وعليه ثالثًا أن ينشر فكرته رأسيًا بتعميق وتجديد فهم العبادة، فالركب يجب ألا تخدعه الركيعات المتفرقات من عاق قد وصفه الحق سبحانه بأنه ﴿جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ و﴿جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ (مريم: 14، 32).


الهوامش

1- رواه ابن حبان من حديث أبي أمامة.

 2- تذكرة الدعاة: البهي الخولي (26 – 27).

 3- أصول الدعوة د. عبد الكريم زيدان (16 - 41) بتصرف.

 4- مجموعة الرسائل إلى أي شيء ندعو الناس: الإمام البنا 41 و42 بتصرف.

 5- العبادة في الإسلام جوهرها وآفاقها: محمد عبد الله الخطيب 12.

 6- في ظلال القرآن سيد قطب (27/3387) بتصرف.

 7- العبادة في الإسلام د. القرضاوي نقلًا عن العبادة في الإسلام جوهرها وآفاقها: محمد عبد الله الخطيب (37- 38) بتصرف.

 8- متفق عليه.

 9- أصول الدعوة: د. عبد الكريم زيدان (44) بتصرف.

 10- رواه مسلم.

 11- رواه مسلم.

 12- رواه البخاري كتاب الرقائق باب (32) - أحمد (402) وابن ماجه: كتاب الزهد باب (29) الدارمي: كتاب الرقائق باب (17).

 13- في الحلية لأبي نعيم، عن ابن عباس نقلًا عن الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي: ابن القيم (94).

 

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 71

144

الثلاثاء 03-أغسطس-1971

من يصلح للإرشاد؟

نشر في العدد 400

93

الثلاثاء 20-يونيو-1978

وجاءت سكرة الموت

نشر في العدد 321

96

الثلاثاء 19-أكتوبر-1976

التعليق الأسبوعي (321)