; الدور الفرنسي في إفريقيا بين حماية الأنظمة والاستغلال الاقتصادي | مجلة المجتمع

العنوان الدور الفرنسي في إفريقيا بين حماية الأنظمة والاستغلال الاقتصادي

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 19-فبراير-1980

مشاهدات 88

نشر في العدد 470

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 19-فبراير-1980

شواهد التدخل العسكري تكشف طبيعة الدور الفرنسي في القارة السوداء.

الصراع على إفريقيا يحشد 50 ألف مقاتل في مناطق متفرقة.

الاستعمارية الفرنسية ليست أقل خطرًا من غيرها على الأمة الإسلامية.

على الرغم من تأكيد السيد «جان فرانسوا بونسيه» وزير خارجية فرنسا أنه ليس لدى دولته: «أيه أطماع للهيمنة على الإطلاق في إفريقيا»، وعلى الرغم من القول الذي نقلته عنه جريدة الشرق الأوسط يوم 22/12/1979م والذي أكد فيه أيضًا لدى شرحه سياسة فرنسا في إفريقيا قائلًا: «ليس هناك تدخل لفرنسا في شؤون الدول الإفريقية». فإن واقع التحرك «السياسي- العسكري» لحكومة الرئيس جيسكار ديستان يعكس كذب تصريحات الوزير الفرنسي، ومن السهل جدًا أن يعرف هذا الوزير منطقيته الكاذبة. 

فيما لو قرأ في أي صحيفة عالمية عن الأحداث الإفريقية طيلة أعوام السبعينيات.. بل إن أحداث الشهرين الأولين لهذا العام أبرزت فرنسا على السطح الاستعماري لإفريقيا بشكل أكثر وضوحًا، لكن الذي يختلف فيه المحللون السياسيون هو ما يتركز في السؤال التالي: «لمصلحة من يتمركز العسكر الفرنسي في بعض الدول الإفريقية..؟» 

ومع اختلاف إجابات المحللين فإنهم يتفقون على طبيعة الدور الذي يقوم به الفرنسيون في إفريقيا، والذي يمكن أن نستشعره في الشواهد التالية: 

  • شواهد التدخل العسكري المباشر:
  • فأحداث زائير في النصف الأخير من عقد السبعينيات أبرزت دور التدخل الفرنسي، ليعرف الجميع أن العسكرية الفرنسية ضربت الثوار وأبعدت خطرهم عن الحكومة الزائيرية، ومنعت تفردهم بإقليم شابا الذي تمركزوا فيه وفصلوه عن الخضوع لحكومة زائير. 
  • وبعد الانقلاب الذي أطاح بإمبراطور إفريقيا الوسطى، تدخلت القوة الفرنسية وانتشرت خلال ساعات قليلة في العاصمة من أجل التمكين للرئيس الجديد «ديفيد داكو» الذي وصل إلى العاصمة «يانجي» على متن طائرة فرنسية قادمة من تشاد. السياسة 26/9/1979م.
  • وفرنسا التي تحمي النظام الحكومي في تشاد تدخلت عسكريًّا لضرب الثوار الذين يهدفون إلى الإطاحة بالحكومة.. أولئك الذين تحركهم النزعات اليسارية التي تلقى الدعم من الرئيس الليبي، الأمر الذي دعا الفرنسيين إلى تزويد حكومة السادات بدعم عسكري فسرته صحيفة يديعوت أحرنوت الإسرائيلية بقولها: «إن فرنسا معنية بدعم مصر لإجبار ليبيا على وقف دعمها للثوار في تشاد، حيث كانت قوات الثوار تهاجم مناجم اليورانيوم الفرنسية» الوطن 29/12/1979م.
  • أما الدور الفرنسي في الصحراء المغربية فهو دور مكشوف للعيان، ولا يحتاج إلى تفسير، فالفرنسيون الذين أسهموا في وضع استراتيجية غربية لاستغلال مناجم اليورانيوم في الصحراء المغربية لن يتخلوا عن إدخال قواتهم إلى الصحراء، فيما إذا حاولت بعض الأطراف المحيطة بالصحراء أن تتطاول على استراتيجية الغرب هناك، وقد وردت عدة تقارير أوربية أشارت إلى وجود فرنسي يحاول أن يحافظ على التوازن بين الجزائر والمغرب والبو ليساريو بشأن الصحراء المتنازع عليها. 
  • وفي تونس بعدما أعلن عن أحداث قفصة.. نقلت وكالات الأنباء خبر التدخل العسكري المباشر فيما وصف بأنه نجدة للحكومة التونسية من فتنة داخلية أو هجوم يساري دبره الرئيس الليبي معمر القذافي... وتجسد دور الفرنسيين بحماية النظام البورقيبي الذي مضى عليه زمن ليس بالقصير وهو يهتز بانتظار خلافة الرئيس بورقيبة.
  • أهداف التدخل العسكري الفرنسي في القارة السوداء:

لعل الأهداف من ذلك تنحصر في شقين أساسيين:

 الأول: حفظ الأنظمة التي ترتبط مع فرنسا والغرب بعامة بنوع من العمالة، وحمايتها من الاهتزاز أو السقوط، وفي الشواهد السابقة ما يغني عن التفصيل.

الثاني: وهو هدف اقتصادي يجعل فرنسا حريصة على حماية مصالحها الاقتصادية، مهما كان شكل النظام القائم في الدولة التي تقيم فيها فرنسا مصلحة اقتصادية، ولعل للتدخل الفرنسي في جمهورية إفريقيا الوسطى قبل سقوط بوكاسا وبعد تنصيب «ديفيد داكو» بمساعدة فرنسية يوضح ذلك، فالفرنسيون كانوا يوجهون دعمهم للإمبراطور السابق، ومن ثم يجد المراقب أن القوة الفرنسية في إفريقيا هي التي أتت بالرئيس الجديد «داكو» والأمر بيّن واضح، وهو يشير إلى أن التدخل الفرنسي في عهد «بوكاسا» وبعد سقوطه على يد الفرنسين أنفسهم كما تروي بعض الأخبار، إنما هو المحافظة على الامتيازات الاقتصادية في إفريقيا الوسطى، ولنا أن نعرف حقيقة الدوافع الاقتصادية بشاهد آخر يتمثل في موقف فرنسا من الصحراء الغربية الغنية باليورانيوم، واليورانيوم هو الذي فجر النزاع بين أطراف دولية كثيرة حول مسالة الصحراء والسيطرة عليها، ولنا أن نأخذ شاهدًا شاخصًا من النزاع الدولي حول دولة تشاد التي يحاول فيها الثوار اليساريون المدعومون من الكوبيين وليبيا من أن يسيطروا على الدولة الغنية باليورانيوم، وذلك في مواجهة مع الفرنسيين الذين حشدتهم فرنسا في تشاد لحماية مناجم اليورانيوم من ناحية، وحماية النظام الذي يرتبط مع فرنسا بالعمالة السياسية من ناحية أخرى.

فرنسا والصراع حول القارة السوداء:

يدعي كل من الفرنسيين والكوبيين الحق في الدفاع عن القارة، فالفرنسيون يتمركزون الآن في مناطق كثيرة في دول القارة، بينما نجد أن کوبا قد أعلنت مرات عديدة عن تدخلها في مناطق إفريقية متعددة.

وللقارئ أن يقف على التقرير الذي وزعته وكالة «أ ف ب» ونشرته الشرق الأوسط السعودية يوم 22/12/1979م ليقدر حجم النزاع على قارة إفريقيا بين القوى الاستعمارية، التي يبدو أنها لم تتفق حتى الآن فيما بينها على رسم نهائي لخرائط النفوذ في القارة السوداء. 

ونحن هنا نقتطع من التقرير ما قاله الوزير الفرنسي «جان فرانسوا بونسيه» بصدد تبرير الوجود الفرنسي في مناطق إفريقية متعددة والذي يقول: 

«لقد ظهرت في إفريقيا قوات غزو حقيقية قدمت من بعيد جدًا على غرار أسوأ العمليات الاستعمارية القديمة، ولأول مرة منذ هذا العهد الذي ولى وإلى الأبد، بل إن عدد أفراد هذه القوات الموجودة في القارة بنحو 50 ألف رجل.

وفي إضافة لوزير الخارجية الفرنسي قال: إن هذا الرقم يعكس أبعاد المشكلة التي نشأت، والأخطار التي تترتب عليها بالنسبة للاستقرار في أجزاء كاملة من القارة الإفريقية، وقد أوضح الوزير الفرنسي أن التدخل الفرنسي في موريتانيا وزائير «شابا» وتشاد وإفريقيا الوسطى، يرجع إلى طلب البلاد المعنية. الشرق الأوسط السعودية - 22/12/1979م.

ومما مضى يتبين أن الفرنسيين يسعون إلى خوض الصراع المستمر بهدف حماية مصالحهم الاقتصادية، وذلك في التبرير الاستعماري المعروف الذي ذكره الوزير الفرنسي من أن تدخل بلاده يكون عادة بناء على طلب رسمي من الدول الإفريقية المعنية.

ولا يخفى على المراقب معنى هذا القول، فالروس الذين نصبوا الحكومات الشيوعية العميلة لهم في أفغانستان برروا تدخلهم بحماية النظام، تلك القاعدة الاستعمارية المكشوفة الخرقاء، وهذا الأمر هو الذي أثار بعض الأطراف العربية عندما تدخلت القوات الفرنسية علانية في تونس، ففي تقرير إخباري نشرته السياسة الكويتية من باريس صباح 24/2/1980م ما يلي:

في باريس أطراف عديدة ذات نفوذ تؤمن بأن ما فعلته الحكومة الفرنسية من إرسال قوات إلى تونس يعتبر في النهاية واحدة من الممارسات السياسية التي تجاوزها الزمن، وإنها ستندرج في باب واحد مع الخطوة السوفيتية في أفغانستان، ومع الوجود البريطاني في جنوب إفريقيا، وإنها لن تزيد عن كونها محاولة مكررة لاختراق القارة الإفريقية من الشمال بمحور يراد له أن يحفظ المصالح الإمبريالية التقليدية لفرنسا في وسط القارة»

وهنا لا بد للمسلمين من الوقوف على الدور الفرنسي الاستعماري في بلدان العالم، والذي يشمل تدخلًا في بلدان المسلمين أنفسهم، ولعل الدور الفرنسي ليس أقل خطرًا من أي دور استعماري عرفته الأمة، ولنا كمسلمين تجارب مريرة وكثيرة مع هذا الاستعمار الذي كان أول من دخل بلادنا بجيوشه التي يدفعها الحقد الصليبي والطمع بموارد أرضنا وأمتنا، ولن يكون خطر الفرنسيين غدًا بأقل من خطرهم بالأمس.

لبنان والعالم الإسلامي في التخطيط العلمي الأجنبي 

«بقية»

أما الدراسات السوفيتية فأهمها: مجلة أسيا وإفريقيا ونشرات أكاديمية العلوم في موسكو وفروعها في «باكو» و«تبيليسي» و«يريفان» و«أشكاباد» و«طشقند» و «كييف» و «لينيغراد». 

والدراسات المشار إليها أعلاه تتناول العالم الإسلامي عمومًا، ولهذا تتوجب الإشارة أيضًا إلى مختلف المجلات والمنشورات الصادرة عن مراكز البحوث في الدول الكبرى، والعائدة لدراسات منطقة الشرق الأوسط أو الأرض المقدسة «فلسطين».

ويستنتج متتبعو الدراسات الاستراتيجية العلمية من محتوى واتجاه هذه المطبوعات اهتمام العالم خارج العالم الإسلامي بالتخطيط لافتعال أزمات سياسية جديدة، ومثال ذلك ظهور ثلاث مجلات خلال العشر سنوات الأخيرة، تهتم بالدراسات القبطية البحتة، مما يدل على أن هناك إرهاصات تنذر بظهور المسألة القبطية.

هذا ما قام به أعداء المسلمين لدراسة العالم الإسلامي، فماذا فعل المسلمون؟ منذ سقوط الخلافة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى والمؤتمرات الإسلامية تعقد لسبب أو لآخر، وفي كل مؤتمر تعرض مشاكل العالم الإسلامي، وتنتهي المؤتمرات وتتفرق وفود المسلمين ليعود كل وفد إلى بلده متناسيًا أن العالم الإسلامي مسؤول بعضه عن بعض، لا فرق بين أسوده وأصفره وعربيه وأعجميه.

الرابط المختصر :