; قمة القاهرة .. هل تنجح في استعادة وحدة الصف العربي؟ | مجلة المجتمع

العنوان قمة القاهرة .. هل تنجح في استعادة وحدة الصف العربي؟

الكاتب عاطف الجولاني

تاريخ النشر الثلاثاء 18-يونيو-1996

مشاهدات 47

نشر في العدد 1204

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 18-يونيو-1996

  • الولايات المتحدة تشعر بقلق بالغ من التنافس الفرنسي المتصاعد لها في الشرق الأوسط.
  • لا بد أن تراجع القمة الموقف من التسوية مع العدو الصهيوني، بعدما ثبت أنها لا تصب في مصلحة العرب.

شهدت المنطقة تحركات نشطة ومتسارعة على الصعيد العربي في أعقاب فوز بنيامين نتنياهو برئاسة الحكومة الإسرائيلية، وسقوط شيمون بيريز مرشح اليسار الإسرائيلي ومعسكر السلام العربي، وما أثاره ذلك من مخاوف لدى الأطراف العربية والدولية من احتمالات تعثر العملية التفاوضية بين إسرائيل والدول العربية، بسبب السياسات والمواقف المتشددة التي طرحها حزب الليكود وحلفاؤه من الأحزاب الدينية واليمينية في برامجهم الانتخابية، إزاء القضايا الأساسية كموضوع القدس والاستيطان، والدولة الفلسطينية، والانسحاب من الجولان.

فخلال أقل من أسبوع عقدت ثلاثة لقاءات على مستوى قمة مصغرة: الأول في القاهرة بين الرئيس المصري والسوري، والثاني في العقبة وشارك فيه الرئيس المصري والعاهل الأردني ورئيس السلطة الفلسطينية، والثالث في دمشق وحضره الرئيسان المصري والسوري وولي العهد السعودي، وتمخضت هذه القمة- التي كانت الأهم- عن توجيه دعوة لعقد قمة عربية موسعة على مستوى الملوك والرؤساء في 21 من الشهر الحالي بعد انقطاع دام نحو ست سنوات.

وكان الرئيس المصري قد أشار قبل ثلاثة أيام فقط من قمة دمشق إلى صعوبة عقد قمة موسعة لزعماء الدول العربية، وكانت سورية- كما أشار الكثير من المراقبين- هي المحرك والضاغط لعقد القمة التي تكثر التساؤلات حول توقيتها وطبيعة القضايا التي ستناقشها، والنتائج التي يتوقع أن تتمخض عنها.

وزير الخارجية المصري أوضح الهدف الرئيسي لقمة دمشق المصغرة والقمة العربية الموسعة في القاهرة..، وقال: «سنرص الصفوف للخروج بموقف موحد مع الدول العربية لدعم عملية السلام وليس ضدها».

فالقمة المقترحة لا تأتي بهدف إعادة لم الشمل العربي، وتعزيز التضامن بين الدول العربية لمواجهة الأخطار المحدقة بالأمة العربية، وما يؤكد ذلك توقيت عقدها بسقوط رئيس الوزراء الإسرائيلي شيمون بيريز الذي راهنت عليه كثير من الأطراف العربية، ولم تتوقع خروجه من دائرة التأثير السياسي في إسرائيل.

والهدف الأساسي لعقد القمة هو توجيه رسالة إلى إسرائيل والإدارة الأمريكية بعدم رضى الأطراف العربية، وتخوفها من فوز الأحزاب اليمينية والدينية في الانتخابات الإسرائيلية، ومن البرامج السياسية المتشددة التي تطرحها، ومحاولة ممارسة ضغط على رئيس الحكومة الإسرائيلي المنتخب كي يخفف من لهجته المتشددة، ويعمل على إبداء مرونة أكبر إزاء القضايا التفاوضية المطروحة، وكان وزير الخارجية المصري عمرو موسى قد أشار- بصورة واضحة- إلى أن هدف القمة العربية الموسعة هو- على حد وصفه- مواجهة سياسات الزعيم الإسرائيلي المتشدد الجديد بنيامين نتنياهو.

وإلى جانب العملية السلمية التي ستكون محور النقاش في القمة، والتي يتوقع أن يصدر تأكيد من المجتمعين على التمسك بها والحرص على مواصلتها، فقد تطرح قضايا أخرى كإعلان التضامن مع دولة البحرين في مواجهة التحديات الداخلية التي تستهدفها، وإبداء القلق من الاتفاق التركي الإسرائيلي، وكانت قمة دمشق قد ناقشت هاتين القضيتين إضافة إلى الأخطار التي تتهدد عملية التسوية، ويتوقع أن تكون قمة القاهرة الموسعة نسخة مكبرة عن القمة الثانية في دمشق، سواء كان ذلك من حيث قضايا البحث، أو القرارات والنتائج المتوقعة، مع فارق بسيط، وهو أن قمة القاهرة المرتقبة قد تشهد خلافات وملاسنات بين بعض الأطراف العربية.

وتجدر الإشارة إلى أن محورًا عربيًا ثلاثيًا قد بدأ بالتبلور خلال الأشهر الماضية يضم مصر، وسورية، والسعودية، وهي أطراف فاعلة في المنطقة، وتملك التأثير على أطراف عربية أخرى، وإلى جانب هذا المحور الثلاثي، الذي نسق مواقف موحدة إزاء عدة قضايا، فإن هناك بوادر لقيام محور مضاد إسرائيلي تركي مدعوم من الولايات المتحدة، وقد تنضم إليه أطراف أخرى خلال القمة القادمة.

ضغوط أمريكية لمواصلة التفاوض:

الإدارة الأمريكية التي تعنى- بصورة أساسية- باستمرار العملية السلمية، والحيلولة دون وصولها إلى طريق مسدود، أبدت قلقًا واضحًا إزاء التحركات العربية التي تسارعت بعد إعلان فوز نتنياهو، وسارعت إلى الطلب من الأطراف العربية بعدم التسرع في الحكم على توجهات الحكومة الإسرائيلية الجديدة.

والإدارة الأمريكية التي تجد نفسها عاجزة عن ممارسة أية ضغوط حقيقية على رئيس الوزراء الإسرائيلي المنتخب طيلة الأشهر الستة القادمة حتى إجراء انتخابات الرئاسة الأمريكية نهاية هذا العام، يتوقع أن تمارس ضغوطًا شديدة على الأطراف العربية وفي اتجاهات مختلفة، لمنع اتخاذ مواقف تتعارض مع المصالح الأمريكية المستندة إلى استمرار العملية السلمية في المنطقة.

وقد صدرت عن مسؤولين أمريكيين تحذيرات للأطراف العربية من اتخاذ مواقف تضر بالعملية السلمية، التي ترى الإدارة الأمريكية أنها ينبغي أن تستمر في كل الظروف وتحت أي سقف كان، بحجة أنه لا يوجد بديل عن المضي في عملية المفاوضات.

ويتوقع أن تلجأ الإدارة الأمريكية التي تحاشت إظهار استيائها من النية لعقد قمة القاهرة المرتقبة، إلى ممارسة ضغوط غير معلنة على الأطراف العربية، للحيلولة دون اتخاذ مواقف قوية إزاء عملية التسوية، ولمنع هذه اللقاءات العربية التي بدأت تنشط مؤخرًا من أن تكون بداية حقيقية وجادة لإعادة بعض التضامن ووحدة الصف العربي.

وكانت الإدارة الأمريكية قد بدأت بصورة معلنة ممارسة ضغوط سياسية على سورية التي هاجمت رئيس الحكومة الإسرائيلية المنتخب، وبدأت العمل من أجل حشد موقف عربي لمواجهة التحدي الطارئ، فقد وجهت الإدارة الأمريكية خلال الأيام الماضية اتهامات لسورية بدعم الإرهاب الموجه لتركيا، والقادم من أراضيها، كما وجهت وزارة الخارجية الأمريكية تحذيرات لرعاياها في سورية لتوخي الحيطة والحذر، وأكدت وقوع عدة انفجارات خطيرة في سورية قبل عدة أسابيع، وهو ما نفته الحكومة السورية.

وقد اعتبر المراقبون هذه الاتهامات والتحذيرات محاولة أمريكية للضغط على سورية، وتوجيه رسالة إليها بضرورة التوقف عن إبداء مواقف متشددة إزاء الحكومة الإسرائيلية الجديدة قد تؤثر بصورة سلبية على مسار العملية السلمية، خاصة وأن الإدارة الأمريكية تدرك أن مثل هذه المواقف قد تؤدي إلى تصليب الموقف العربي، وكبح جماح عملية التطبيع التي تسارعت خلال الشهور الماضية.

وأشار إلى أن الإدارة الأمريكية كانت تفضل فوز شیمون بیریز بانتخابات رئاسة الوزراء الإسرائيلية، نظرًا لما قد يسببه فوز نتنياهو من تحديات للعملية السلمية، غير أن الرئيس الأمريكي أكد بصورة قاطعة استمرار دعم الولايات المتحدة للموقف الإسرائيلي أيًا كان شكل حكومتها الجديدة.

ويرى البعض أن هناك شكوكًا قوية في قدرة الإدارة الأمريكية- التي بدأت بصورة فعلية حملتها الانتخابية- على مواصلة دفع العملية السلمية بنفس القوة والزخم السابق، فهي لا تملك أوراقًا قوية للضغط على نتنياهو الذي انحازت لصالح منافسه بيريز في الانتخابات الأخيرة، إضافة إلى أن نتنياهو يحظى بتأييد قوي لبرامجه المتشددة من قبل حلفائه في الأحزاب الدينية اليمينية، ومن قبل الشعب الإسرائيلي الذي أظهرت نتائج الانتخابات- بصورة لا تدع مجالًا للشك- توجهه نحو مزيد من التشدد والتطرف.

كما أن الإدارة الأمريكية ستجد صعوبة في إقناع الدول العربية والضغط عليها للقبول بالتفاوض مع الحكومة الإسرائيلية وفق الرؤية التي يطرحها رئيس وزرائها الجديد، خاصة وأن هناك مؤشرات قوية على أن تفرد الولايات المتحدة برعاية العملية السلمية قد بات موضع شك، حيث أن فشل الإدارة الأمريكية في ممارسة ضغوط على الحكومة الإسرائيلية الجديدة، وفي نفس الوقت زيادة ضغوطها على الأطراف العربية، قد يدفع هذه الأطراف للتقارب بصورة أكبر مع الدور الفرنسي الذي يدخل بشكل قوي على خط عملية التسوية، ويطالب بدور فرنسي وأوروبي أكبر في العملية التفاوضية، وقد بات واضحًا أن المنطقة تشهد عملية استقطاب وتنافس سياسي بين فرنسا والولايات المتحدة التي تشعر بقلق بالغ من التحدي الفرنسي الجديد.

وقد سارع الرئيس الفرنسي جاك شيراك إلى دعوة رئيس الوزراء الإسرائيلي المنتخب لزيارة فرنسا، وبصورة متوازية ومتزامنة مع الدعوة التي وجهها الرئيس الأمريكي لنفس الغرض، مع الإشارة إلى أن المسؤولين الإسرائيليين عمومًا يبدون تحفظات شديدة تجاه أي دور فرنسي أو أوروبي في إدارة العملية السلمية، وقد طالب السفير الإسرائيلي في السويد قبل أيام الدول الأوروبية بعدم التدخل في مجرى العملية التفاوضية بين إسرائيل والأطراف العربية.

وهناك تساؤلات تطرح الآن حول إمكانية قيام فرنسا بدعم المحور السوري- المصري- السعودي في مواجهة المحور الإسرائيلي- التركي الذي يحظى بالمساندة الأمريكية، وإن كان البعض يرى أن التقارب بين أطراف المحور العربي الثلاثي ما هو إلا تقارب تكتيكي، لا يمكن المراهنة على استمراره خلال الفترة القادمة.

مطالب الحد الأدنى:

وفي إدراكنا لحقيقة الدوافع التكتيكية وراء التقاربات واللقاءات والقمم العربية التي عقدت وتعقد في هذه المرحلة، وصعوبة المراهنة على إمكانية أن تسهم في إعادة بناء موقف عربي رسمي ينسجم مع ثوابت الأمة ومنطلقاتها، فإننا لا نملك سوى الوقوف إلى جانب أية خطوات أو محاولات- مهما كانت متواضعة- من شأنها أن تعزز صلابة الموقف العربي في مواجهة المخططات المعادية التي تستند إلى المشروع الصهيوني كرأس حربة في مقاومتها لأية مشروعات عربية إسلامية للنهوض وإعادة الاعتبار للأمة ولدورها الحضاري.

فقد سعت الأطراف المعادية بشكل حثيث، وبذلت جهودًا كبيرة للقضاء على كل ما من شأنه تعزيز التقارب العربي الإسلامي، وعملت على تحطيم أية مؤسسات تحمل عناوين لتنسيق عربي أو إسلامي، بهدف إتاحة المجال أمام قيام إقليم شرق أوسطي جديد، يغيب عنه البعد العربي والإسلامي، ويقوده الكيان الصهيوني بما يحقق أهدافه وأهداف القوى المعادية والطامعة.

وانطلاقا من تقديرنا لمرارة الواقع الذي تعيشه الأمة، ويحول دون طرح مطالب قد ينظر إليها كرغبات حالمة محلقة في الخيال، فإن أقل القليل الذي نطلبه من قادة الأمة الذين سيجتمعون في القاهرة:

أولًا: السعي الجاد لإعادة اللحمة والتماسك للموقف العربي المتصدع، وتعزيز التضامن العربي بما يخدم مصالح الأمة وشعوبها، ولعل إعادة الاعتبار لدور الجامعة العربية ومؤسساتها خطوة في الاتجاه الصحيح، رغم كل ملاحظاتنا على ضعف وهامشية دورها خلال المرحلة السابقة.

ثانيًا: مراجعة الموقف من عملية التسوية السلمية مع الكيان الصهيوني، التي أثبتت جميع الوقائع أنها لا تخدم سوى مصالح العدو الصهيوني، وأنها ألحقت أضرارًا كبيرة بمصالح الأمة، وإذا كان البعض تذرع باختلال موازين القوى الدولية، وبعدم القدرة على مواجهة الرغبة والضغط الدولي لدخول نفق التسوية والمضي فيها، فإن ثمة تغيرات مواتية تتيح إعادة تقييم الموقف من عملية التسوية بكاملها.

ثالثًا: دعم قوى المقاومة التي تتصدى للخطر الصهيوني، والتوقف عن محاصرتها وملاحقتها وتصنيفها كقوى إرهابية، وإذا كان هذا الموقف ينبغي له أن يتخذ سابقًا، فإنه قد بات الآن أكثر ضرورة وأهمية، فالبرامج التي يطرحها حزب الليكود وحلفاؤه لا تكافئُها سوى البرامج القوية التي تطرحها حركات المقاومة، التي ثبت أنها الأقدر والأكثر نجاحًا على وضع حد للغطرسة الصهيونية.

رابعًا: وقف مسيرة التطبيع مع الكيان الصهيوني، والانسجام مع الموقف الشعبي الرافض لإنهاء حالة الصراع مع العدو، الذي ما يزال يحتل الأرض، ويمارس قمعه الوحشي ضد الشعبين الفلسطيني واللبناني.

الرابط المختصر :